آداب القرآن 4

آداب القرآن 4

الدرس في آداب القرآن 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب تلاوة القرآن عند آيات الرحمة والعذاب

ينبغي لقارئ القرآن أن يسأل الله الرحمة عند آيات الرحمة ويستعيذ بالله من النار عند آيات العذاب. يُستدل على ذلك بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

آداب تلاوة القرآن وسجود التلاوة في الصلاة وخارجها

المقطع يتناول آداب تلاوة القرآن مثل الوقوف عند آيات الرحمة والعذاب وسجود التلاوة عند آيات السجدة. يشرح آراء العلماء حول هذه الآداب.

حكم الاجتماع لتلاوة القرآن وآدابه

يستحب قراءة القرآن في جماعة لما فيها من خير، وذكر العلماء أربع صور للاجتماع لتلاوة القرآن لكل صورة حكم مختلف. وقع خلاف بين العلماء في حكم بعض هذه الصور.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلةً إخواني في الله مع ذكر أهم آداب تلاوة القرآن، وفي هذا المقام سنقتصر الكلام على ثلاثة آداب، وهي تُعتبر من الآداب المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل قارئٍ وقارئة لكتاب الله جل في علاه. فمن ذلكم أن الذي يقرأ القرآن عليه أن يحرص على هذا الأدب، وهو أن يسأل الله جل وعلا الرحمة متى ما مر بآيات الرحمة، وهكذا يستعيذ بالله من النار كلما مر بآيات النار والعذاب والعقاب. ولا شك إخواني في الله أن كتاب الله سبحانه وتعالى فيه الآيات الكثيرة التي فيها هذه المسائل، في ذكر الجنة وذكر صفاتها وصفات أهلها. فإذا مررت لك يا عبد الله بآيات الرحمة، تقول مثلاً: اللهم نسألك الجنة، أو اللهم اجعلني منهم، أو اللهم إني أسألك من فضلك. وأنت تقرأ القرآن، قف قليلاً وادعُ، ثم استمر بالقراءة. فتمر عليك كذلك بالمثل آيات النار والعذاب وما أعده الله للكافرين وللمشركين، قف عند هذه الآية واستعذ بالله من النار، أو قل: اللهم لا تجعلني منهم، أو قل: أعوذ بالله بوجهك الكريم، ونحو ذلك من هذه الأدعية التي تأتي بها تتناسب مع هذا المقام. والدليل على ذلك كما ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه يقرأ مسترسلاً، إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، رواه مسلم. وجاء كذلك عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ. فهذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك على هذه المسألة، وهي من آداب تلاوة القرآن. فهل يقاس على ذلك الفرائض؟ قال الجمهور من العلماء: يقاس، لأن ما ثبت في النفل يقال في الفرض. لكن أهل العلم يقولون: الحكم يختلف، فهذه الآداب تعمل في صلاة النافلة استحبابًا، ولكن تعمل في الفرض جوازًا. وهل هذا الفعل وهو أنك تسأل الله الرحمة وتستعيذ بالله من النار، هل هذا عام للإمام والمأموم أم خاص بالإمام؟ على خلاف، فأكثر العلماء يرون أن هذا الفعل إنما يفعله الإمام. أما المأموم فالأصل أنه ينشغل بالاستماع والإنصات، ولا يشتغل بالسؤال. والجواب نعم، ولهذا جئنا بهذا الأدب في هذا المقام، فمن أخذ مصحفًا مثلاً أو يقرأ من حفظه، فمر بآيات الرحمة، سل يا عبد الله الرحمة، وإذا مرت بك آيات العذاب تعوذ بالله من العذاب. والأدب الثاني الذي يذكره في هذا المقام هو السجود عند آيات السجدة. القرآن الكريم فيه سجدات، طبعًا على خلاف بين الفقهاء في ضبطها وعدها. فعن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾، قال: فسجد، فقلت: ما هذا؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه، رواه البخاري ومسلم. فهذه إشارة من أبي هريرة أن هذا من فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه كان يسجد في سجدات التلاوة في كتاب الله. ومن ذلكم أن هذا السجود يكون في الصلاة ويكون خارج الصلاة. وسجود التلاوة هل يشترط فيه ما يشترط في سجود الصلاة؟ جماهير العلماء يشترطون هذا. وإن كان بعض الفقهاء لا يشترطون هذه الشروط. ومن سجد عند قراءته للقرآن، هل هناك ذكر معين؟ الجواب: لا. والأخير من سجود التلاوة، هل الأمر في سجود التلاوة يحتاج إلى قعدة وإلى تشهد وإلى تسليم؟ الجواب: لا، إذا كنت خارج الصلاة، تقرأ القرآن فمرت عليك سجدة تلاوة، فإنك تسجد يا عبد الله، تسجد لكن من غير تحيات، من غير تشهد، من غير تسليم. المسألة الثالثة والأدب الثالث والأخير في هذا المقام، وما يتعلق بآداب تلاوة القرآن، ما يكون من مسألة الاجتماع. فمن الآداب ومما يستحب لقارئ القرآن أن يقرأ القرآن في جماعة، إن استطاع لذلك سبيلاً، لما فيها من عموم الخير. كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة، ومنها ما جاء في صحيح مسلم في الحديث المعروف قال عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فهذه الفضائل وهذه المزايا وهذه الخصائص جعلها الله جل وعلا لمن اجتمع على كتاب الله لقراءته وتلاوته. هنا إخواني في الله صور ذكرها العلماء في مسألة الاجتماع لتلاوة القرآن، وهي تعود إلى أربعة صور تتحقق فيها مسألة الاجتماع. الصورة الأولى: أن الناس أي ممن اجتمع على قراءة القرآن ينتدبون ويختارون شخصًا واحدًا هو الذي فقط يتولى القراءة، والبقية يستمعون. وهذه الصورة إخواني في الله من الصور التي أجمع عليها العلماء على استحبابها. والصورة الثانية: أن يجتمع القوم على قراءة القرآن بحيث يقرأ كل منهم مقطعًا مكررًا. وهذه الهيئة الثانية وهي الصورة التي يكون فيها تكرار المقطع المكرر، وهذه مسألة إخواني في الله إن كان القصد من ذلك التعليم، فهذا مستحب باتفاق الفقهاء. والصورة الثالثة: نفس الطريقة الثانية، لكن الثاني يستكمل ما توقف عنده الأول. وهذه الطريقة المشهورة، وهو أن كل قارئ يقرأ مقطعًا على خلاف الأول. فالثاني يقرأ بخلاف الأول، والثالث يقرأ بخلاف الثاني، أي كل يكمل الآخر. وهذه فيها خلاف، وجماهير العلماء على جوازها واستحبابها. والصورة الرابعة والأخيرة في قراءة الاجتماعية لكتاب الله: أن يقرأ الناس المجتمعون لكتاب الله بصوت جماعي موحد. وهذه وقع فيها خلاف بين العلماء، والصحيح فيها الكراهة، كما أشار إلى ذلك جماعة من الفقهاء من العلماء. فهذه أربع صور يذكرها العلماء في مسألة الاجتماع على كتاب الله جل وعلا. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.