الدرس في شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ العلامة السعدي شرح قصيدة ابن تيمية في القدر، موضحا مفهوم المعصية والقدر في الإسلام. يبين أن معصية العبد ترجع إلى تركه لما أمر الله به ورسوله بمشيئة الله.
يناقش المقطع مسؤولية العبد عن أفعاله وعلاقتها بالقدر، موضحا أن العبد له إرادة في اختيار أفعاله وأن الله يعلم بما سيختاره العبد. كما يبين أن من لجأ إلى الله هداه إلى فعل ما يحبه.
يتناول المقطع كيفية التوفيق بين الإيمان بقضاء الله وقدره وحرية الاختيار الإنساني، موضحا أن التوبة والإقلاع عن المعاصي بقدر الله وأن الإنسان يملك الإرادة والقدرة على أفعاله.
يشير المقطع إلى انتهاء الدرس ويختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه، مؤكدًا على أهمية الختام بالدعاء والصلاة.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قصيدته التائية في القدر: "ومعصية العبد المكلف تركه لما أمر المولى وإن بمشيئتي، فإن إله الخلق حق مقاله بأن عبادي في جحيم وجنتي كما أنهم في هذه الدار هكذا، بل البهم في الآلام أيضا ونعمتي". قال العلامة السعدي رحمه الله في شرحه: يعني أن معصية العبد تركه لما أمر الله به ورسوله، وإن كان ذلك بمشيئة الله، فالله تعالى شاءه وأراده لما له في ذلك من الحكمة، ولعلمه تعالى أن العبد يفعله باختياره ومراغمته لربه، فلا حجة له في ذلك، يعني لا حجة له أن يحتج بالقدر. وإن كانت المعصية ومعصية العبد هي بقضاء الله وقدره وبمشيئة الله سبحانه وتعالى لحكمة يعلمها الله، لكن ليس له أن يحتج بالقدر على فعل المعصية لأنه يفعلها باختياره وإرادته. قال: وقد أخبر الله تعالى أن الأبرار لفي نعيم وأن الفجار لفي جحيم في دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، إما الجنة أو النار. قال: بل البهائم في الدنيا منها ما هو منعم ومنها ما هو مريض أو مصاب بشيء من الآلام، هكذا عندي، يعني أن البهائم كذلك منها ما ينعم وتعيش براحة ومنها ما تعيش وهي متألمة قد تصاب بشيء من الأمراض والأسقام، وكل ذلك بقضاء الله وقدره. قال: ولذلك كله أسباب وطرق معروفة يحمد المولى بوضعه الأسباب المنوعة مفضية إلى مسبباتها، فالخير جعل الله له أسباب والشر جعل الله سبحانه وتعالى له أسباب، وكل يسلك من هذه الأسباب ما يسلكها باختياره وإرادته. قال: ولهذا قرر الشيخ هذا المقام بقوله: "وحكمته العليا اقتضت ما اقتضته من فروق بعلم ثم أيدي ورحمتي يسوق أولي التعذيب بالسباب الذي يقدره نحو العذاب بعزتي ويهدي أولي التنعيم نحو نعيمهم بأعمل صدق في رجاء وخشيتي". قال: يعني أن حكمة الرب العليا اقتضت افتراق العباد بالعلم والجهل والعمل والكسل والنعيم وضده، وذلك بحسب عملهم بالأسباب النافعة أو الأسباب الضارة. قال: فإن الله دعا إلى دار السلام، يعني الجنة، كما في قول جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، قال: وبيّن طريقها وأعمال البر الموصلة إليها، يعني الموصل إلى الجنة والفوز بنعيمها. قال: التي مرجعها إلى ثلاثة أمور: تصديق خبر الله ورسوله، وامتثال أمر الله ورسوله، واجتناب نهيهما، وأمر العباد بسلوكها، وأخبر بما لهم عندهم من الكرامة، وهذا واضح. قال: فمن كان من أهل السعادة يسره لعمل أهل السعادة، يعني يسر له الأعمال الصالحة التي ينال بها السعادة الدنيوية والأخروية والسعادة الأبدية بالفوز بالجنة ونعيمها. قال: وحبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، لأن الله عز وجل علم منه محبة الإيمان أو محبة الطاعة ورغبته فيها وسعيه إليها، وقال جل وعلا: ﴿وَحَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. قال: وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فسار بحسن طريقة إلى سعادته الأبدية، ومن كان من أهل الشقاوة لم يبالي بأمر الله ولا نهيه، بل كذب وتولى، فاستحق العذاب بجرمه وذنوبه. قال: بيّن الله له الهدى وأمره بسلوكه فأدبر وتولى، فولاه الله ما تولى لنفسه، ووكله إليها، ومن وكل إلى نفسه الأمارة بكل سوء الظالمة الجاهلة فقد هلك، وذلك بما كسبت يداه، ليس بمجبور على ذلك ولا مكره ولا مقسور. قال: ومعنى مقسور: يعني لم يقصر إلى هذا الشيء بأن يفعله وهو لا يريد فعله، وهو أخص من معنى الإكراه، قال: بل مختار مصرف كفور، فعل هذه الذنوب والمعاصي باختياره وإرادته، رغب في طريق أهل الشقاوة فسلكها وعمل بأعمالها، وكذلك تسبب بأسبابها، فهو الذي تسبب في سوق نفسه إلى عذاب الله جل وعلا وسخطه. قال: فلهذا قال الشيخ: "ومن أعجب الأشياء خلق مشيئة بها صار مختار الهدى والظلالة"، فقولك: هل أختار تركا لحكمه، كقولك: هل أختار ترك مشيئة، وأختار لا أختار فعل ظلالة، ولو نلت هذا الترك فزت بتوبتي، وذا ممكن لكنه متوقف على ما يشاء الله من ذي المشيئة. قال: يقول الشيخ: إن من أعجب الأشياء أن خلق الله للعبد مشيئة يتمكن بها من كل ما يريد، فيختار بها الهدى إن كان من أهل السعادة، ويختار بها الصلاة، ويختار بها الظلالة إن كان من أهل الشقاوة، والعبد هو الذي يفعل ويعمل ويكسب من غير ممانع له عما يريده، وهذا واضح. قال: فقولك أيها المعترض عليه: هل أختار ترك حكم الله وقدره، قال: مثل قولك: هل أختار ترك مشيئتي، أن المعترض والمستدل بالقدر يقول: هل أترك حكم الله وقدره والله قد قضى بذلك وقدر أن أفعل هذه المعصية ونرتكب هذا الذنب، فهذا القول مثل قولك: هل أختار ترك مشيئتي، يعني ترك ما تريده وتشاءه. قال: يعني فأنت الذي اخترت أفعال المعاصي، فلو زعمت أنك لا تختار ولا تحب فعل الضلالة والغي، فأنت بين أمرين، يعني إذن زعم أنا ما أحب فعل المعصية ولا أحب فعل الذنب، ثم يستدل بالقدر على فعل المعصية. قال: فأنت بين أمرين: إما أن تكون كاذبا وهو الواقع لكل من يعترض على المعاصي بالقدر، يعني أنه كاذب وهو يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب احتجاجه بالقدر، قال: ولكنه يريد بهذا الكلام دفع الشنعة عليه وقصده معروف. قال: فهو يعرف من نفسه أنه لا يختار ولا يحب أن يترك ما باشره من الكفر والإجرام، فلو فرض وقدر على وجه الإمكان أنه صادق في قوله: إني أختار ألا أختار فعل الضلالة، وكان ذلك من صميم قلبه صادقا في ذلك، لو كان الأمر كذلك لكان هذا توبة. قال: لأن العبد متى كانت له إرادة مصممة على فعل ما يحبه الله وعلى ترك ما يكرهه الله، قال: أقبل بهذه الإرادة إلى الخيرات وانصرف عن السوء والسيئات، وكان توبة له من جميع الموبقات، ولكن من وفق لهذه الحال كان أبعد الناس عن الاحتجاج بالقدر، يعني هذا من باب التنزل. قال: لو تنزلنا جدلا مع هذا المجادل أنه صادق فيما يقول: أنه ما يريد فعل المعصية ولا هو راغب فيها ولا هو كذلك محبا لها، إذا كان الأمر كذلك فما الذي يجعله يتكي بالمعصية ويفعلها وهو لا يريدها ولا يختارها، لو كان صادق فيما يقول لكان بعيدا عن فعلها وبعيدا عن اقترافها. قال: ولكن من وفق لهذه الحال كان أبعد الناس عن الاحتجاج بالقدر، أي على المعاصي، قال: والوصول إلى هذه الدرجة العالية ممكن في حق كل أحد، ولكنه يتوقف على مشيئة الله وإرادته. قال: ومن لجأ إلى الله وأناب إليه وتضرع له هداه الله، وشاء منه أن يفعل ما يحبه ويرضاه، وشرح الشيخ إلى هذا الفرق اللطيف بقوله: "على ما يشاء الله من ذي المشيئة"، وذو المشيئة هو العبد، يعني في مشيئته واختياره. قال: وهذا الفرق اللطيف، وأنه إن شاء تعالى أن يعين عبده على فعل ما يحبه ويرضاه، وشاء من عبده ذلك الفعل حصل المطلوب، وفاز العبد بكل مرغوب، وإن لم يشأ تعالى إعانة عبده، بل أمره بالخير وأحب منه أن يفعله، ونهاه عن الشر وكره له فعله، ولكن لم يشأ من نفسه إعانته، بقي العبد على مختاره لنفسه من الإقامة على مساخط الله. قال: ثم كلا الأمرين، يعني تعلق مشيئة الله سبحانه وتعالى بإعانة هذا العبد على فعل الخير أو بإبقاء هذا العبد على فعل الشر، كل ذلك بمشيئة الله وقضاه وقدره أيضا، مع علمه سبحانه بقبول هذا العبد إلى فعل أعمال الخير والبر فيوفقه لها. قال: ويعلم من ذلك العبد أنه لا يقبل أسباب الهداية والصلاح، بل يسلك سبل الغواية والضلال، فيسره لها، قال الشيخ بعدما أجاب بهذه الأجوبة السديدة والمعارف المفيدة: "فدونك علما بالذي قد أجبت به معاني إذا انحلت بفهم غريزتي أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ولله رب الخلق أكمل مدحتي". قال: أي دونك هذه الأجوبة لما سألت عنه، سواء كان السؤال سؤال استرشاد أو سؤال اعتراض وعناد، كما هو الظاهر من ألفاظ السائل وفحوى كلامه، وهو الذي فهمه الشيخ، يعني أنه معاند، ولهذا بدأه بأنه سؤال ذمي متحير. قال: وقيل: أن هذا المعترض أنه يهودي، وقال بعضهم: أنه شيعي قدري، وعلى كل في الآيات في الأبيات وردت مورد الاعتراض، قال: فهذه الأجوبة التي تشير وتبين هذا الأصل، وهو أصل القدر الذي هو أحد أصول الإيمان. قال: وقد بين الشيخ في تفاصيل جوابه هذا الأصل بيانا شافيا، ووضحه توضيحا كافيا، لا تجد هذا التفصيل وهذا التحقيق في كلام غير هذا الإمام العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين عموما، وأهل العلم خصوصا أفضل الجزاء، ورفعه في أعلى درجات الصديقين، ونفع بعلومه جميع المسلمين، آمين. قال: هذا ما يتعلق بشرح هذه المنظومة، ثم ذكره العلامة السعدي رحمه الله خاتمة ذكر فيها جملة من الأمثلة التي تكشف مسألة القضاء والقدر وتوضحها وتبينها. قال رحمه الله: خاتمة في ذكر أمثلة متنوعة تكشف لك مسألة القضاء والقدر، قال: حيث كان المقام من أهم الأمور، وقد حارت فيه أفهام كثير من الأذكياء، ولم يهتدي إلى الصواب المحض كثير من العلماء. قال: وكثير منهم يأخذ مسائله على وجه التقليد غير مقتنع بوجه يجمع فيه بين الإيمان بشمول القضاء والقدر مع أن العبد هو الفاعل حقيقة لفعله، وهو الممدوح أو الملوم على كسبه، مع أن الشيخ رحمه الله حقق هذا المقام في هذا النظم غاية التحقيق، وبين فيه الهدى من الضلال حتى وضح الطريق. قال: لكن الأمثلة تزيد البصيرة بصيرة، وتزيل عن الشاك الطالب للحق الريبة والحيرة، لهذا نقول في ضرب الأمثلة في المتعلقة بهذه المسألة العظيمة، وضرب الأمثال يقرب المعاني، كما قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الْمَثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. قال: المثال الأول: رجل كان مسرفا على نفسه، كثير الجراءة على المعاصي، فقال له صاحبه وهو يناصحه ويحاوره: أما ترتدع عما أنت عليه؟ أما تتوب إلى ربك وتنيب إليه؟ أما علمت أن عقابه شديد على العاصين؟ فقال المسرف: دعني أتمتع فيما أريد، فلو شاء الله لهداني، قال: ﴿وَلَوْ أَرَادَ لِي غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا أَغْوَانِي﴾. قال: فقال له الناصح: بهذا الاعتذار الكاذب ازداد جرمك وتضاعف ذنبك، فإن الله لم يغوك، بل الذي أغواك الشيطان، وانقادت له النفس الأمارة بالسوء، حيث قال الشيطان مخاطبا لربه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: فالشيطان دعاك إلى المعاصي فأجبته، والله دعاك إلى الهدى فعصيته، بيّن الله لك السعادة وطرقها، وسهل أسبابها، ورغبك فيها، ووضح لك طريق الشقاوة، وحذرك من سلوكها واتباع خطوات الشيطان، وأخبرك بما تزول إليه من العذاب الشديد. قال: فرضيت واستبدلت الضلالة بالهدى، والشقاوة بالسعادة، وجعل لك قدرة وإرادة تختار بهما طريق الخير أو طريق الشر، وتتمكن بهما من كل ما تريد، ولم يلجئك إلى فعل المعاصي، ولا منعك من الخير، فسلكت طريق الغيء وتركت طريق الرشد، فلا تلم إلا نفسك. قال: أما سمعت ما يقول الداعي لأتباعه يوم القيامة حيث يقوم خطيبا فيهم، وقال الشيطان لما قضي الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾. قال: فقال المعترض: كيف أستطيع أن أترك ما أنا فيه والله هو الذي قدره عليه؟ وهل يمكنني الخروج من قضائه وقدره؟ وهذه حجة كثير من يفعل المعاصي ويحتج بالقدر. قال: فقال له الناصح: نعم يمكنك الخروج بقدره، فالتوبة والإقلاع عما أنت فيه وأنت تعلم علما لا تشك فيه من قدر الله، فارفع قدر الله بقدره، يعني إذا كان فعل المعاصي بقدر الله وأن الله قدرها، فكذلك التوبة والإقلاع والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى هذا بقضاء الله وقدره. قال: اسلك طريقة التوبة وقل: قدر الله علي أن أتوب وأن أقلع من فعل الذنوب والمعاصي، قال: ثم إن قولك: إن المعاصي الواقعة مني من قدر الله، إن أردت أن الله أجبرك عليها وحال بينك وبين الطاعة، فأنت كاذب، وأول من يعلم ذا كذبك نفسك. قال: فإنك تعلم كل العلم أنك لو أردت ترك الذنوب لما فعلتها، ولو أردت إرادة جازمة فعل الواجبات لفعلتها، فلقد أقدمت على المعاصي برغبة منك ومحبة لها وإرادة لا تشك ولا يشك غيرك فيها، يعني أنك راغب فيها ومحب لها وعازم على فعلها. قال: وتعلم أن قولك: إنها بقضاء الله وقدره، دفع للوم عنك، فهل تقبل هذا العذر لو ظلمك ظالم أو تجرأ عليك متجرئ وقال: إني معذور بالقدر، فلا تلمني؟ أما يزيدك كلامه هذا حنقا؟ وتعرف أنه متهكم بك. قال: المثال الثاني: رجل جاء لبعض العلماء فقال له: أحب أن ترشدني إلى أمر يطمئن له قلبي وتقنع به نفسي من جهة القضاء والقدر، فإني لا أشك أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال: وأعلم مع ذلك أن أفعالي كلها باختياري وإرادتي، وأنا الذي عملتها، هذا أمر ضروري لا أشك فيه، وأعتقد أنه لا يشك فيه أحد، ولكن أحب طريقة تهديني إلى كيفية الجمع بين الأمرين، يعني بين كون الشيء من قضاء الله وقدره وبين كون أفعال الشيء بإرادتي واختياري، ولا يكون تعارض بين الأمرين. قال: فقال العالم: الجواب المقنع في هذه المسألة أنك إذا علمت أن الله خلقك وخلق أعضاءك الظاهرة والباطنة، هذا أمر لا تشك فيه، ولا يشك فيه مسلم، ومن أعظم الأعضاء الباطنة أن