الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشارح بتوضيح أهمية حديث أبي ثعلبة الخشني في بيان أحكام الدين، حيث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الله فرض فرائض وحد حدودا وحرم أشياء وسكت عن أشياء. الحديث يشير إلى تقسيم الأحكام إلى أربعة أقسام.
يناقش الشارح أقسام الأحكام الشرعية: الواجبات، والمباحات، والمحرمات، والمسكوت عنه، مع التركيز على حدود الله والتعدي عليها. يشرح كيفية التعدي على هذه الحدود في مختلف الأحكام.
يشرح الشارح معنى "سكت عن أشياء" ويبين أن السكوت يعني عدم بيان الأحكام، وأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم. كما يحذر من البحث عن المسكوت عنه لما قد يترتب عليه من تحريم ما كان مباحا.
يؤكد الشارح على أهمية الالتزام بالفرائض واجتناب المحرمات في رفع المرء في دينه وبلوغه غاياته العليا. من يحافظ على الواجبات ويتجنب المحرمات ينال درجة عالية في تمسكه بدينه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية: الحديث الثلاثون، عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها». حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره. قال الشارح -وفقه الله-: هذا الحديث أخرجه الدارقطني، وإسناده ضعيف، فهو من طريق مكحول عن أبي ثعلبة، ولم يسمع منه، ففيه انقطاع، واختلف في رفعه ووقفه، وإن كان الإمام الدارقطني رحمه الله يرجح الرفع. وجاء من حديث أبي الدرداء مرفوعا: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. وكذلك أسناده فيه ضعف. وجاء عند الترمذي من حديث سلمان، ورجح الإمام البخاري رحمه الله في العلل أنه موقوف. وجاء أيضا عن ابن عمر مرفوعا، وفيه ضعف. وجاء موقوفا على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وبعض أهل العلم حسن الحديث في مجموع هذه الطرق، قالوا: في سياقه تقديم وتأخير عما ذكره المصنف، وليس عنده في النسخة المنشورة «رحمة لكم»، وإنما «وسكت عن أشياء من غير نسيان». وفي هذا الحديث جماع أحكام الدين، حتى قال الإمام أبو بكر السمعاني رحمه الله: «هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين». وحكي عن بعض السلف أنه قال: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات»، ثم ذكر هذا الحديث. قال: فقد قسمت فيه الأحكام أربعة أقسام مع ذكر الواجب فيها. فالقسم الأول: الفرائض، والواجب فيها عدم إضاعتها. «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها»، وهذا يشمل جميع الفرائض والواجبات التي فرضها الله جل وعلا فيما يتعلق بأركان الإسلام، أو غيرها من الواجبات، كبر الوالدين، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغيرها. فلا تضيعوها يعني لا تضيعوا هذه الفرائض بإهمالها أو بتركها وعدم القيام بها. قال: والقسم الثاني: الحدود، والمراد بها في الحديث ما أذن الله به، فيشمل الفرض والنفل والمباح، فكلها مأذون بها. والمأمور به فيها عدم تعديها، والتعدي مجاوزة الحد المأذون به. «وحد حدودا فلا تعتدوها»، يعني أن الله عز وجل أباح لكم أشياء، وجعل لكم حدودا في فعل هذا المباح، فلا تتعدوا ذلك. لا تتعدوا هذا المباح إلى ما هو محرم. فمثلا في الفرائض، إذا فعل الإنسان شيئا من الفرائض والواجبات وتعدى في ذلك بأن يفعل شيئا غير مأذون فيه، أو يفعل شيئا من هذه الفرائض بأمر غير مأذون به، مثلا أراد أن يصلي الفريضة قبل وقتها، هذا من التعدي، الواجب أن تصلى بعد دخول وقتها. أو أراد أن يؤخر الفريضة إلى أن يخرج وقتها ثم يصليها من غير عذر، هذا من التعدي. أو يزيد في الفريضة ما ليس منها، هذا من التعدي. وكذلك أيضا في