الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد أهل السنة والجماعة على وجود السحر وتأثيره الحقيقي بإذن الله، وليس كخيال كما يعتقد البعض. يتم تأثير السحر غالبًا بواسطة الجن بإذن الله.
تختلف آراء الفقهاء حول حكم السحر والساحر؛ حيث يرى الشافعي أن السحر نوعان: كفر إذا استخدم الشياطين، وفِسق إذا كان بغير ذلك. بينما يرى أحمد أن الساحر كافر ويجب قتله.
السحر بجميع أنواعه لا يجوز، وبعضه يعتبر كفرًا إذا استخدم فيه الاستعانة بالجن والشياطين. من اعتقد إباحته أو قال إنه ليس بحرام فهو كافر لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى أمام أبي عثمان الصابوني رحمه الله في عقيدة السلف أصحاب الحديث: قال السحر وتأثيره وحكم الساحر ومن استباح صنيعه. قال: ويشهدون - أي أهل السنة السلف وأصحاب الحديث - أن في الدنيا سحرًا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله، قال الله عز وجل: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾. وهنا قول: ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة، أي يشهدون تأثير السحر، وأن تأثير السحر له حقيقة وله تأثير، لا كما يعتقد المعتزلة أن السحر خيال كله، بل السحر له حقيقة تؤثر على المسحور. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما سحره رجل يهودي، فإنه يخيل إليه أنه يعمل الشيء ولم يعمله، فهذا تأثير السحر. فالسحر له تأثير وله حقيقة وليس كله خيال، لكن هناك ما هو خيال، يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فهناك تلبيس على الأعين، يخيل للأعين سحر خيال. لكن هناك أيضًا تأثير على المسحور، وهذا غالبًا يفعل بواسطة الجن. فلهذا فالسحر له حقيقة وله خيال، لكن هذا السحر لا يضر إلا بإذن الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾. فالسحرة والشياطين وغيرهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله، كما قال الله عز وجل، أو قال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «لو أن أول هذه الأمة وآخرها، وإنسها وجنها، اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف». فلهذا لا يستطيع أحد أن يضر أحدًا أو أن ينفع أحدًا إلا بإذن الله عز وجل. وقال في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا...» إلى أن قال: «ولن تبلغوا ضري فتضروني». فلهذا لا يكون ضرر إلا بإذن الله، ولا نفع إلا بإذن الله، فهو النافع الضار جل وعلا. فلهذا فالسحر جعله الله عز وجل ابتلاء للعبد، وجعله سبحانه وتعالى أيضًا سلاحًا لأعداء الإنسان. جعل الله عز وجل هذا السحر سلاحًا لأعداء هذا المسلم والمؤمن، فهو أمامه أعداء، ومن هؤلاء الأعداء الشياطين، والسحر يكون بهؤلاء الشياطين. فلهذا لا بد أن يدافع عن نفسه، ويدافع عن نفسه بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، يدافع عن نفسه أن يلتجئ إلى الله جل وعلا من هؤلاء السحرة، يستعيذ بالله، أن يدعو الله عز وجل أيضًا، يستخدم التحصينات والتعاويذ وغيرها من هذه الأشياء التي تدفع الشياطين عنه. ثم قال رحمه الله: ومن سحر منهم واستعمل السحر، واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى، فقد كفر بالله جل وجلاله. وإذا وُصِفَ ما يكفر به، استُتيب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه. وإذا وصف ما ليس بكفر، أو تكلم بما لا يفهم، نُهي عنه، فإن عاد عُزِر. وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته، وجب قتله، لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه. وهذا الذي جاء به مذهب الشافعي رحمه الله. فالشافعي يرى أن السحر على نوعين: سحر بالتعاويذ، أن السحر باستخدام الشياطين، وهذا كفر، وسحر ليس في استخدام الشياطين، وإنما استخدام العقاقير أو مثلًا الحركات الخفية التي يظن أنها سحر، وإنما هي حركات