الله جعلك مريدا لكل ما تحبه كارها لما تبغضه، إجمالا وتفصيلا. قال: وأن الله أعطاك قدرة توقع بها جميع ما تريد فعله وتكف بها عما تريد تركه، فأنت تعترف بذلك ولا تستريب فيه، وتعرف مع ذلك أنك إذا أردت أمرا من الأمور إرادة جازمة وأنت تقدر عليه فعلته من دون توقف. قال: حتى إن الأمور المستقبلة التي تريد فعلها إرادة جازمة تقول فيها: سأفعل إن شاء الله كذا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. قال: فإذا اعترفت بذلك كله، يعني اعترفت بأنه تعالى خلقك وخلق قواك الظاهرة والباطنة، ومكانك من كل ما تريد بما أعطاك من قدرة ومشيئة، وأنت الذي تختار وتفعل أو تترك، فقد جمعت بين الأصلين: الاعتراف بعموم قدر الله، وأن أفعالك كلها من كسبك. قال: وأنه إن وفقك للخير فبفضله وتيسيره، وإن لم يوفقك بل وكلك إلى نفسك، فلا تلومن إلا نفسك، ومعرفة هذه المقدمات سهلة بسيطة، وبه يحصل لك الاقتناع التام، ففعلك داخل في عموم قدرة الله وخلقه. قال: لأن خالق السبب التام هو الخالق للمسبب، والسبب التام قدرتك وإرادتك، والله هو الذي خلقهما، وأنت الذي تفعل بهما، وإنما الإشكال الذي لا يمكن حله لبطلان أحد أصليه: اعتقادك أنك مجبور على أفعالك، فهذا الذي لا يمكن العبد أن يعترف معه أن الأفعال أفعاله. قال: هذا يعلم بطلانه بالضرورة، كما سبق بيانه، يعني زعم من زعم أنه مجبور على فعل الأشياء هذا كذب وباطل وليس بصحيح، فحينئذ لا ينبغي أن يقع في ذهنه أنه يفعل الأشياء جبرا من غير إرادة ولا اختيار. قال: فقال الرجل للعالم: لقد وضحت المسألة وضوحا لا أشك فيه، علمت بأن الله خلقني وخلق جميع أوصافي، وخلق الأسباب التي أتمكن بها من الأفعال، وأنا الذي أفعل وأطيع إن ساعدني الله بتوفيقه، وأعصي وأغفل إن وكلني إلى نفسي. قال: فقال العالم: وأزيدك إضاحا وبيانا لهذا السؤال، قال الله لخيار المؤمنين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، فلم يقل: ولكن الله أجبركم على الإيمان. قال: ولكن الله تعالى لما علم حالة النفس وأنها ظالمة جاهلة أمارة بالسوء، لطف بالمؤمنين وحبب إلى قلوبهم الإيمان وزينه فيها، فانقادت إلى الخيرات باختيارها لما جعل في قلوبهم من هذه الأوصاف الجليلة. قال: ولما كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، إن صرفوا عنها لكراهتهم لها، وكان هذا لطفا وكرما منه، وأما الآخرون فلم يجعل لهم نصيبا من هذا اللطف، فانحرفوا باختيارهم، وكانوا هم السبب لأنفسهم حيث كانت مقاصدهم فاسدة. قال: وحيث عرض عليهم الخير فرفضوه، واعترض لهم الشر والغي فاختاروه، فولاهم الله ما تولوا لأنفسهم، واللوم كله عليهم، والحجة البالغة لله على العباد كلهم، قل: فلله الحجة البالغة، ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: وكذلك أيضا أن الله جل وعلا لم يترك الخليقة صدا وهملا، يعني على الجهل والغواية والضلالة، بل أرسل لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، كل ذلك من أجل ماذا؟ أخذ الأسباب التي بها تكون هدايتهم ويكون فيها صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. قال: وأزيدك إضاحا وبيانا، ألست تفرق ويفرق كل أحد بين حركة المرتعش بغير اختياره وبين حركة الباطش والكاتب باختياره؟ قال: فقال الرجل: جزاك الله خيرا، فلقد أزلت عني كل إشكال واقتنعت بذلك غاية الاقتناع. نقف هنا إن شاء الله. صلى الله على نبينا محمد وعليه وصحبه أجمعين.