شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 2

الدرس في شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

بطلان الاحتجاج بالقدر

الاحتجاج بالقدر على المعاصي باطل حيث أن العبد له قدرة وإرادة. الله وبخ المشركين على الاحتجاج بالقدر ولم يقبل منهم ذلك.

الرد على القدرية وإثبات علم الله

ينفي المقطع عن القدرية إثبات علم الله وإرادته ويبين أن إنكارهم لعلم الله بأفعال العباد كفر. يرد على قولهم بأن أفعال العباد مستقلة عن مشيئة الله.

الجبرية ومخالفتهم للكتاب والسنة

الجبرية يعتقدون أن العبد مجبور على أفعاله ولا قدرة له عليها، وهذا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأئمة. يلزم من هذا القول تعطيل الأسباب الدينية والدنيوية.

الطوائف المخالفة لأهل السنة

يتناول المقطع آراء ثلاث طوائف مخالفة لأهل السنة في قضاء الله وقدره. يبين أن أهل السنة أثبتوا عموم قضاء الله وقدرته مع إثبات أفعال العباد الاختيارية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشارح رحمه الله، وإعلام السعدي رحمه الله، في شرحه المسمى «درة البهية في شرح القصيدة التائية»: قال، وحيث وقعت أفعال العباد بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهم الله في العبد؛ ليتمكن بهما من كل ما يريده من أقواله وأفعاله، وخالق السبب التام خالق للمسبب، فالعبد المؤمن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق ويحج ويعمل أعمال البر بما مكنه الله - أعطاه من قدرة وإرادة يتمكن بهما من أفعال الخير - والعبد الكافر أو الفاجر، والذي يشرك ويقتل ويزني ويسرق ويعمل أجناس المعاصي بما مكنه الله به، وأعطاه من قدرة وإرادة يفعل بهما تلك الأفعال. والقدرة والإرادة التي أعطاهما الله للعبد هما خير ونعمة وفضل من الله، لكن العبد العاصي هو الذي وجه قواه وأفعاله إلى أعمال الشر، فلم يكن له على الله حجة، بل لله عليه الحجة البالغة، نهج الله له طريق الخير فأباه، وسلك بنفسه طريق الشر وارتضاه، فلا يلومن من بعد ذلك إلا نفسه. فمن احتج مع ذلك على ربه وقال: إنه قدر علي المعاصي فلا لوم علي، قيل له: هذه حجة أبطلها الله في كتابه، حيث قال: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾. فالمشركون هنا احتجوا على شركهم بالقدر، قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، لو شاء الله أننا لا نقع في الشرك، وأننا لا نكون من المشركين لما قدر ذلك علينا، فاحتجوا على وقوعهم في الشرك بماذا؟ بالقدر. ورد الله عز وجل عليهم وكذبهم في هذا الادعاء، قال: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾، حتى أتاهم عذاب الله وعقوبة الله، وماذا نفعهم احتجاجهم بالشرك والكفر بقدر الله سبحانه وتعالى، فدل ذلك على بطلان هذه الحجة أو هذا الاحتجاج. قال: فتضمنت هاتان الآيتان أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي باطل من وجوه، منها: أن هذا هو احتجاج المشركين، يعني احتجاجهم بفعل الشرك بالقدر، فيكون المحتج بفعل المعاصي بالقدر هو متشبه بماذا؟ بالمشركين. قال: ومنها: أن هذا الاحتجاج بالقدر على الشر لم يمنعهم من عذاب الله، حيث قال: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾، ولو كان هذا الاحتجاج صحيحا لما وقع عليهم عذاب الله، لكن لما كان الاحتجاج باطلا لم يمنع ذلك أن يقع عليهم عذاب الله جل وعلا. قال: ومنها: أن الله وبخهم على ذلك، وطالبهم بالبرهان في قوله: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾، قال: فدفع عنهم العلم، وأخبر أنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، فيكون المحتج بالقدر ماذا؟ احتجاجه بجهل لا بعلم. قال: ومنها: أنه أخبر أن له الحجة البالغة على جميع من تجرأ على معاصيه، فمن احتج بالقدر على المعاصي فهو من أظلم الظالمين. نعم، فالله عز وجل قد فطر الناس والخلق على معرفة الخير من الشر، فبين لهم طرق الخير وأمرهم بسلوكها، وبين لهم طرق الشر وأمرهم باجتنابها، فالذي يسلك طريق الخير يسلكه بنفسه واختياره، والذي يسلك طريق الشر يسلكه بإرادته واختياره، فلا حجة له أبدا بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره. ثم إن الإنسان لا يعلم ما الذي قدره الله وقضاه عليه، فلماذا لا يسلك طريق الخير ويقول: قدر الله عليه أن أكون من أهله، من أهل الخير، من أهل الصلاح، من أهل الاستقامة، ويترك طريق الشر والمعاصي ويقول: قدر الله عليه أن لا أكون من أهلها؟ فعلم بهذا أن الاحتجاج بالقدر باطل. قال: وأيضا، فهذا المحتج بالقدر المقيم لعذر نفسه على ربه، وهو يكذب نفسه بنفسه، فإنه لو تجرى عليه أحد بتعد على ماله أو بدنه أو محبوباته، واعتذر بالقدر - أي المعتدي - لم يقبل عذره. أي: هذا المحتج بالقدر لو جاء اعتدى على ماله، أخذ ماله، أو اعتدى على بدنه فلطمه أو لكمه أو ضربه، أو محبوباته - كاعتداء مثلا على زوجته أو كذا من محارمه مثلا - ثم احتج بالقدر، قال: أنا مجبور، أنا فعلت هذا بقدر الله، قدر الله علي أن أفعل هذا بك، أن أضربك أو أخذ مالك أو اعتدي على حريمك، هل سيقبل هذا الذي يحتج بالقدر على المعاصي؟ لم يقبل عذره. فكيف يقبل عذر نفسه على تجريه على ربه؟ يعني كيف جعل الاحتجاج بالقدر على المعاصي فيما بينه وبين الله، فيما بينه وبين الله، فتجرى على معاصي الله سبحانه وتعالى احتجاجا بالقدر، ولما تجرى عليه في ماله أو بدنه أو محبوباته لم يقبل هذا الاحتجاج؟ فدل هذا على بطلان هذا الاحتجاج. قال: فالمحتج بالقدر على المعاصي يكذبه الكتاب والسنة والعقل وضميره، يكذبه كما ذكرنا، يعني هو يفعل المعصية، وإذا قال: نفعلها بقضاء الله وقدر، هو في حقيقة نفسه يعلم أنه كاذب، يعلم أنه كاذب. قال: وإنما يقصد باحتجاجه دفع الشناعة عن نفسه. وكانت طائفة القدر في أول أمرهم ينكرون العلم وينكرون القدر، فيقولون: إن الله لا يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، ولا تعلقت بها مشيئته، ولا تعلقت بها مشيئة الله. فلما شن عليهم المسلمون وكفروهم بذلك، تحولوا عن قولهم، فأثبتوا العلم وأنكر القدر. هذا هو قول غلاة القدرية، أول ما ظهروا، وكان ظهورهم في أواخر زمن الصحابة، في زمن ابن عمر رضي الله عنهما. لما أخبر أن قوما في البصرة يقولون: إن الأمر أنف، يعني أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، يعني لم يسبق علم الله جل وعلا بفعل المخلوقات وإيجادها وتكوينها إلى آخره. ولما أخبر ابن عمر بقولهم، قال: أخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء. ثم قال: والذي أحل به ابن عمر، لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما تقبل منهم حتى يؤمنوا بالقدر. ثم ساق حديث جبريل المشهور، قال: حدثني أبي، عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن جلوس، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره». قال: فقال له: صدقت. قال: ولهذا كان الأئمة - كالإمام أحمد وغيره - يقولون: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أنكروا العلم كفروا، وإن اعترفوا به خصموا. وهذا القول نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله، وهكذا أيضا نقل نحو ذلك عن غيره من الأئمة، في تكفيرهم لهذه الطائفة من غلاة القدرية الذين ينفون العلم، ونقل تكفيرهم عن جمع من الصحابة والتابعين - كابن عمر وابن عباس وواثر من الأسقع - كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهكذا أيضا نقل تكفيرهم عن إمام أحمد وإمام مالك، غير واحد من أهل العلم، وذلك لشناعة هذا القول، فإنهم إذا أنكروا علم الله جل وعلا، معنى ذلك وصف الله عز وجل بالجهل. وكذلك أيضا وقوع الأشياء في هذا الكون بغير علم الله، وبغير إرادته ومشيئته، وهذا يأتي إلى التكذيب القرآن فيما أخبر الله عز وجل به من عموم علمه وإطلاعه سبحانه وتعالى. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: هذه المقالة، وكذلك الإمام أحمد: ناظر القدرية بالعلم، يعني بإثبات علم الله سبحانه وتعالى، فإن أنكروا العلم كفروا؛ لأنهم يكونوا بذلك كذبوا القرآن والسنة، ووصفوا الله جل وعلا بالجهل، وهذا لا شك أنه كفر عظيم. وإن اعترفوا به خصموا، إن اعترفوا بعلم الله وأثبتوا العلم لله جل وعلا خصموا؛ لأنهم قالوا: إن الله يعلم، فهو شاءها وقدرها. وإذا كان شاءها وقدرها، فكل شيء يقع في هذا الكون، إذا كان بعلم الله فهو بإرادته ومشيئته، ومن ذلك أفعال العباد، ومن ذلك أفعال العباد، فتدخل في علم الله ومشيئته وقدرته، وبهذا يخصمون. قال: يعني أن القدرية النافين لعلم الله بأفعال عباده جاحدون لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بإحاطة علم الله بما كان وما يكون من أعيان وأوصاف وأفعال. مرة معنا: المراد بالأعيان الذوات، المراد بالأعيان الذوات: ذوات المخلوقين، كون هذا طويل، وهذا قصير، وهذا نحيف، وهذا سمين، والأوصاف: أي ما لها من وصف، بياض، وسواد، وحمر، إلى آخره، والأفعال: ما يصدر منها من خير وشر. قال: بما دق وجل، فمن أنكر ذلك فقد كذب الكتاب والسنة صريحا، وذلك هو الكفر، يعني من أنكر أن يكون علم الله عز وجل بما كان وما يكون من هذه المخلوقات في أعيانها وأوصافها وأفعالها، فهو مكذب للكتاب والسنة، فيكون بذلك كافرا. وإن اعترفوا بإحاطة علم الله بكل شيء، وبأفعال العباد ووقوعها، وبأفعال العباد قبل وقوعها - يعني أن الله علمها في علمه السابق والعلم الأزلي القديم قبل أن تقع - كما هو القول الذي استقر عليه مذهبهم، خصموا. قال: وجه ذلك: أنهم يقولون: إن أفعالهم لا تتعلق بها مشيئة الله وإرادته، وإنما هم مستقلون بها من كل وجه، إذا كان هذا قولهم في مشيئة الله مع قولهم: إن الله يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، فهذا تناقض محض، يعني إذا أثبتوا العلم ثم قالوا: إن العبد هو المستقل بمشيئته، وأن مشيئة العبد لا تتعلق بمشيئة الله، كانوا متناقضين. كيف أثبتتم علم الله عز وجل - يعني بعباده وبخلقهم وإيجادهم وأفعالهم - ثم أخرجتم أفعال العباد عن مشيئة الله وقدرته، وأثبتتم لله سبحانه وتعالى ماذا؟ العلم، فأنتم بهذا متناقضون. قال: كيف يعلمها وهو لم يقدرها ولم يردها؟ هذا من التناقض، كيف يعلم الله عز وجل هذا الشيء وأنه سيقع وسيكون، ثم لا يقدره ولا يريده؟ هذا ما يمكن، قال: هذا محال، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ فيجزمهم أحد أمرين، يعني إذا خوصموا بمسألة العلم بإثباته، قال: إما أن لا يتناقضوا فينفوا الأمرين - علم الله بأفعالهم وما شاءها لها - فيتضح كفرهم، يعني يقولون: الله لم يعلمها ولم يشاءها، فيقولون: قد أنكروا العلم، فيقعون في الكفر. وإما أن يرجعوا إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه المسلمون، وهو: أنه تعالى كما أنه بكل شيء عليم وبكل شيء محيط، فإنه على كل شيء قدير، ومن جملة الأشياء أفعال العباد، طاعتهم ومعاصيهم، فهو تعالى يعلمها إجمالا وتفصيلا قبل أن يعملوها، وأعمالهم وأفعالهم داخلة تحت مشيئة الله وإرادته، فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبرهم لا على الطاعات ولا على المعاصي، شاءها منهم وأرادها. إن كانت من الطاعات فهو أرادها منهم شرعا وكونا، وإن كانت من المعاصي والذنوب فهو شاءها وأرادها كونا، ولم يردها شرعا، يعني: أنه لم يحبها ويرضاها، وإنما أرادها كونا أن تقع وأن تحصل. قال: ولم يجبرهم لا على الطاعات ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارهم. وهذه الطائفة التي هي الغلاة القدرية الذين ينفون العلم، هؤلاء - كما يقول أهل العلم - انقرضوا. والقدرية الذين موجودون اليوم هم من ينفي ماذا؟ الخلق والمشيئة، من ينفي الخلق والمشيئة، ويثبتون العلم، وربما كذلك أيضا الكتابة، قال: كما قال تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. قال: فهذه الآية فيها رد على القدرية النفاة، وعلى القدرية المجبرة - القدرية النفاة المعتزلة، والقدرية المجبرة الجهمية - وإثبات للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة. فقول: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ أثبت أن لهم مشيئة حقيقية، وفعلا حقيقيا، وهو الاستقامة باختيارهم، فهذا رد على الجبرية؛ لأن الجبرية يقولون: العبد ليس له مشيئة، ليس له مشيئة ولا اختيار، وإنما يحرك على ما أراد الله، فهو مجبور على فعل ما يفعل من طاعات أو ما يفعل من معاصي ومحرمات. فهذه الآية رد عليهم؛ لأن الله قال: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ أثبت أن العبد مشيئة، أثبت أن العبد مشيئة، لا كما يقولون: أنه لا مشيئة له. وقوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ أخبر أن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، وأنها لا توجد بدونها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله في عقيدته، في تلك الأبيات التي بين فيها رحمه الله عقيدته في باب القدر، في قوله: «ما شئت كان وإن لم أشأ * وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العبادة على ما علمت * ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا عنت * وذا لم تعن إلى آخر تلكم الأبيات». فما شاء الله عز وجل كان لابد أن يكون، وأن يقع، وما لم يشأه جل وعلا لم يكن، والعبد وإن كان له مشيئة إلا أن مشيئته تابعة لمشيئة الله، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾، فإذا شاء العبد شيئا ولم يشأه الله لم يكن، وإذا شاء الله سبحانه وتعالى شيئا وإن لم يشأه العبد فلابد أن يكون، فمشيئة الله هي النافذة. قال: ففيها رد على القدرية القائلين: إن مشيئة العباد مستقلة، ليست تابعة لمشيئة الله، بل عندهم: يشاء العباد ويفعلون ما لا يشاءه الله ولا يقدره؛ لأنهم قالوا: بأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، فله مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، لا مشيئة لله في أفعال العباد، لا مشيئة لله في أفعال العباد، هذه عقيدة القدرية النفاة. ومما ذكر أهل العلم من الطرائف التي تدل على فساد عقيدة القدرية، وأن المسلم بفطرته، وإن كان عاميا قد يعلم - يعني بطلان هذه العقيدة وعدم صحتها - ما ذكر: أن عرابيا أتى إلى مجلس عمر بن عبيد المعتزلي، فأخبره بأن ناقة له قضعت وظلت عليه، قال: ادع الله أن يردها لي. فقال عمر بن عبيد: «اللهم إنك لم تشأ أن تضل ناقته فظلت، اللهم فردها عليه». فلما سمع العرابي هذا الدعاء، قال: لا حاجة لي في دعائك. قال: لما قال: إذا كان الله لم يشأ أن تظل فظلت، فقد يشاء أن ترد فلا ترد، فقد يشاء أن ترد فلا ترد، يعني بفطرته علم بطلان هذا القول، وأنه لا مشيئة لله سبحانه وتعالى ماذا؟ في أفعال العباد. قال: وقال: ودلت الآية على الحق الواضح، وهو: أن العباد هم الذين يعملون الطاعات والمعاصي حقيقة، ليسوا مجبورين عليها، وأنها مع ذلك تابعة لمشيئة الله، كما تقدم كيفية وجه ذلك، والآيات الدالات على هذا كثيرة جدا. فهذه إحدى الطوائف الثلاث المخاصمة لله، فإنهم أنكروا عموم مشيئة الله وقدره، وجحدوا ما قرره الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، من شمول قدره لكل شيء، فزعموا أن أفعال العباد خارجة من هذا العموم. قالوا: أما الطائفة الثانية فهم الجبرية، الذين يقال لهم القدرية المجبرة، وهم غلاة الجهمية، الذين إمامهم في هذا وغيره - يعني من أقوال الباطلة - ومنها القول بخلق القرآن - هو جهم بن صفوان، المتفق على بدعته، بل بدعه الخبيث المتنوعة، ومنها كما سمعنا بدعة القول بخلق القرآن التي كفر فيها العلماء الجهمية لشناعة هذه البدعة وخبثها. قال: فزعموا أن عموم مشيئة الله، وعموم إرادته يقتضي أن العبد مجبور على أفعاله، مقصور مقهور على أقواله وأفعاله، لا قدرة له على شيء من الطاعات، ولا على ترك المعاصي. ومع أنه لا قدرة له على ذلك عندهم، فهو مثاب معاقب على ما لا قدرة له عليه. وهذا القول من أشنع البدع، وأنكرها، وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع أئمة المهتدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومخالف للعقول والفطر، ومخالف للمحسوس. وكل قول يمكن صاحبه أن يطرده إلا هذا القول الشنيع، فإنه لا يمكن أن يعمل به ويطرده، يعني يجعله مطردا في جميع صوره. قال: كما تقدم: أنه لا يعذر من ظلم وتعد عليه، هذا الجبر الذي يستدل بالجبر، وأن الإنسان مجبور على فعل ما يفعل من المعاصي والمحرمات إلى آخره. كما مر معنا: أنه لو اعتدي عليه، فقال: أنا مجبور، لما عذر المعتدي إذا احتج بالقدر، إذا قال: أنه مجبور، أن أضربك، قدر الله علي، ما عندي اختيار، ما عندي اختيار ولا إرادة، فأنا مجبور أن أضربك، وأنا أخذ مالك، يقول: لا، أنت ظالم، أنت معتدي إلى آخره. ثم كيف يعذر نفسه في فعل المعاصي والذنوب بزعم أنه مجبور؟ فإن الجبرية لا يعذرونه، بل يرون اعتذاره بالقدر زيادة ظلم والتهكم على عبده، فكيف يسلك هذا المسلك مع ربه، وهو لا يرتضيه لنفسه مع غيره، لا يرتضيه لنفسه من غيره. والمقصود: أن هذه الطائفة خالفت المنقول والمعقول، المنقول: يعني في الكتاب والسنة، والمعقول: أي ما دل عليه العقل الصريح الموافق للنقل الصحيح. ونصوص الكتاب والسنة تبطل قولهم، فإن الله نسب أعمال العباد إليهم، من الطاعات المتنوعة والمعاصي الكثيرة، كلها يضيفها إلى الفاعلين، ويخبر أنهم هم الفاعلون لها، ويستحقون جزاءها من خير وشر، فلو كانوا مجبورين عليها لم ينسبها لهم، ولم يضفها إليهم، بل ينسب الأفعال إلى نفسه - حاشا وتعالى عن ذلك - فلا يقال: الله الذي فعل الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، بل يقول كل أحد: العبد هو الذي فعلها، والله هو الذي قدرها من غير أن يجبره عليها، الله قدرها وشاءها، والعبد هو الذي فعلها بنفسه باختياره وإرادته. ولهذا نسبت الأفعال إلى فاعليها: ﴿بما كانوا يعملون﴾، ﴿بما كانوا يكسبون﴾، ﴿بما كانوا يفعلون﴾، هم الذين فعلوا، وهم الذين عملوا، وهم الذين قالوا، وهم الذين ماذا؟ تجرأوا على فعل هذه المعاصي والمحرمات، فلم تنسب إلى الله، وإنما نسبت إلى المخلوقين؛ لأنهم الذين باشروا فعلها، وهم الذين اختاروا أن يفعلوها. طيب، والله عز وجل هو الذي قدرها، الله عز وجل هو الذي قدرها وشاءها، لكن من الذي فعلها واختارها؟ العباد. قالوا: يلزم على قول الجبرية أيضا إسقاط الأمر والنهي؛ لأنه كيف يؤمر وينهى من لا قدرة له على امتثال الأمر واجتناب النهي؟ هذا من لوازم القول بالجبر إسقاط الأمر والنهي، إذا كان إنسان مجبور، طيب كيف إذن سيؤمر بالأوامر؟ بقامة الصلاة، بإيتاء الزكاة، بالصيام، الحج، بر الوالدين، إلى آخره من المأمورات، كيف سيؤمر من لا مشيئة والاختيار، وإنما هو مجبور؟ لماذا إذن يؤمر؟ هكذا أيضا إسقاط النهي، إذا كان ينهى عن الزنا وشرب الخمر وقتل النفس وغير ذلك من الفواحش والمنكرات، كيف ينهى من لا مشيئة له ولا قدر له ولا اختيار؟ حين إذن يكون لا حاجة إلى الأمر والنهي. وبهذا يعني القول يتوصل إلى إسقاط الأوامر والنواهي. قال: ويلزم أيضا على قولهم إسقاط الحدود عن جميع أهل الجرائم؛ إذ كيف يعاقبون وتقام عليهم الحدود وهم غير قادرين بل مجبورين؟ يعني إذا كان يقول: أنا مجبور على أن أسرق، فكيف أقام عليه حد السرقة؟ على شيء لا إرادة له ولا اختيار في الامتناع، بل هو ملزم ومجبور على فعل هذا الذنب، كيف يعاقب بعد ذلك ويقام عليه حد السرقة؟ وهكذا إذا زن أو قتل، كيف يقام عليه الحد وهو فعل هذا وهو مجبور، لا إرادة له ولا قدر ولا اختيار؟ إذن يلزم من هذا القول كذلك إسقاط الحدود التي جعلها الشرع على المعاصي والمحرمات. قال: فهذا القول الباطل مخالف لجميع أصول الدين وفرعه، ويلزم أيضا على قول الجبرية تعطيل الأسباب الدينية والدنيوية، وذلك أن الله جعل الأسباب موصلة إلى مسبباتها، وأمر العباد بسلوك كل سبب نافع لهم في دينهم ودنياهم، فكيف يؤمرون وهم مجبورون غير قادرين؟ يعني على الأخذ بالأسباب؛ لأنهم لا اختيار لهم ولا إرادة. قال: فالقول بالجبر فيه فساد الدين والدنيا، الذي حملهم على هذا القول مع ظهور فساده: ظنهم أنه لا يمكنهم إثبات عموم مشيئة الله وقدره حتى يسلب العبد قدرته، هذا الذي أوقعهم في القول بالجبر، أنه لا يمكن في ظنهم إثبات عموم مشيئة الله وقدرته إلا إذا سلب العبد - يعني نزع عن العبد القدرة والمشيئة - لماذا؟ لأنهم قالوا: أثبتنا للعبد مشيئة وقدرة، فقلنا: إذا فعل هذه المعصية بقدرة الله ومشيئته، إذا سرق أو زنى أو قتل إلى آخره، إذا كان هذا يفعله بمشيئة الله وقدرته، فكيف يعاقبه الله سبحانه وتعالى بعد ذلك؟ كيف يعاقبه بعد ذلك؟ فإذا كان قد فعلها بقدرة ومشيئته، ثم عاقبه عليها، فإننا حين إذن سنصف الله عز وجل بالظلم، هذه شبهة ماذا؟ هؤلاء القوم التي بها ضلوا، فأرادوا أن يفروا من هذه الشبهة الباطلة، فوقعوا في هذا القول الشنيع، وهو القول بالجبر. قال: وقد غلطوا بهذا الظن، فإنه كما تقدم: يتمكن العبد من إثبات عموم القدر، ومن إثبات أن الأعمال هي أعمال العباد حقيقة؛ لأن الله خلقهم وخلق كل ما فيهم من القوى الظاهرة والباطنة، وبقدرتهم وإرادتهم التي خلقهم الله ومكن العبد بها من كل ما يريده من خير وشر، فعلوا الأمرين باختيارهم من غير إجبار. يعني فعل الطاعات فعلوها باختيارهم، وإذا فعلوا المعاصي فإنهم يفعلونها باختيارهم، وهذا أمر واضح، يعني لا يشكل على الإنسان بعقله وفطرته أنه يفعل هذا الشيء باختياره وإرادته، كما دلت على ذلك أدلة الشرع، وهكذا أيضا