محبة النبي بالاتباع لا بالابتداع

الخطبة بعنوان محبة النبي بالاتباع لا بالابتداع، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 8 ربيع أول 1443هـ الموافق 15 أكتوبر 2021م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع في الدين

يستعرض الخطيب أدلة القرآن والسنة وأقوال السلف التي تأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وتحذر من الابتداع، مبيناً أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ويضرب مثالاً بإنكار ابن مسعود رضي الله عنه على من أحدثوا أذكاراً جماعية بشكل مبتدع رغم نيتهم الخير.

خطر البدع ووجوب اتباع السنة النبوية

يحذر المقطع من البدع في الدين ويؤكد أنها ضلالة تورث التعصب والقتال، مستدلاً بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة كابن عباس ومالك والشافعي وابن تيمية، وأن الدين مبني على الاتباع لا الابتداع، وأن كل بدعة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فهي محدثة مردودة.

أصل بدعة المولد النبوي وتحذير من الابتداع في الدين

يبيّن الخطيب أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أحدثها القرامطة الباطنية في القرن الرابع الهجري لنشر عقائدهم الفاسدة، ثم انتقلت إلى الموصل في القرن السادس، ولم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا الأئمة الأربعة، مؤكداً أن المحبة الحقيقية للرسول صلى الله عليه وسلم تكون بالاتباع لا بالابتداع.

