فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 2

الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفسير آية ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وآراء العلماء حولها

تناول الشارح تفسير آية ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، مبينا أنها عامة ولم تنسخ وتشمل حالات الاشتباه في القبلة والصلاة في السفر. ذكر أربعة أقوال حول الآية، منها أنها منسوخة وتتعلق باستقبال بيت المقدس، وأنها محكمة وتتعلق بصلاة التطوع في السفر واستقبال الكعبة وللضرورة لمن لم يعرف القبلة.

تفسير آية الوصية للوالدين والأقربين ونسخها

تطرق الشارح إلى آية الوصية للوالدين والأقربين، وذكر أقوال العلماء في نسخها أو بقائها، معللين أن المراد بالعموم هو الخصوص لمن لا يرث. الخلاصة هي أن آية الوصية نسخت بآية المواريث كما ذكر الناظم.

أقوال العلماء في حكم الوصية ونسخها بآية المواريث

اختلف العلماء في حكم الوصية في الآية إلى ثلاثة أقوال: الأول أن الوصية واجبة للوالدين والأقارب غير الوارثين، والثاني أنها كانت واجبة ثم نسخت للوارثين، والثالث أنها منسوخة بآية المواريث فلا تجب لأحد. الراجح هو القول الثالث لنسخها بآية المواريث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشارح -عفا الله عنه- قوله: «آي التوجه حيث المرء كان» قال: يريد قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، أي قول الناظم -وهو الإمام السيوطي رحمه الله- «آي التوجه حيث المرء كان» أي قوله عز وجل: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فذكر هذه الآية رحمه الله على أنها من الآيات المنسوخة. قال في الآية أقوال ذكرها العربي في «أحكام القرآن» في المجلد الأول صفحة أربعة وثلاثين، وابن أبي حاتم في تفسيره في المجلد الثاني صفحة مائتين وحد عشر إلى مائتين واثني عشر. قال: وأهمها أربعة أقوال. الأول: القول بالنسخ، وبه قال ابن عباس. قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «الناسخ والمنسوخ»: أخبرنا الحجاج بن محمد، قال: أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: أول ما نسخ لنا من القرآن -فيما ذكر لنا والله أعلم- شأن القبلة. قال: شأن القبلة، قال الله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق، ونسخها، فقال: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾، وقال: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. قال: وخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الحسن بن محمد، عن حجاج بن محمد به. ثم قال: وروي عن أبي العالية والحسن وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك. والأثر رجاله ثقات إلا عثمان بن عطاء، فقد ضعفهم النسائي، وفيه عنعنة ابن جريج. وقد تابع كل منهم الآخر، فالأثر حسن الإسناد. وخرجه من طريق جرير، قال: حدثني مثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام -يعني الصلاة إلى الكعبة- فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، فارتاب من ذلك اليهود، فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾، وقال: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. قال أبو صالح: وعبد الله بن صالح، كاتب الليث، ضعيف. وعلي بن أبي طلحة، روى عن ابن عباس، ولم يسمع منه، لكن الواسطة معلومة، وهو مجاهد، كما قال المزي رحمه الله في «تهذيب الكمال». فالأثر حسن بما قبله. إذن، هذا القول الأول: أن الآية منسوخة، أن الآية منسوخة بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، وأن المراد بقوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فهو استقبال بيت المقدس حين كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك بالأمر باستقبال الكعبة. قال الثاني: قيل: إنها محكمة، وتفسيرها في السفر تطوعا. أن الآية محكمة، والمراد منها: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، أي إذا صلى المسلم على الراحلة في السفر، فله أن يتوجه حيث توجهت به راحلته. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال: أن تصلي أينما توجهت راحلتك في السفر تطوعا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر إلى مكة يصلي على راحلته تطوعا، يومئ برأسه نحو المدينة. أخرجه ابن جرير. وقال: حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عبد الملك به. وقال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، لعل «ثم» زائدة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ويتلو هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. قال: وخرجه الترمذي، قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الملك به. والحديث صحيح، وقد صححه العلامة الألباني في «صحيح الترمذي». وقد رواه مسلم والنسائي، وأصله في الصحيحين بغير ذكر الآية. هذا القول الثاني: أن الآية محكمة، والمراد بها -كما سمعنا- صلاة التطوع في السفر على الراحلة، فيصلي حيث توجهت به راحلته. قال: وقيل: محكمة، وهذا القول الثالث، وقيل: محكمة، والمراد استقبال الكعبة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال: حيث ما كنتم، فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة. وروي عن الحسن نحو ذلك. وانتهى كلام رحمه الله. وخرجه الترمذي، قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا وكيع، عن النظر بن عبد الله، عن مجاهد بلفظ: «فثم قبلة الله». والأثر صحيح مقطوع، وقد صححه الألباني في «صحيح الترمذي». هذا الآن الأثر صح عن مجاهد: أن المراد بالآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، أي حيث ما كنتم، وأينما ذهبتم، فقبلتكم هي الكعبة، فاستقبلوها. فالمراد: «فثم وجه الله»، أي الاستقبال الكعبة. طيب، الثالث والصواب الرابع. هذا القول الرابع: قيل: للضرورة لمن لم يعرف القبلة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: أنبأنا أبو الربيع السمان، أشعث بن سعيد، قال: أنبأنا عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن ربيع، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، في ليلة مظلمة، فنزلنا منزلا، فجعل الرجل يأخذ الحجارة فيجعلها مسجدا يصلي فيه -يعني موضعا للصلاة- فلما أصبحنا، إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة -يعني اشتبهت عليهم القبلة، فلم يعرفوا موضعها لأن الليلة كانت مظلمة- فاجتهدوا، ووضعوا موضع حجارة -يعني في الموضع الذي يصلون فيه علامة على موضع صلاتهم- فلما أصبحوا، إذا بهم قد صلوا إلى غير القبلة. قال: فقلت: يا رسول الله، ليلتنا ليلة باردة. ليلتنا ليلة باردة. فأنزل الله عز وجل: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. وأخرجه ابن جرير، قال: حدثني أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو الربيع به. وأخرجه الترمذي، فقال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أشعث به. ثم قال عقبه: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، أبو الربيع، عن عاصم بن عبيد الله. وأشعث يضعف في الحديث. انتهى كلام الترمذي رحمه الله. وقول الإمام الترمذي رحمه الله: «حديث غريب»، فإنه يريد بذلك أنه ضعيف. قال: قلت: عاصم ضعيف. قال ابن معين: ضعيف. وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. والحديث له طرق أخرى رواها الدارقطني والحاكم والبيهقي. قال ابن كثير في تفسيره، عند قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾، بعد ذكر بعض الطرق: وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يقوى بعضها بعضا. انتهى كلام رحمه الله. وقد حسنه الألباني رحمه الله بطرقه في «الإرواء». هذا الآن القول الرابع: أن هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، أنها للضرورة لمن لم يعرف القبلة. يعني إذا اشتبهت القبلة على المسلم، لم يعرف موضع القبلة، فاجتهد ثم صلى، فتبين بعد ذلك أنه صلى إلى غير القبلة، فصلاته صحيحة. فصلاته صحيحة. ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، أينما توجه في الصلاة، فإنك توجه إلى الله جل وعلا، وتكون معذورا في مثل هذه الحال. قال: والراجح -والله أعلم- وعدم النسخ، لأن الآية عامة، وهو ما رجحه ابن جرير في تفسيره، فقال: وأما القول في هذه الآية: ناسخة أم منسوخة أم لا هي ناسخة ولا منسوخة؟ فالصواب فيه من القول: أن يقال: إنها جاءت للعموم، والمراد الخاص. والمراد الخاص: قال: إنها جاءت للعموم، والمراد الخاص، وذلك أن قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، محتمل: أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم -يعني حال القتال مع الأعداء- في تطوعكم ومكتوباتكم، فثم وجه الله. كما قال ابن عمر، والنخعي، ومن قال ممن ذكرنا عنهم آنفا. قال: ومحتمل: أينما تولوا من أرض الله، فتكونوا بها، فثم قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها، لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها. هذا الاحتمال الثاني. الاحتمال الأول: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، يعني في حال القتال والمسايفة، في حال التطوع في السفر، وهكذا أيضا في حال صلاة الفريضة. والاحتمال الثاني: أينما تولوا من أرض الله -يعني أينما تذهب وترحل في هذه الأرض- فعندك القبلة، تستقبل القبلة في الصلاة. قال: فإذا كان قوله عز وجل: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، محتملا ما ذكرنا عنهم من الأوجه، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها. ولم تقم حجة يجب التسليم لها. ثم قال: ولا منسوخ إلا المنفي الذي قد ثبت حكمه وفرضه -يعني أن يثبت حكم أو فرض، ثم يرفع هذا الحكم والفرض- قال: ولم يصح واحد من هذين المعنيين بقوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. انتهى كلامه رحمه الله بتصرف. وهذا ما رجحه ابن العربي في «أحكام القرآن». إذن، الراجح في هذه الآية -والله أعلم- أنها محكمة، وليست منسوخة، لأن الآية عامة: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فتحتمل هذه المعاني التي ذكرت. أينما تولوا فثم وجه الله في حال صلاة النافلة، في حال الاشتباه في القبلة، وعدم معرفة موضع اتجاه القبلة، فيجتهد الإنسان فيصلي، فيخطئ. ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، كذلك أينما يذهب ويرحل، فعنده القبلة. فالآية عامة، وحكمها باق، لم يرفع. قال رحمه الله: قوله: «يوصي لأهله عند الموت محتضر»، قال الشارح: فالله. يعني يريد رحمه الله قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، هذه الآية التي أشار إليها الناظم بقوله: «يوصي لأهله عند الموت محتضر»، يعني عند الاحتضار والموت، فيجب عليه أن يوصي. أراد هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، يعني فُرِض عليكم، إذا حضر الموت للإنسان، وقد ترك خيرا -يعني عنده مال- فيجب عليه أن يوصي، يجب عليه أن يوصي للوالدين والأقربين. هذه الآية الناظم رحمه الله ذكر أنها منسوخة. ذكر أنها منسوخة. قال: أقوال العلماء في هذه الآية: ذكر ابن جرير في تفسيره عدة أقوال في هذه الآية. الأول: أنها محكمة غير منسوخة، وهي في ظاهرها العموم، والمراد البعض، وهو من لا يرث منهم الميت دون من يرث. وذهب إليه الضحاك ومسروق والمغيرة وعبد الله بن معمر، أبو مجلز، وجابر بن زيد، والحسن، وطاووس بن كيسان، ومال إليه ابن جرير. هذا القول الأول: أن الآية محكمة غير منسوخة، وهي وإن كان في ظاهرها العموم، فالمراد به يعني هذا العموم الذي يراد به الخصوص -يعني خصوص من لا يرث دون من يرث- فتكون الوصية للأقربين للذين لا يرثون. وأما الذين يرثون فلا يوصى لهم. الثاني: أن الوصية كانت واجبة، وعمل بها برهة -يعني من الزمن- ثم نسخ الله منها بآية المواريث الوصية لوالدي الموصي وأقربائه الذين يرثونه، وأقر فرض الوصية لمن كان منهم لا يرثه. قال: ذكره عن قتادة، وابن عباس، وطاووس، والحسن، والربيع بن أنس. هذا القول الثاني: أن الوصية كانت واجبة، ثم نسخ منها الوصية للوالدين والأقرباء الذين يرثون، وبقيت محكمة في غير من يرث من الأقارب. في غير من يرث من الأقارب. قال الثالث: أي القول الثالث في هذه الآية: أن الآية منسوخة، فلا وصية تجب لأحد على أحد، قريب ولا بعيد. قال: ذكره عن ابن زيد، وابن عباس، وابن عمر، والحسن، وشريح، وقتادة، ومجاهد، وإبراهيم. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن سيرين، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، والضحاك، والزهري. ودليل النسخ عنده: آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ إلى آخر الآيات. هذا القول الثالث: أن الآية منسوخة، وأنه لا وصية تجب لأحد على أحد، سواء كان قريبا أو بعيدا، أو وارثا أو غير وارث. قال: والراجح من هذه الأقوال: القول الثالث، أن الآية منسوخة بآية المواريث، فلا يجب على أحد أن يوصي لأحد، لأن الآية قد أثبتت حكما وهو وجوب الوصية، كما هو ظاهر الآية. فلما نزلت آية المواريث، أثبتت حكما مستقلا، وهو إيجاب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، فيكون ناسخا لما تقدم. