الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بتعريف الحديث المضطرب وأمثلته، حيث يكون الاختلاف في الإسناد أو المتن دون ترجيح. ثم ينتقل إلى تعريف الحديث المدرج، وهو الكلام الذي يدرجه الراوي في الحديث النبوي دون تمييز.
يشرح المقطع مفهوم الإدراج في الإسناد والمتن، ويذكر الحافظ ابن حجر أمثلة على إدخال حديث في حديث أو رواية في أخرى، ويوضح كيفية حدوث ذلك الخطأ في الرواية.
يتم إدراك المدرج في الحديث النبوي من خلال عدة طرق، منها عدم تناسب الزيادة مع قول النبي، أو عدم ذكر بعض الرواة لها، أو التصريح بأنها من كلام شخص معين.
صنف الإمام الخطيب البغدادي كتابًا في المدرج ولخصه الإمام ابن حجر في كتاب سماه «تقريب المنهج بترتيب المدرج»، مما يدل على اهتمام العلماء بتنظيم وتبسيط المعرفة.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فأخذنا المضطرب، وهو الذي ترجحت فيه وجوه المخالفة أو لم يترجح، يسمى المضطرب. ومن أمثلة ذلك حديث «سيبتني هود وأخواتها»، فإنه طُرِّف في إسناده، فمنهم من يقول: عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر، ومنهم من يقول: عن عكرمة، عن أبي بكر، ومنهم من يقول: لا يذكر أبي بكر. وذكر الدارقطني أن هذا الحديث مضطرب، وإن كان في «العلل» رجح أنه مرسل، معناه رواية عكرمة عن أبي بكر، وعكرمة لم يثبت سماعه من أبي بكر. وقد يكون الاختلاف في الإسناد أحيانًا، لكن يكون الحديث صحيحًا، مثل ما ذكرنا، مثلًا قد يكون الاختلاف في اسم الصحابي، مثل حديث «سفيان بن أبي الحكم، أو زهير بن أبي سفيان، أو سفيان بن أبي زهير» بحديث «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، فاضطربوا في اسم الصحابي، وهذا لا يضر. أحيانًا أيضًا يضطربون في الثقة نفسه، ومنهم من يذكر فلانًا، ومنهم من يذكر فلانًا، وهما ثقتان، أو يختلفون في اسمه وهو ثقة، فهذا الاضطراب لا يضر. قال رحمه الله: النوع العشرون: المدرج. قال: وهو أقسام. أحدها: مدرج في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أن يذكر الراوي عقيبه كلامًا لنفسه أو لغيره، فيرويه من بعده متصلًا، فيُتوهم أنه من الحديث. هذا الحديث المدرج من الأحاديث التي تدخل في العلل؛ لأن المدرج لا يُدرك ولا يُعرف إلا بجمع الطرق. والمدرج هو ما كان من كلام أحد الرواة في الحديث، أو في الإسناد، أو في المتن. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أمثلة في المدرج في الإسناد والمدرج في المتن، فقد يكون مدرج الإسناد، وقد يكون مدرج المتن، وأكثر الإدراج يكون في المتن. وجعل الحافظ من المدرج الإسناد إدخال حديث في حديث، مثل حديث «من لم يتغن بالقرآن فليس منا»، فيُدخل حديث «ما أدن الله لشيء ما أدن للنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن» في إسناد هذا الحديث. وأحيانًا يكون في الإسناد أن يُدخل رجل ليس في رواية هذا الشيخ، بل في رواية أخرى. مثلًا في حديث «أي الذنب أعظم؟» فرواه بعضهم عن سفيان، عن واصل، ومنصور، والأعمش، عن عمر بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، ورواه بعضهم عن سفيان، عن منصور، والأعمش، عن عمر بن شرحبيل، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود. وفي الإسناد الأول: حديث الأعمش ومنصور زاد من؟ زاد عمرو بن شرحبيل. وفي الإسناد الثاني لم يذكر عمرو بن شرحبيل. فبعض الرواة أدخل رواية واصل على رواية الأعمش ومنصور، فهذا خطأ. قال رحمه الله: والثاني: أن يكون عنده اثنان بأسنادين فيرويهما بأحدهما. مثل ما ذكرناه في حديث «من لم يتغنى بالقرآن فليس منا»، عنده حديث «ما أدن الله لشيء حسن الصوت يتغنى بالقرآن»، هذا حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، فأدخله بعضهم في حديث «من لم يتغنى بالقرآن فليس منا». وأيضًا مثلًا حديث «لا تباغض، ولا تحاسد، ولا تدابر، ولا تنافس»، قول «ولا تنافس» في حديث مالك عن الزهري عن أنس مدرجة، وإنما هي في حديث مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال: الثالث: أن يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم باتفاق. مثل ما قلنا: رواية واصل، والأعمش، ومنصور، عن أبي وائل، عن عمر بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، مع أن واصلًا لم يذكر عمر بن شرحبيل. وكذلك أيضًا ما كان يفعله بعض العلماء كابن عيينة ومعمر، فإنهم يجعلون رواية ثابت ومعًا، ثم يقولون: عن أنس. وتجد أن رواية ثابت مرسلة، ورواية إبان متصلة، فيجعلونها في إسناد واحد. وأما كيف يدرك هذا المدرج؟ يدرك بأشياء، إما أن تكون هذه الزيادة لا تليق أن يقولها النبي صلى الله عليه وسلم، أو مستحيل أن يقولها النبي صلى الله عليه وسلم. مثل ما قلنا: حديث «للمملوك أجران»، ففي آخر الحديث قال: «لولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لا أحببت أن أكون مملوكًا». فهل هذا سيقوله النبي صلى الله عليه وسلم؟ مستحيل، وإنما هذا من كلام أبي هريرة رضي الله عنه، أنه يتمنى أن يكون مملوكًا لهذا الأجر العظيم الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. أو يدرك هذا المدرج بعدم ذكر بعض الرواة له، أو تصريح أنه من كلام فلان. مثل في حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تقرأوا إلا بهم الكتاب». أو حديث «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا». فهي زيادة أدخلها ابن أبي مريم في رواية حديث الزهري عن أنس. وصنف في هذا النوع الإمام الخطيب البغدادي كتابًا في المدرج، وقد لخصه الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله، سماه «تقريب المنهج بترتيب المدرج».