النصيحة للأخوة المبتدعين محبةً وواجباً دينياً

يؤكد المتحدث أن ذكر البدع والتحذير منها ينبع من المحبة والنصيحة للإخوة الذين وقعوا فيها، مستدلاً بقول النبي ﷺ: "الدين النصيحة"، وأن النصيحة واجبة على كل مسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الناظر في نصوص الكتاب والسنة، وما ورد في أقوال سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين، يجد أن النصوص ظاهرة متوافرة متظافرة متكاثرة في الأمر بالاتباع والتحذير من الابتداء. من ذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴾. وقال سبحانه: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. وثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله في خطبة حاجته عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «ألا إن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة». وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، لما بلغت النبي صلى الله عليه وسلم مقالة النفر الثلاثة الذين قال أحدهم: «أما أنا فسأصوم ولا أفطر»، وقال الآخر: «أما أنا فسأقوم ولا أنام»، وقال الآخر: «أما أنا فلا أتزوج النساء» - وفي لفظ: «لا آكل اللحم» - فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أخشاكم لله وأتقاكم له، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وعند أهل السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام في ختام هذا الحديث: «فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته». وفي مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض». ولحاج كثيرا عن نبي عليه الصلاة والسلام. أما من أقوال سلف الأمة، فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام فيه: «من أراد أن يأخذ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، يعني عبد الله بن مسعود. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». ودخل مرة المسجد، كما عند الدارمي، دخل أبو موسى الأشعري يضع عنه المسجد، فوجد حلقا في المسجد، وعلى كل حلقة رجل معه حصى، يقول: «سبحوا مئة»، فيقولون: «سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله» مئة، «كبروا مئة»، فيقولون: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر» مئة، «هللوا مئة»، فيقولون: «لا إله إلا الله، لا إله إلا الله» مئة. تسبيح، تحميد، تكبير، تهليل. فذهب إلى عبد الله بن مسعود، كعادته في انتظارهم إياه الخروج لصلاة الغداة، فقال: «يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد أمرا، رأيت حلقا»، وذكر لهم ما رأى. فقال: «فهل لا أنكرت عليهم وقلت لهم: عدوا سيئاتكم، وأنا ضامن من أن لا يضيع من حسناتكم شيء؟» قال: «لا، انتظار رأيك». فخرج عبد الله بن مسعود ومعه من الصحابة، فوقف عبد الله بن مسعود على حلقة من تلك الحلق، قال: «يا أمة محمد، ما هذا أراكم تصنعون؟ هذه ثياب نبيكم لم تبلى بعد، وهذه آنية لم تكسر». قالوا: «يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير»، أي من هذا التكبير ومن هذا التسبيح ومن هذا التهليل. فقال رضي الله عنه: «وكم من مريد للخير لم يدركه، سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام: إن أقواما يخرجون تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وقراءتكم عند قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». قال: «إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟». الآن أنتم أفضل؟ أنتم بين أمرين: إما أنكم أفضل من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما ذكر الله بهذه الطريقة، ما ذكر الله بهذه الطريقة، وإما أنكم مفتتحوا باب ضلالة. فأما الأمر الأول فهو محال، أن يكون هؤلاء أفضل من رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذكره عليه الصلاة والسلام، مع أنه كان يذكر الله في كل أحيانه، لكن ما كان يذكر الله عز وجل بهذه الطريقة، كما قالت عائشة رضي الله عنها في مسلم: «كان يذكر الله في كل أحيانه». وهو الثاني: مفتتح باب ضلالة. قال عمر بن أبي سلمة: «رأينا عامة تلك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج». أدت بهم هذه البدعة إلى قتال علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة يوم النهروان، تعصبا لبدعتهم. فالبدع والمحدثات تورث التعصب، مستعد صاحبها أن يقاتلك. لو تدخل الآن مسجدا من المساجد وتنكر على بدعة من البدع حادثة، لقام عليك وربما قتلوك. ما عندهم ما يقبلون النصح، ولو نصحت. هكذا عباد الله هي البدع. وهذا أبي بن كعب رضي الله عنه يقول: «اجتهاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «أي عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فلا تعبدوها». وقال ابن عباس رضي الله عنه، حبر الأمة وترجمان القرآن: «لا يأتي على الناس زمان أحدثوا فيه بدعة إلا وأماتوا فيه سنة، حتى تحيى البدع وتموت السنن». ما لنا نرى البدع ظاهرة؟ أين السنن؟ لماذا السنن ليست ظاهرة؟ البدع ظاهرة. ظهور البدع بسبب إماتة السنن، فالذين يحيون البدع يميتون السنن. هكذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ومرة كان يطوف مع معاوية، كان خليفة المسلمين، فكان معاوية رضي الله عنه يستلم أركان الكعبة الأربعة: الحجر الأسود، والركن اليماني، والركنين الآخرين. فأنكر عليه ابن عباس، قال له: «يا خليفة، إن رسول الله عليه الصلاة لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني». فقال معاوية رضي الله عنه: «ما ينبغي لشيء من البيت أن يهجر، نحن إذا استلمنا هذين الركنين هجر الركنان الآخران». فقال ابن عباس: «ولكن لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا». فتوقف معاوية ولم يعد بعد ذلك يستلم الأركان الأربعة، وإنما يستلم الركنين فقط. يتوقفون، كانوا وقوفين، حتى قال إمام الشافعي رحمه الله: «لو كان الاستلام للجميع، ما ينبغي لشيء من البيت أن يهجر، وينبغي أن يكون التمسح كل الطواف، ليست الأركان الأربعة فقط، إذا كان الأمر استلام الركنين فقط فيه هجران البيت، فيجب استلام البيت كله لا بعضه». وهذا من فقهه رحمه الله تعالى. فالأمر اتباع لا ابتداء. وهذا من الصحابة، عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة». كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة. الناس يرونها حسنة، ولكنها ضلالة، لأنه ليس الدين بالاستحسان وبالابتداء وبالآراء. وإلا فكما قال علي رضي الله عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من المسح أعلاه، أين الوسخ؟ لو كان الدين بالرأي لكان مسح الخف من أسفله أولى من مسح أعلاه». لكن ليس الدين بالرأي، إنما هو اتباع لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم. مسح أسفل، مسح أسفل، مسح أعلى، مسح أعلى، إذن المسح أعلى. لا يأتي أحد يقول له: الأفضل مسح أسفل، الوسخ أسفل. هذا دين، لا تتدخل فيه برأيك، ولا بعقلك، ولا باستحسانك. وهكذا قال الإمام مالك رحمه الله: «من زعم أن في الدين بدعة حسنة». لا تظن أن القول بالبدعة الحسنة هو وليد اليوم، كما يقول به بعض الناس: «بدعة حسنة». نقول: هذا الكلام من قديم، من قديم. وجواب السلف الصالح على من قال: «بدعة حسنة»، هو جوابنا اليوم. ما عندنا إلا جواب السلف، ما أجاب به على من قال: «بدعة حسنة»، لما أنكر عليه، هو جوابنا اليوم لكل من يقول: «إن في الدين بدعة حسنة». قال الإمام مالك رحمه الله: «من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيانة، ألم تسمع إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾؟ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا». محال، شيء من الدين لم يكن عند أولئك، يأتي بهؤلاء المتأخرين، يقولون: «هذا من الدين». لو كان من الدين لكان عند أولئك، لو كان خيرا لسبقونا إليه. لكن هو الهوى، هو تعصب للباطل، عياذا بالله. وهذا الإمام الشافعي رحمه الله، يا من يدعي أنه شافعي، يا من يقول إنه على المذهب الشافعي، وإنه في الفقه على المذهب الشافعي، وأما في العقيدة فهم يصرحون أنهم ليسوا على مذهب الشافعي، أو لهم يصرحون، فيكتب في تراجمهم: «شافعي المذهب، أشعري المعتقد». شافعي المذهب، أشعري المعتقد، أي أن مذهبه شافعي وعقيدته أشعرية. هم يصرحون بهذا. لماذا؟ ما هو شافعي المذهب؟ شافعي المعتقد، لأنهم ليسوا على اعتقاد الشافعي، ليسوا على اعتقاد الشافعي. فيقول الإمام الشافعي رحمه الله: «من استحسن فقد شرع». من استحسن فقد شرع، أي شارك الله في التشريع. قال سبحانه: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ﴾. ولما محمد قال: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد والصحة، يذهبون إلى رأي سفيان». وقال أبو حنيفة: «عليك بالكتاب والسنة، وإياك والأهواء والبدع». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في أقوال كثيرة: «أن الواجب التمسك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة». وهذه سيرة الأمة في كتب عقائدهم، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في العقيدة الواسطية عندنا: «اتباع الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة». فهذه النصوص، عباد الله، من الكتاب والسنة وغيرها كثير، ومن أقوال سلف الأمة والتابعين والأمة كلها، تأمر بالاتباع وتحذر من الشقاق والابتداء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، والصحابة الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله، مع هذه النصوص المتكاثرة المتوافرة الظاهرة المتضافرة، أبى الناس إلا الابتداء والشقاق، فظهرت بعد مرور القرون الثلاثة المفضلة التي أثنى عليها نبينا صلى الله عليه وسلم بالخيرية، ظهر في القرن الرابع الهجري ابتداء المولد النبوي. أحدثه القرامطة الباطنية الذين استولوا على بلاد مصر والمغرب. لماذا أحدثوا بدعة المولد؟ هل حبا في رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ لا، وإنما ليبثوا عقائدهم الفاسدة، يفعلون المولد ثم يدعون إلى عقائدهم الفاسدة، وهي عقيدة الرفض وعقيدة الزندقة، كما قال أئمة أهل العلم. هذا الذي أرادوه. لكن بعد ذلك، بعد قرنين من الزمان، انتقل هذا إلى بلاد الموصل في القرن السادس الهجري، صاحب أربل، استحسن ذلك، وأول من عمله من المسلمين، وإلا فهي بدعة يهودية مجوسية، أحدثها الباطنية الذين ينتمون إلى اليهود أو إلى المجوس. وليس هذا بكلامي، بل هذا قاله أهل النسب، ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان، والبلاذري، والطبري، والمروزي، وكثير من أهل العلم بالأنساب، أن نسب هؤلاء إنما هو إلى اليهود أو إلى المجوس. انتحلوا نسب آل البيت كذبا وزورا وظلما، قالوا: «نحن من آل