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: فأما من يقول: بأنها كانت واجبة -وهو الظاهر من سياق الآية- فيتعين أن تكون منسوخة بآية المواريث، كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء. فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل هو منهي عنه، للحديث المتقدم: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». وهو حديث صحيح. قال: وأما من لا ميراث لهم، فيستحب أن يوصي لهم من الثلث، استئناسا بآية الوصية، وشمولها. ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». وهذه الوصية -وصية الإنسان- قد تكون واجبة إذا كان في ذمته حقوق للناس، لا يعلم أحد إن مات ضاعت هذه الحقوق، وجب عليه أن يوصي: يوصي لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا. وإن لم يكن في ذمته حقوق للناس، فيستحب. يستحب له أن يوصي، ولا يجب. قال: والآيات والأحاديث التي فيها الأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم -يعني تدل على استحباب الوصية، لا الوجوب- قال: وأما من ذهب إلى نسخ الوصية للوالدين دون الأقربين -هؤلاء أصحاب القول الثاني- قال: فهذا -كما قال ابن كثير رحمه الله- لا يسمى نسخا في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم من من يرث ومن لا يرث. فلفظ الأقربين يشمل من يرث منهم ومن لا يرث منهم. قال: فرفع حكم من يرث بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه عموم الآية الأولى. يعني التفريق بأن الآية -يعني رفع حكم من يرث- وأما من لا يرث فيوصى إليه. يقول: أن هذا لا يصح. قالوا: هذا إنما يأتي على قول بعضهم: أن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبا حتى نسخت -يعني لم تكن واجبة، وإنما كانت مستحبة- لكن على القول بالوجوب -كما قال به أصحاب القول الثاني- فيلزمهم أن يقولوا بالنسخ، لا بهذا التفريق. قال: وأما من قال: إنها محكمة، فإنهم قالوا: إن الوصية كانت واجبة في أول الأمر، وهذا يلزمهم أن يقولوا بالنسخ كما مر. وأما قولهم: إنها عام، ما أريد بها الخصوص -أي من لا يرث منهم الميت دون من يرث- فهذا يحتاج إلى دليل يدل عليه. هذا أصحاب القول الأول الذين قالوا بأنها محكمة، وأنهم يلعمون الذي يراد به الخصوص. فهذا القول يحتاج إلى دليل: أنهم يلعمون الذي يراد به الخصوص -يعني خصوص من لا يرث دون من يرث- أن الآية عامة، والأصل هو حمل العموم على عمومه، ولا يقيد إلا بدليل خاص يدل على تقييده. قال: فهذا يحتاج إلى دليل يدل عليه، والأصل في العموم شموله لجميع الأفراد، حتى يرد دليل يدل على أن المراد به خصوص بعض الأفراد. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، حين نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾، أتى الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ -يعني فهموا من الآية العموم- عموم الظلم: ظلم الإنسان فيما بينه وبين ربه، وظلم الإنسان لنفسه، وظلم الإنسان لغيره من الناس- فقال: «ألم تسمعوا إلى قولي العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾»، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بهذا العموم خصوص الشرك دون بقية أنواع الظلم. يعني هذا دليل تبين به أن المراد بهذه الآية ليس على عمومها، وإنما يراد بها العموم الذي يراد به الخصوص -أي خصوص الشرك من بين أنواع الظلم- قال: ولم ينكر على الصحابة رضي الله عنهم فهمهم للعموم، بل أقرهم عليه. والله أعلم. وهذا والشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر على الصحابة فهمهم للآية على عمومها، أنها تشمل كذلك ظلم الإنسان لنفسه. ولهذا قالوا: «يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟» أخذوا من هذه الآية العموم، لأن قوله عز وجل: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾، نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، فيعم ذلك جميع أنواع الظلم. فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفهم. وهذا يدلنا على أن الأصل: أننا نأخذ الآية أو الدليل بعمومه، إذا ورد بلفظ عام، فإننا نأخذه بعمومه، حتى يرد ما يدل على تخصيصه. فالخلاصة في هذه الآية: أن هذه الآية منسوخة، الآية التي فيها الأمر بالوصية للوالدين والأقربين عند الموت، أنها منسوخة بآية المواريث، كما ذكر الناظم رحمه الله. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.