خفيفة، وأيضًا هو السحر أيضًا شيء لطيف، يقولون: إنه شيء خفي، والسحر يقولون: إنه مشتق من كل ما خفي ولطف، أي خفيًا. فالسحر هو المراد به العمل بخفية. فلهذا قد يكون الإنسان يعمل بخفية، ليس عن طريق الشياطين، وعن طريق الجن، فيسحر أعين الناس، لخفته. فهذا عند الشافعي رحمه الله أنه فسق. ومشهور في مذهب أحمد أنه لم يفرق بين ما كان من طريق الشياطين، وما كان عن العقاقير أو عن الخفة، خفة الحركة. وإنما كان الإمام أحمد يقول: إن الساحر كافر بنص القرآن، وأنه يقتل، كما قال الله عز وجل: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم. ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. قال: وأنه يقتل، جاء عن عمر أنه قال: «أرسلوا إلى كل ساحر وساحرة فاقتلوهم». وجاء عن ثلاثة من الصحابة، كما قال الإمام أحمد: «قتل الساحر». ويدخل في الآية أيضًا: ﴿وما هم بضارين من أحد إلا بإذن الله﴾. فلهذا أخذ الإمام أحمد بنص الآية على أن الساحر كافر. وقال الله عز وجل: ﴿ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾. وقال أيضًا جل وعلا: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. فدلت هذه الآيات على أن السحر كفر. لكن ما هو السحر هذا الذي هو كفر؟ هو كما ذهب إليه الإمام الشافعي: استخدام الشياطين. فلا شك أن الاستعانة بالشياطين، واستغاثة بهم، واستعانة بهم، يعتبر كفرًا بالله جل وعلا. وأما ما يكون من خفة، معنى خفة في الحركة، وكذلك السحر بالعقاقير والتعاويذ، فإن هذا إذا كان بالعقاقير، الأدوية، دون الاستغاثة بالجن والمعاونة مع الجن، ما في شيء، ليس بكفر. وأما إن كان معه الاستعانة بالجن والشياطين، معنى عقاقير، لكنها تابعة للجن والشياطين، معنى مثل ما يفعل الآن بعض السحرة، يفعل سحرًا لشخص مأكولًا أو مشروبًا، ثم بعد ذلك يجعله بواسطة الجن، فإذا شرب هذا الشخص هذا المشروب، دخلت الجن فيه، وأصابه بهذا السحر، فهذا استعانة أيضًا بالجن، وهو كفر بالله جل وعلا. فلهذا فخلاصة ما يقال في حكم الساحر: أنه على التفصيل الذي ذكرناه. قال: وإذا وصف ما ليس بكفر، أو تكلم بما لا يفهم، نُهي عنه. أنه إذا كان لا يعرف: هل هو استخدم الشياطين أو لا يستخدم الشياطين؟ أو عرف عنه أنه لا يستخدم الجن، لكنه يتكلم بكلام لا يفهم، فهذا يقال له: اتق الله، لا تتكلم مثل هذا الكلام. فإن كان مثلًا رجع وتاب، فلا بأس. وأما إن بقي على ما هو عليه، فهو ساحر. فإن كان هذا الذي يتكلم به استغاثة بالجن، مثل ما يفعل من الطلاسم، فهذا كفر بالله جل وعلا. وإن كان يتمتم مثلًا بكلمات حفظها من أبيه، أو حفظها من جدته، أو حفظها من أحد ممن أخذ عنه هذه الأمور، فهذا الغالب أنه ليس بكفر، أنه إذا كانت هذه الكلمات ليست استغاثة بالجن. قال: وإن قال: السحر ليس بحرام، يعتبر كافرًا، لأن السحر قد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أنه حرام. وبعض الناس مثلًا لجهله يقول: أنا أريد أن أنفع الناس، أريد أن أنفع الناس، فيتعلم السحر، يظن أن تعليم السحر نفع للناس، وهذا لا يجوز. وإن قال: إنه جائز، فهو كافر، إن كان علم أن هذه الجملة التي جاءت في الكتاب والسنة، هذه الآية التي في سورة البقرة، وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما خرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: «السحر». فهو حرام، فمن اعتقد حله فهو كافر. وإن قال: وأنا أعتقد إباحته، وجب قتله، قال: لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه. فإذا أباح هذا السحر، سواء كان سحرًا بالعقاقير، أو السحر بالخفة، أو السحر بالاستغاثة بالشياطين، وسواء كان هذا السحر سحرًا صرفًا، أو سحر عطف، أو سحر غيرها من الأقسام التي يذكرها العلماء، فكله لا يجوز، لكن بعضه كفر، وبعضه ليس بكفر، كما هو مذهب الشافعي رحمه الله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.