النفل يقال مثل ذلك، لو جعل النفل في منزلة الواجب، جعله بمنزلة الفريضة، هذا من التعدي. أن يجعل النافلة المستحبة بمنزلة الواجب. أو كذلك أيضا في الأمور المباحات، كالطلاق مثلا، الله عز وجل أباح الطلاق أن يطلق الرجل امرأته، لكن أباح الله عز وجل أن يوقع الطلاق كما أمر الله عز وجل بأن تطلق المرأة في طهر لم يجامع فيه، أو كذلك تطلق وهي حامل. فلو طلق وهي في حال حيضها، أو في طهر جامع فيه، فهذا من التعدي، لحدود الله. قال: والقسم الثالث: المحرمات، والواجب فيها عدم انتهاكها، بالكف عن قربانها والانتهاء عن اقترافها. «وحرم أشياء فلا تنتهكوها»، فالمحرمات الواجب فيها عدم انتهاكها، أي عدم الوقوع فيها وفعلها، والواجب الكف عن قربها والابتعاد عنها والانتهاء عن اقترافها. قال: وحرم أشياء فلا تنتهكوها، هذه المحرمات من ما ذكره الله عز وجل مجملا، ومنه ما ذكره مفصلا. فالمجمل مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى آخر الآيات الثلاث. قال: والقسم الرابع: المسكوت عنه، وهو ما لم يذكر حكمه خبرا أو طلبا. خبرا يعني فيما يتعلق بأمور العقائد، وطلبا ما يتعلق بالأوامر والنواهي. قال: بل هو مما عفى الله عنه، والواجب فيها عدم البحث عنها. يعني ما سكت الله عنه فلم يأمر به ولم ينه عنه، فالأصل أنه مباح، والأصل أنه مباح، ويجوز لنا أن نفعله. فالمسكوت عنه معفو عنه، والأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأشياء الحل. ولهذا كانت المحرمات محدودة ومعدودة، لأن الأصل في الأشياء هو حلها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. قال: والواجب فيها عدم البحث عنها، يعني ما يسأل لماذا ما حرم هذا الشيء، لماذا ما حرم هذا الأمر. لا، ما تسأل عن هذه الأشياء، شيء مسكوت عنه، الحمد لله، هذا من عفو الله. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم عاب على عبد الله بن عمر، قال: «إن من أشد الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته»، يعني شيء كان مباحا للناس أن يفعلوه، فيأتي يسأل عنه فيحرم بسبب سؤاله، يعني هذا في زمن نبي صلى الله عليه وسلم، زمن التشريع، فيحرم بسبب سؤاله، فيحرم الناس من الانتفاع به. قال: وقوله «سكت عن أشياء» فيه إثبات صفة السكوت لله، والإجماع منعقد على إثباتها، نقله ابن تيمية الحفيد، وهي من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله، يفعلها جل وعلا متى شاء، فهو متصف بصفة الكلام، يتكلم متى شاء، ويسكت جل وعلا متى شاء. قال: ومعنى السكوت الإلهي عدم إظهار الأحكام للانقطاع عن الكلام. فالسكوت يقع على معنيين: أحدهما الانقطاع عن الكلام، والآخر عدم بيان الأحكام. والمراد منهما في هذا الحديث والثاني دون الأول، يعني سكت عن أشياء بمعنى لم يبين حكمها من باب العفو والمسامحة. قال: وكذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أثر النظير لهذا الأحاديث، فيه ذكر الأحكام، ثم ذكر السكوت، فهو يفهم أن المقصود بالسكوت من صفته سبحانه يراد به عدم بيان الأحكام. قال: وقال قوم من أهل السنة: إنه الانقطاع عن الكلام، لكن الأظهر -والله أعلم- أنه عدم بيان الأحكام، يعني في هذه الصفة في هذا الموضع. قال: فهذا الحديث حديث عظيم قد شمل أصول الدين، لأن أصول الدين هي فرائض مأمور بها، ومحرمات منهي عنها، وحدود يجوز فعلها ولا تتعدى، وأشياء سكت عنها فيباح فعلها. ومن واجب على الفرائض من حافظ على الفرائض، واجتنب المحرمات، ولزم حدود الله، فلا شك أنه سيبلغ مبلغا عظيما في التمسك بهذا الدين والوصول إلى أكمل غاياته وأعلى منازله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.