الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل شروط اليمين والحلف في الإسلام، حيث يشترط أن يكون الحلف بالله تعالى أو بأحد صفاته. يحذر من الحلف بغير الله أو بالأنداد استنادًا إلى أحاديث نبوية.
يبحث هذا الفصل في نية الحالف والمستحلف في الأيمان، حيث يرى جمهور العلم أن الأصل هو نية الحالف، بينما يختلف الحنفية في مسألة التورية في اليمين ويشترطون اعتبار نية المستحلف إذا كان قاضيًا.
يناقش هذا الفصل أحكام الضمان في حالة الإتلاف بغير حق، حيث يجب الضمان سواء كان المتسبب مكلفًا أو غير مكلف، ويعتبر الغاصب متلفًا لمال غيره ويتحمل الضمان مطلقًا.
يفسر هذا الفصل حديث 'ليس لعرق ظالم حق' واستدلال العلماء به على أن الظالم لا حق له فيما تلف أو اغتصب بغير إذن أو حق، ويتحمل عواقب أفعاله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ألامه. بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في المقدمة المجموع: ومن الأشياء التي ذكرها رحمه الله أن المعلم يحرص على تعليمها تلاميذه. قال: وأن الاعتبار في الأيمان بالله أو العتاق أو الطلاق أو غيرها بنية الحالف، إلا أن يكون المستحلف قاضيا فاستحلفها لله في بعض النسخ الظاهر أو نائبا عنه. قال: فاستحلفها لله تعالى لدعوة اقتضته. فإن الاعتبار بنية القاضي أو نائبه إن كان الحالف يوافقه في الاعتقاد، فإن خالفه -كحنفي استحلف شافعيا في شفعة الجوار- ففيمن تعتبر نيته وجهان. فهذه المسألة مسألة نية الحالف، أن الأصل أن اليمين على نية الحالف، نية المستحلف على ما استحلف. ما جاء في صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام عنها أو نية الحالف على ما استحلف. وهذا الحديث في صحيح مسلم كما قلنا، إلا أن أكثر العلم حملوه على استحلاف القاضي، وليس ككل أحد إذا استحلف استحلفه القاضي، فإنه يحلف على ما استحلفه القاضي. وأما غيرها، فقالوا: عند الشافعية والحنابلة وأكثر العلم يقولون: يجوز أن يوري في يمينه، مثلا رجل في مسألة طلاق أو مسألة من مسائل الأسرة، وقالت له زوجته: احلف على كذا، فقام وحلف، لكن ليس على هذا حلف على شيء آخر. أنا ورأى، أو مثلا يقول: والله ليس أنا هنا، أو مثلا قالت له: احلف أنك لم تذهب إلى بيت فلان، فقال: والله ما ذهبت إلى هناك، وأشار إلى مكان عنده. فهذا تورية في اليمين، فأجازها جمهور العلم إذا كان هناك مصلحة لذلك، أنه فيه مصلحة لهذا الأمر، أنه يريد أن يخرج نفسه من الحرج. وأما الحنفية، فهم لا يجوزون هذا الأمر، بل يكون نية المستحلف على إطلاقه، لكن إذا حلفه القاضي فلابد أن يحلف على ما حلفه القاضي، لأن هذه قضية ولا يجوز فيها التحايل. فلهذا قالوا: هذا الحديث يحمل على تحليف القاضي، نية المستحلف على ما استحلف عليه، أو قال: نية الحالف على ما استحلف عليه. أنه يقول له القاضي: احلف أنك لم تفعل كذا، فهنا لا يجوز له أن يوري، بل يحلف على ما استحلفه القاضي، لا يجوز له أن يوري وإن كذب، فهي يمين غموس. ولكن إن ورى فلا يجوز إذا كان المستحلف هو القاضي، وهذا باتفاق أهل العلم. وإنما اختلفوا إذا كان المستحلف غير القاضي، أنه يحلف على كذا، يحلف أنك لم تفعل، يحلف أنك فعلت، فهنا إذا حلف لابد أن يكون يمينه على ما استحلف عليه، يمينه على ما استحلف عليه. لكن كما قلنا حمله أكثر العلم على أنه إذا استحلفه قاضيا أو نائبا، فنية اليمين على ما استحلف، أنه لابد أن يكون نيته على ما استحلف استحلفه القاضي، لا يأتي ولا يوري ولا يحتال. قال: وأن اليمين التي يستحلف بها القاضي لا تكون إلا بالله تعالى وصفاته. أنه أيضا لا شك أن اليمين لا تنعقد إلا إذا كانت بإسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته، يقول: والله، ورب الكعبة، وغيرها مما يحلف به، أو