كتاب الطلاق 3

الدرس في كتاب الطلاق 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الإيلاء وأحكامه العامة

الإيلاء هو حلف الزوج على الامتناع عن زوجته، ويعطى مهلة أربعة أشهر إما للمراجعة أو الطلاق. إذا كانت المدة المحددة أقل من أربعة أشهر، يعتزل الزوج زوجته حتى تنقضي المدة.

الفرق بين الإيلاء والظهار وأحكامهما

الإيلاء يتعلق بالامتناع عن الزوجة مع حلف، بينما الظهار هو تشبيه الزوجة بظهر المحرم، ويوجب الكفارة قبل المسيس. كلا الحكمين لهما أحكام مختلفة في الشريعة.

تفاصيل حكم الظهار وكفارته

الظهار محرم ويعتبر قولًا زورًا، ويوجب الكفارة قبل المسيس، وتكون الكفارة بإعتاق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا. يجب على من يفعل ذلك أن يكفر قبل أن يمس زوجته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الإيلاء. قال: وهو أن يحلف الزوج على جميع نسائه أو بعضهن لا يقربهن. فإن وُقِتَ بدون أربعة أشهر، فاعتزل حتى ينقضي ما وُقِتَ به. وإن وُقِتَ بأكثر منها، بعد مضيها أن يفي أو يطلق. هذا الإيلاء المراد به الإيلاء في اللغة، وهو الامتناع باليمين. وقال ابن القيم: إنه خُص في عرف الشرع بالامتناع باليمين من وطء الزوجة. وإلا في اللغة، يطلق الإيلاء ويراد به الحالف والامتناع باليمين، مثل ما قال الله عز وجل في أبي بكر رضي الله عنه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّاعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾، أي: ولا يحلفوا. ومعنى ذلك: لا يأولوا من الإيلاء، وهو الحلف أن يمتنع عن الشيء. لكن خُص في الشرع بأن الإيلاء هو الامتناع باليمين من وطء الزوجة. وأصل هذا الإيلاء قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فالإيلاء هنا هو الحلف والامتناع عن إتيان الزوجة. وجاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى على نسائه شهرًا، أي: امتنع أن يقربهن شهرًا. فلهذا قال المؤلف: وهو أن يحلف الزوج على جميع نسائه أو بعضهن لا يقربهن، يعني: إما بلفظ صريح «لا أطأهن، ولا أقربهن»، هذه ألفاظ صريحة. وقد يكون كناية، مثل أن يقول: «لا يكون رأسي مع رأسك في فراش واحد»، أو «لا أكون معك في غرفة واحدة»، أو من هذا القبيل. فهذا يعتبر إيلاءً بالنية. قال: إذا حلف الزوج على جميع نسائه، فإن وُقِّتَ بدون أربعة أشهر، اعتزل حتى ينقضي ما وُقِّتَ به. فهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، حلف أن لا يقرب نساءه شهرًا، فاعتزلتهن في مشربه حتى قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، والحديث معروف حديث أنس في الصحيحين، وهو حديث طويل. وإذا كان هذا الإيلاء مؤقتًا، فإنه ينبغي أن يفي به. فإن لم يفي به، فإما يكفر كفارة يمين، أو يرى غيره خيرًا منه فيكفر كفارة يمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير». قال: وإن وُقِّتَ بأكثر منها، أي: بأكثر من أربعة أشهر، بعد مضيها بأن يفي أو يطلق. معنى هذا: أنه إذا حلف بأكثر من أربعة أشهر، فإنه بعد أربعة أشهر يوقف، ويقال له: إما أن تراجع زوجتك وتطيعها، وإما أن تطلق. وإن كان لم يوقت، قال: «والله لا أطأك ولا أقربك»، فهذا يعطى أربعة أشهر. فإن بعد الأربعة أشهر يوقف، فإن قال له: إما أن تطلق، وإما أن ترجع زوجتك وتطيعها. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: باب الظهار. الظهار يشبه الإيلاء، لكن الظهار ليس فيه يمين، لكنه يشبهه من ناحية الامتناع. قال: وهو قول الزوج لامرأته «أنت علي كظهر أمي»، أو «ظهرك»، أو نحو ذلك. فيجب عليه قبل أن يمسها أن يكفر: عتق رقبة، فإن لم يجد، فليطعم ستين مسكينًا، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين. هذا الظهار جاء حكمه أيضًا في القرآن، مثل الإيلاء. يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، إلى آخر الآية. فدلت هذه الآية على أن من ظاهر، فقال لمرأته «أنت علي كظهر أمي»، معناه: أنه حرام علي أن أركبك، مثل ما حرم علي ركوب أمي. هذه الكلمة كانوا يقولونها في الجاهلية. فربيعة بن هلال، أو ابن أبي هلال، ظاهر امرأته، وهي خولة بنت ثعلبة، فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي التي تسمى بالمجادلة. قالت: يا رسول الله، هلال بن أمية ظاهر مني، وأنا شابة، وبعدما كبرت وطعنت في سني، رماني بهذه الداهية. قال لها: «أنت علي كظهر أمي». ولهذا الله عز وجل سماه زورًا من القول، كلامًا باطلًا: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. فلهذا لا يجوز الظهار. قوله منكر، لأنه في تحريم ما أحل الله. هذه زوجته، كيف يحرمها على نفسه؟ وقد أحلها له الشرع. قال: إذا قال «أنت علي كظهر أمي»، أو «ظهرك»، أو نحو ذلك، فيجب عليه قبل أن يمسها أن يكفر. وجاء في حديث عند أبي داود والنسائي والترمذي، وهو حسن في الشواهد، عن سلمة بن صخر، أن سلمة ظاهر من امرأته شهر رمضان، ثم إنه طاءها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعتق رقبة». قال: لا، والذي بعثك بالحق، ما أصبحت أملك غيرها. قال: «فصم شهرين متتابعين». قال: قلت: يا رسول الله، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم؟ قال: فإن لم يجد، فليطعم ستين مسكينًا. ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين. قال: إذا كان الظهار مؤقتًا، فلا يرفعه إلا انقضاء الوقت. معنى هذا: إذا كان مؤقتًا، مثلًا قال: «ظاهرتك شهرًا»، فهذا الظهار لا يجوز أصلا. لكن إذا فعله شهرًا، فإنه عند كثير من العلماء، إذا انقضى الشهر، فأتى امرأته، لا شيء عليه. قال: وإن لم يجد، فليطعم ستين مسكينًا، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين. ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين، لما قال له: «خذ هذا المكتل وأطعمه ستين مسكينًا». إذا كان فقيرًا لا يقدر على الصوم، وله أن يصرف منها لنفسه وعياله إن كان فقيرًا محتاجًا.