البيت، ومن نسل الحسن والحسين». كذبوا، بالله، كذبهم النسابون، من نسابي المذهب الحنفي، ومن نسابي المذهب المالكي، ومن نسابي المذهب الشافعي، ومن نسابي المذهب الحنبلي. كذبوا هؤلاء الذين ادعوا هذا النسب، وكان ذلك ظاهرا في ذلك الوقت معروفا عند الناس لا إشكال فيه. لكن بعد ذلك، بعد مضي الأزمنة، جهل الكثير من الناس نسب هؤلاء. وإلا فهذا مدون ومسجل ومكتوب، أي نسب القرامطة الذين ادعوا، سموا أنفسهم بالفاطميين. ظاهر مذهبهم، والعياذ بالله، الرفض، وباطنه الكفر المحض، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم. أما صاحب أربل فقد أحدثه في القرن السادس، ثم انتقل بعد ذلك إلى بلاد أخرى من بلاد الإسلام، وهكذا تتابع الناس على إحياء هذا المولد، على إحياء هذه البدعة. وإلا والله، وبالله، وتالله، من على هذا المنبر المبارك، أنه لم يفعله الصحابة، ولا التابعون، ولا تابعوهم، ولا أئمة الأربعة، وإنما هو من باب «بدعة حسنة». إنما هو من باب «بدعة حسنة»، وكل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة. وهذا شهر ربيع الأول، يزعمون أنهم يفعلون هذا محبة للرسول عليه الصلاة والسلام. ليست المحبة بالابتداء في الدين، وإنما بالاتباع: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فلذلك المحبة بالدليل والبرهان، لا بالادعاء. كم ممن يدعي وصلا بليلى، وليلى لا تقر لهم بوصال. قل: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين». ثم إن الرسول مات يوم الاثنين، مات يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، الثاني عشر، من غير خلاف، من غير خلاف. أما مولده ففيه الخلاف، نعم، مجمع عليه يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، لكن هل في الثاني من شهر ربيع الأول؟ في الثاني عشر؟ في الثالث عشر؟ فيه خلاف. أما موته عليه الصلاة والسلام فإنه لا خلاف فيه. فما هو نحزن ولا نفرح؟ ولادته في هذا الشهر وموته في هذا الشهر، أليس الحزن بحق؟ حتى من باب «بدعة حسنة» نقول: نحزن، أولا نحزن؟ الحزن أولى من الفرح، أن هذه مصيبة، والمصيبة لا تقابل بالفرح. هل إذا عندك أصابت مصيبة تذهب تطبل؟ إذا مات أحد من أهلك تعمل تطبل؟ حتى الآن الذكريات التي يقومونها للزعامات والذوات، ما يسمى بالتأبينات، ماذا يفعلون؟ يذهبون يفرحون؟ لا، يحزنون، ويرفعون الأشعار السود وغير ذلك. لكن نحن نقول: لا بدع أبدا، لا حزن ولا فرح، لأن الصحابة لم يحزنوا ولم يفرحوا. لماذا لا نتبع ولا نبتدع؟ فالحذر الحذر يا عباد الله، أمر البدع خطير، أمر البدع خطير. ربما بعضكم الآن يحدث نفسه، وأنا أتكلم، يقول: «هذا يتكلم في البدع، الكلام في الأسعار، الأسعار نار، الأمور كذا، هذا هم». هذا دين يا عباد الله. وما يدريكم أن الذي حاصل لنا من أمور إنما هو بسبب هذا، بسبب المخالفة لأوامر الله، المخالفة لأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام؟ نبتدع في دين الله عز وجل، بدلا من أن نرجع إلى الله عز وجل، ونتمسك بكتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان على سلف الأمة، ونترك البدع والمحدثات. هذا العلاج. أنا إيش الفائدة تكلم في الداء؟ الكثير سيتكلم في الداء، الطبيب سيتكلم في الداء، ما ينفعني كلامه في الداء أكثر مما ينفعني كلامه في العلاج. هل مريض يقول: «هذا مرضك كذا وكذا وكذا وكذا، مرضك ومرضك ومرضك ومرضك»؟ مع السلام، إيش استفدت أنا؟ أين العلاج؟ الداء قد عرفناه، لكن أين الدواء؟ أين العلاج؟ أليس هو الرجوع؟ وأعظم ما يرجع إليه التوحيد، ترك الشرك وعبادة غير الله، من عبادة القبور. خرج الناس عن هذا، هاي الزيارات الشركية في مثل هذه الأيام، زيارة في الهجرين، في شهر ربيع الأول، يعكفون عند القبور ويفعلون ويفعلون، وليس عنكم ببعيد ما حصل في الزيارات الأخرى، وأية متتابعة؟ أين الرجوع إلى الله عز وجل من عبادة غير الله والتعلق بغير الله إلى الله عز وجل؟ أين الرجوع من السنة إلى البدعة؟ من البدعة إلى السنة؟ الرجوع من البدعة إلى السنة، ترك البدعة ومحدثات الأمور، ترك الذنوب والمعاصي. الكثير من يقول: «ترك الذنوب والمعاصي»، صحيحة، لكن أعظم الذنوب والمعاصي الشرك بالله عز وجل، ومن أعظم الذنوب والمعاصي البدعة ومحدثات الأمور، أعظم من شرب الخمور، وأعظم من شرب المخدرات والمسكرات، هذه البدع. قال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها». نعلم كثيرا ممن كان يتعاطى المسكرات، ممن كان يشرب الخمور، تاب، لكن ما رأينا من تمسك بالبدعة وأشربت قلبه تراجع. صدق سفيان الثوري رحمه الله: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية». فالحذر الحذر، وهذا نصيحة، واجب أن نراها علينا، أن نبلغها المسلمين، ممن لم يتلبس بهذه البدعة بعد، بأن يحذروا من تلبيس الملبسين، ألن يقولهم: «هذا خير، هذا حسن»؟ قسم بالله، ليس بخير، الخير في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. وأما من تلبس بها، من تلبس بها من الناس، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرده وأن يهديه. لنقول: «هذا نحن تشفي منه»؟ لا والله، محبة له، محبة لإخواننا الذين تلبسوا بهذه البدع، نذكر هذا نصحا لهم، وهو من الواجب الذي ينبغي على كل مسلم، فالدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين نصيحة. قال عليه الصلاة والسلام في مسلم عن جرير بن عبد الله الب