الدرس في الجواب الكافي 47، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الدرس بتوضيح الفرق بين الرجاء والأماني، حيث يبين أن الرجاء يستلزم محبة ما يرجوه المرء وخوفه من فواته وسعيه في تحصيله. بينما الأماني فهي رجاء دون هذه الأمور الثلاثة.
يستمر الدرس في شرح الفرق بين الرجاء والأماني، موضحًا أن الرجاء الحقيقي يقتضي العمل والسعي لتحقيق المرجو، بينما الأماني هي تمني الأشياء دون سعي أو عمل.
ينتقل الدرس إلى شرح الرجاء والخوف النافعين في الإسلام، حيث يقترنان بالعمل الصالح، ويستلزم الخوف العمل ويجعل الإنسان يسارع في الخيرات. بينما الرجاء من غير عمل باطل.
ينهي الدرس بالدعاء للتوفيق من الله جل وعلا والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، مع التركيز على أهمية العمل الصالح في نيل رضا الله.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل الرجاء والأماني. قالوا: مما ينبغي أن يعلم أن من رجى شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور: أحدها محبة ما يرجوه، والثاني خوفه من فواته، والثالث سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأماني. الرجاء شيء والأماني شيء آخر، فكل راج خائف. والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير خاف الفوات. في جامع الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة، فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. قد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية، فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: «لا يا بنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات». قد روى من حديث أبي هريرة أيضا: والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل لبيان الفرق بين الرجاء والأمان، وقد سبق أن ذكر الفرق بين حسن الظن بالله جل وعلا والغرور. ثم ذكر في هذا الفصل الفرق بين الرجاء والأمان، وذلك لأن كثيرا من الناس لم يفهموا الفرق بين ما هو حسن ظن بالله وما هو غرور، وهكذا ما هو رجاء وما هو أماني، فاختلطت عليهم الأمور في فهم هذه الأمور. فأراد رحمه الله تعالى أن يبين في هذا الفصل الفرق بين الرجاء والأمان. فذكر رحمه الله تعالى أولا ما يتعلق بالرجاء، وبيّن رحمه الله تعالى أن من رجى شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور. كل من رجى شيئا وأراده، فهذا الرجاء منه يستلزم هذه الأمور الثلاثة: محبة ذلك المرجو، لأنه إذا رجى العبد شيئا، هذا دليل على أنه يحب ذلك المرجو. لا يمكن أن يرجو الإنسان شيئا لا يحبه، وإنما يرجو ما يحبه ويطلب حصول ما يحبه. والأمر الثاني: خوفه من فواته، من رجى شيئا خاف فوات ذلك المرجو، لأنه يريد أن يتحقق له ذلك ويحرص على تحقيقه وتحصيله. ويخاف أن يفوته ذلك الذي رجاه، فالمحبوب يخاف أن يفوت. والأمر الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان، فيسعى لتحقيق ذلك ولتحصيل ذلك بحسب الإمكان، وبكل ما يملك من الطاقات يحرص حرصا شديدا على تحصيل ذلك الذي رجاه. إذا كان هذا إذا كان كذلك، فهذا هو الرجاء، هذا هو الرجاء الحقيقي. الرجاء بالله والرجاء في الله يستلزم هذه الأمور، فهذا ضابط الرجاء. فإذا قلنا: ما هو الرجاء الصحيح؟ رجاء العبد في الله جل وعلا؟ نقول: الرجاء الصحيح هو الذي توفرت فيه هذه الأمور: أن يحب ذلك المرجو، وأن يخاف من فواته، وأن يسعى في تحقيقه وتحصيله. فإذا كان كذلك، فهذا الرجاء. وأما الرجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهذا أماني، ليس برجاء. إنسان يرجو، ولكن لا يسعى في تحقيق ذلك المرجو، يرجو شيئا ولا يسعى في تحقيق ذلك المرجو وتحصيل ذلك المرجو، هذا ليس برجاء، هذا أماني. يجلس ويجعل رجله فوق الأخرى، ويقول: أريد وأريد وأريد، وأنا أرجو حصول كذا وأرجو حصول كذا، وهو على هذا الحال مستلقيا على الأرض ورجل فوق الأخرى، هذا أماني ليس برجاء. الرجاء أن يسعى، أن يسعى لا يتمنى على الله الأمان. وكما جاء في الحديث الضعيف في السند، صحيح المعنى: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». هذا يتمنى على الله الأماني، يريد الجنة ويريد الثواب ويريد كذا ويريد كذا، من غير سعي في تحقيق ذلك ومن غير عمل ومن غير إتيان بأسباب تحقيق ذلك، فهذه هي الأماني. والأماني رأس مال المفاليس، الأماني رأس مال المفاليس. الذي يرجو تحصيل المال ونماء التجارة أن تنمو تجارته، وأن كذلك يكثر ماله، فما هو رأس مال تحقيق هذه الأمور؟ ما هو رأس تحقيق هذه الأمور؟ تحقيق التجارة وتحقيق الكسب وتحقيق النمو في التجارة، رأس مال رأس مال تحقيق هذه الأمور هو العمل والسهر والحركة والسؤال والبحث وهكذا. سؤال أهل الخبرة: ما هي الأشياء التي تربح؟ وما هي الأشياء التي الكسب منها واضح؟ وغير ذلك، هذا هو رأس المال. لكن الإنسان يريد هذا ولا يأخذ بالأسباب، هذه أمان، هذه أمان. رأس مال المفاليس رأس مال هؤلاء هي هذه الأمان. ولذلك ذكر رحمه الله تعالى الفرق بين هذين الأمرين، فالرجاء شيء والأمان شيء آخر. وضابط الرجاء الخوف، الخوف. وكما أنه ضابط الخوف الرجاء، الخوف والرجاء لا بد أن يجتمعا. أما خوف من غير رجاء أو رجاء من غير خوف، فهذا ليس برجاء وليس بخوف. وهكذا الذي يرجو يسير على الطريق ويسرع، فضابط الرجاء فضابط الرجاء الخوف. ولازم ذلك السير، لأن من خاف أسرع، ومن رجاء سعى في تحقيق ذلك المرجو. واستشهد بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند الترمذي: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» إلى آخر الحديث. وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. والشاهد الذي أراده ابن قيم رحمه الله تعالى أن يبين الصادق في رجائه ممن هو على أماني، فالذين صدقوا في رجائهم هم الذين أسرعوا وساروا إلى الله جل وعلا شوطا بعيدا. أما أهل الأماني فهم الذين آثروا الدنيا على الآخرة، وابتلوا بهذه الحظوظ الزائلة، ورضوا بالذل والهوان. وذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قد آثروا الدنيا ولذة عيشها على الجنات والرضوان، صاحبوا الأماني ورضوا بحظوظهم، وابتلوا صاحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم، ورضوا بكل مذلة وهوان. هؤلاء أهل الأماني ابتلوا بهذه الحظوظ الدنيوية الزائلة، ولذلك رضوا بالذل ورضوا بالهوان. أما أهل الرجاء فإنهم تركوا هذه الحظوظ الدنيوية، ولم تستشغلهم عن طاعة الله جل وعلا، وعن مسارعتهم في مرضات الله جل وعلا. وهكذا تركوا وآثروا الدنيا على وآثروا الآخرة على الدنيا، والباقي على الفاني، فأعزهم الله سبحانه وتعالى. وذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أن الله سبحانه وتعالى كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، كذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة. وهذا يدل كما ذكرنا وتعالى أن الرجاء والخوف النافع هو الذي يقترن به العمل. خوف من غير عمل هذا باطل، فالذي يخاف يعمل، والذي رجاء يعمل. الخوف يستلزم العمل، والرجاء يستلزم العمل. أما خوف من غير عمل أو رجاء من غير عمل، فهذا ليس بنافع. واستشهد بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. فالذي حقق الخوف من الله جل وعلا النافع، والرجاء في الله عز وجل الرجاء الحقيقي، هو الذي سارع في مرضات الله جل وعلا، والذي سابق. وهم المشار إليهم في قوله جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. والذين تقدم ذكرهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. هؤلاء أولئك هم الذين فعلا على الخوف الصحيح النافع، والرجاء الصحيح النافع. ودليل ذلك وبرهان ذلك مسارعتهم ومسابقتهم. وأيضا يخافون ويأتون بالأعمال، والذين يأتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، أي خائفة. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: هم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: «لا يا بنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ومع هذا يخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات». كما جاء عند الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وجاء أيضا من حديث أبي هريرة. فالله سبحانه وتعالى وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، أحسنوا العمل، وهكذا هم على خوف من الله جل وعلا. وأما الأشقياء فوصفهم جل وعلا بالإساءة والأمن، أمنوا مكر الله جل وعلا، والعياذ بالله. يلعبون ويلهون وفي غفلة وفي إعراض إلى خير ذلك. هؤلاء أمنوا مكر الله، هؤلاء أمنوا مكر الله كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فأهل الشقاء وأهل التعاسة وصفهم الله جل وعلا بأنهم على إساءة وعدم إحسان، وكذلك على أمن من مكر الله جل وعلا. بخلاف أهل الرجاء والخوف، فإنهم لم يأمنوا مكر الله جل وعلا، وإنما سارعوا ونافسوا. ولذلك ذكر بعد ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هؤلاء الذين أشار الله جل وعلا إليهم في كتابه الكريم، وامتدحهم وترحم عنهم وأثنى عليهم، وعلى رأسهم صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وسيأتي نقل ابن القيم رحمه الله تعالى النقولات عن هؤلاء الصحابة كيف بلغ الخوف عندهم مع ما كانوا عليه من الأعمال العظيمة. فسيذكر نقولا عن هؤلاء الأخيار رضي الله تعالى عنهم، ليستشهد على ما جاء في كتاب الله جل وعلا من بيان هذا الوصف لهؤلاء الأخيار. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا. ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.