بالصفة: وعزتك، وقدرتك، وأيضا ومقلب القلوب، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: لا والذي نفسي بيده، وغيرها مما يكون من الأسماء والصفات. والحلف بالصفة ليس المراد به الاستغاثة بالصفة كما يخلط بعض طلبة العلم، أن الاستغاثة بالصفة هذا خطأ، لن يقول: يا عزة الله، يا قدرة الله. لكن الحلف يجوز أن يحلف بعزة الله، وعزة الله كما قال شيطان، كما ذكر الله عز وجل: «وعزتك لأغوينهم أجمعين». وجاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام الترمذي قال: جبريل لله عز وجل لما أمره أن ينظر إلى الجنة، قال: «وعزتك لا يراها أحد إلا طمعا يدخلها». فلهذا الحلف لا يكون إلا بالله عز وجل. جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر يحلف بأبيه، فقال: «لا تحلفوا بأبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد». وجاء في الحديث الآخر: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وجاء في حديث عبد الله بن عمر: «من حلف بغير الله فقد أشرك». وكذلك في النسائي: «من حلف بالأمانة فليس منا». وغير ذلك من الأحاديث التي جاءت في النهي عن الحلف بغير الله جل وعلا. وأن الحلف المنعقد لا بد أن يكون بالله أو بالصفة من صفاته. فلو قال مثلا القاضي لهذا الشخص: احلف بأبيك أنك لم تفعل، فهذا لا يجوز، ولا يجوز أيضا للقاضي، ولا أيضا يطيعه هذا المستحلف، لا يطيعه في أن يحلف بغير الله. فلهذا فلا يجوز للقاضي أن يوجه اليمين على المنكر أو على المدعى عليه إذا قام مشاهدا، فلا يجوز أن يقول له: احلف بكذا، أي بغير الله، أو يقول له: احلف بالطلاق، احلف بأنك لم تفعل كذا، يعني احلف بكذا، بشيء من المخلوقات، وهذا كله لا يجوز. وأما ما يحلف به الشخص بصفة الله فهذا جائز. قال: وأن الضمان يجب في مال المتلف بغير حق، سواء كان مكلفا أو غيره، بشرط كونه من أهل الضمان في حق المتلف عليه. وأن الضمان يجب في مال المتلف بغير حق، أو المتلف بغير حق، يعني الضمان عليه مطلقا، سواء كان فرط أو لم يفرط. ومن المتلف هو الغاصب، معنى الغاصب يعتبر متلفا لمال غيره، إذا أقدم الغاصب إذا أتلف مال غيره، أو من تعمد الإتلاف، من تعمد الإتلاف، أو كذلك إذا أخذ شيئا بغير حقه، بغير إذن، مثلا أخذ سيارة شخص بغير إذن، فحصل له حادث مثلا أو كذا، فهو ضامن. وكل ما يحصل بغير إذن، أي من الإتلافات، فإنه يكون الضمان على المتلف، ولو لم يكن يتعدى في هذا معنى، مثلا ليس هو باشر هذا الأمر، أو كان سببا مثلا في الحادث، مثلا جاءت سيارة واصطدمت به وهو يمشي، فهنا إن كان قد دفع ذاك الضمان وإلا كان الضمان على المتلف كذلك، لأنه أخذ بغير إذن. فلهذا المهم أنه يضمن مطلقا، يضمن مطلقا. واختلف العلماء هل يعوض بشيء إذا دفعه، مثلا شخص استولى على أرض زراعية، ومثلا قطع الأشجار التي فيها، ثم بنى أو زرع أشجار أخرى، ثم أنها أعطيت لصاحبها، فهنا هل هذا الزرع لابد أن يبقى ويكتفي به، أم أنه يعطيه ثمنا؟ فجمهور العلم يقولون: أنه ليس له ثمن، لأنه هو المتسبب وهو المغتصب، وقد أتلف أيضا ما للرجل. وأيضا إذا كان مثلا هذا صاحب الأرض يقول: أنا ما أريد هذا الزرع، هذا ما أعرف مثلا أن أزرع موز وأزرع كذا. وهنا يضمن ما قد كسره من الأشجار. وأما هذه الأشجار إن شاء أخذها وإلا كسرها، وليس فيها ضمان. وهذا مذهب أحمد، وهو أيضا المشهور عند الشافعية. فلهذا فالضمان على المتلف معناه يكون عليه مطلقا، عليه مطلقا. وقد قال في الحديث: «ليس لعرق ظالم حق»، ليس لعرق ظالم الحق، وهو حديث مختلف فيه، لكنه استدل به جمهور العلم على أن الظالم والمغتصب والمتلف حق غيره بغير إذن وبغير حق، هو ليس له شيء مما فعله في هذا الشيء، لأنه فعله بغير إذن وليس مأذونا فيه. فلهذا فيتحمل عواقب هذه الأمور.