يقرر ذلك العقل الصريح. قالوا: قد تصل الحال بهذه الطائفة وتغلو في القدر حتى يعتقدوا أن معاصيهم طاعات؛ لأنها بمشيئة الله، يعقوب: إذا كان الله قد شاء علينا أننا نعصي ونسرق ونزني وإلى آخره من فعل ذنوب المعاصي، وهذا بمشيئة الله، إذن نحن في طاعة لله، نحن في طاعة لله. انظروا كيف يعني البدعة توصل صاحبها إلى مثل هذه الأقوال الشنيعة. قال: فيشاركون الطائفة الثالثة، وهم القدرية المشركون الذين اعتذروا عن شركهم وتحريمهم ما أباح الله بالمشيئة، وجعلوا مشيئة الله محبته، فقالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ الآية. وفي الآية الأخرى: قال: ﴿الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين﴾. وسيأتي معنا: أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، ما شاء الله سبحانه وتعالى كونا فإنه قد يحبه وقد لا يحبه، يعني ما شاء الله أن يكون في هذا الكون، منه ما هو مما يحبه الله ويرضاه - كالطاعة والإيمان وفعل الصالحات - ومنه ما لا يحبه الله ويرضاه - كالمعاصي والكفر والذنوب - فهذه شاء الله كونا، ولم يشأها شرعا؛ لأن الله لا يحب الكفر والمعاصي، ولا يرضى لعباده الكفر. وبين الإرادة الشرعية التي هي بمعنى المحبة والرضا، فكل ما شاءه الله وأراده شرعا فهو مما يحبه ويرضاه، لكن ما أراده كونا قد يكون مما يحبه، وقد يكون مما لا يحبه. وهذا أيضا كذلك من أسباب ضلال هؤلاء القوم في هذا الباب: القدرية والجبرية، وهكذا أيضا القدرية المشركون لم يفرقوا بين المشيئتين. قال: فهذه الطوائف الثلاث هم خصماء الله في قضائه وقدره، منهم من نفاة، ومنهم من غلاة فيه، غلوا أو وقعوا في الباطل. من نفاة: يعني نفاة قضاء الله وقدره، كالقدرية النفاة الذي نفى وقع لله مشيئة في أفعال العباد. ومنه من غلاة في إثبات المشيئة لله، ونفوها عن العبد، وهؤلاء الجبرية. قال: وهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فأثبتوا عموم قضاء الله ونفوذ مشيئته في كل شيء، وأثبتوا مع ذلك أفعال العباد من الطاعات والمعاصي، وقالوا: إنها واقعة باختيارهم، ولا حجة للعاصين على الله إذا احتجوا على معاصيهم بقدره، بل حجتهم داحضة باطلة. وقالوا: إن مشيئة الله غير محبته، انظروا هنا هؤلاء القوم ما فرقوا بين المشيئة والمحبة، بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية، فظنوا أن كل ما شاءه الله إذن هو يحبه، يرضاه الله، شاء الكفر إذن يحب الكفر، الله شاء المعاصي إذن يحب المعاصي، هكذا قالوا، ولم يفرقوا بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية. قال: وقالوا: إن مشيئة الله غير محبته، أي أهل السنة والجماعة. قال: فمشيئته تعلقت بكل شيء موجود من خير وشر وطاعة ومعصية، يعني المشيئة الكونية: أن كل ما شاء الله كونا فهو يتعلق بهذا الوجود، أنه يعني أوجده الله سبحانه وتعالى وشاءه، فهو أراده أن يقع، لكن لا يتعلق هذا بمحبة الله، لا يلزم من وجود هذا الشيء الذي وقع في هذا الكون بإرادة الله ومشيئته أن يكون مما يحبه الله، أن يكون مما يحبه الله، ككفر الكافر ومعصية العاصي. فأهل السنة والجماعة يقولون: الله شاءها كونا، لكن لم يشأها شرعا، الله لا يحبها ولا يرضاها، لكن قضاها وشاءها ماذا؟ قدرا وكونا. قال: ومحبته خاصة للطاعات أهلها، وهي المشيئة الشرعية أو الإرادة الشرعية، هي خاصة بما يحبه الله ويرضاه، يعني مما أمر الله به، أو أمر به رسوله عليه الصلاة والسلام، فهذه متعلقة بمحبة الله ورضاه. قال: كما أخبر بذلك في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.