آداب القرآن 2

آداب القرآن 2

الدرس في آداب القرآن 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الإخلاص في قراءة القرآن

يؤكد على أهمية الإخلاص في قراءة القرآن وابتغاء الأجر من الله وحده. يحذر من الرياء والسمعة في القراءة.

آداب تلاوة القرآن الكريم

يتناول آداب تلاوة القرآن مثل الطهارة، السواك، الاستعاذة، والبسملة. هذه الآداب تحقق الخشوع والتقرب إلى الله.

حكم بعض الممارسات عند ختم القرآن

يناقش حكم قول صدق الله العظيم عند ختم القرآن ويعتبرها بدعة. يشير إلى عدم ورودها عن النبي والخلفاء الراشدين.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي وآله. يُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، سنتدارس وإياكم أهم المباحث المتعلقة بآداب القرآن. وأتمرت معنا الفضائل الكثيرة التي جعلها الله جل وعلا في كتابه. ولا شك أن القيام بالقرآن يكون بالأخذ بآدابه التي جاء ذكرها ووردت في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ألا وإن من أهم الآداب التي يتأدب بها القارئ لكتاب الله جل وعلا أن يتحلى بالإخلاص، أن يكون مخلصًا في قراءته لكتاب الله جل وعلا. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: "فأول ما يؤمر به الإخلاص في قراءته، وأنه يريد بذلك وجه الله سبحانه، وأن لا يقصد بها التوصّل إلى شيء سوى ذلك". إذن فليكن مُبتغاك يا عبد الله إذا قرأت القرآن أنك تريد بذلك الأجر والثواب وما عند الله سبحانه وتعالى، ولا يزاحمك شيء من حظوظ الدنيا. كحال من يقرأ القرآن وهو يريد بذلك الرياء أو يريد السمعة والثناء، وأن يشار إليه بالبنان، هذا لا يجوز، بل هذا لا يتحصل على قراءته من أجر، بل بالعكس، بل يتحصل على الوزر. ولا يخفاكم إخواني في الله ما جاء في حديث الثلاثة أول من تُسعّر بهم النار. أول من تُسعّر بهم النار في حق ذاك الرجل الذي قرأ القرآن، وهمه من تلكم القراءة أن يقال عنه قارئ. وقد قيل: قيل حصل المراد، وجد الثناء من الناس، قيل له قارئ، ثم ماذا كان مآله؟ قال: فأُمر فيُسحب إلى النار. فلم يستفد من قراءته شيئًا لأنه أخل بالإخلاص. أو ما يكون عليه بعض الناس من قراءتهم للقرآن أنهم يريدون بذلك شيء من حطام الدنيا من مال أو متاع. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن صنف من الناس من سيأتي في آخر الزمان، وهذا همه التكسّب من القرآن. وذلك ما جاء من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا فكلٌ حسن، وسيجيء أقوامٌ يقيمونه كما يقام القدر، يتعجلونه ولا يتأجلونه". فقوله عليه الصلاة والسلام: "سيجيء أقوام"، أي كما سيكون من آخر الزمان عن أناس سيقيمون القرآن كما يقام القدر. القدر هو عود السهم، هو عود السهم قبل أن يقع، يوضَع عليه النصل أو الريش فيكون مستقيمًا. إشارة إلى أن هؤلاء سيقيمون القرآن على وجهه، كما يقال تجويدًا وتلاوة وتغنيًا، ما هناك عتب في قراءتهم، يقام كما يقام القدر على خط مستقيم، ما هناك انحلال ولا انحراف في قراءتهم. لكن قال: "يتعجلونه ولا يتأجلونه"، يتعجلونه أي يتعجلون أجر الدنيا، ثواب الدنيا، يتعجلون الثواب، يتعجلون الأجرة. ولهذا شيخنا مقبل رحمه الله تعالى عندما أورد هذا الحديث في الجامع الصحيح علق عليه بقوله: "فيه علم من أعلام النبوة، فقد كثر المتأكلون بالقرآن". كذلك من آداب القرآن الطهارة، وذلك بأن تكون على طهر. ويدل على هذا الأدب ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر". وفي لفظة: "إلا على طهارة". فقوله: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" دل على أن المسلم إذا أراد أن يذكر الله ينبغي أن يتحلى بالطهارة. ولا شك أن هذه المسألة إخواني في الله تحتها تفاصيل، من حيث استحباب الطهارة بالنظر إلى من أراد التلاوة فقط، أو من أراد التلاوة مع مس المصحف، أو ما كان من الطهارة من الحدث الأصغر أو الطهارة من الحدث الأكبر. هذه تفاصيل ليس هذا أوانها. ومن آداب القرآن كذلك طهارة الفم، أي بالاستياك وباستخدام السواك. فقد قال عليه الصلاة والسلام: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب". مطهرة للفم، وقد كان عليه الصلاة والسلام يستعد قبل قراءة القرآن بالاستياك. وثبت من حديث حذيفة كما في الصحيح أن النبي إذا قام من الليل لقيام الليل ولقراءة القرآن كان يشوص فاه بالسواك. يستعد للقيام والقراءة باستخدام السواك. وجاء كذلك الأدلة الكثيرة يحسنها جماعة من العلماء، من ذلكم ما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام: "إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك". ومن آداب تلاوة القرآن الاستعاذة بالله، أنك تستعيذ بالله من الشيطان، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. فقوله سبحانه وتعالى: "إذا قرأت" بمعنى إذا أردت أن تقرأ القرآن، إذا أردت أن تقرأ القرآن فابدأ القراءة بالاستعاذة. وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحكم يصل إلى الوجوب، أي واجب على القارئ للقرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان. وإلا جماهير العلماء على أن هذا الأدب للاستحباب، وهذا هو الأصرح والأوضح أنك يستحب في حق القارئ أنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. والعلّة والحكمة من ذلك واضحة، لأنك يا عبد الله إن أقبلت على قراءة القرآن فالشيطان لك بالمرصاد، يصدك ويمنعك ويلهيك بما يستطيع على إلهائك حتى لا تستمر في القراءة، فلتلتجئ إلى الله في أنه يعيذك من الشيطان. وقد جاءت عبارات أو جاءت آثار وأحاديث تدل على بعض الصيغ. فالصيغة المشهورة وهو أن تقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". ثم تقرأ. أو تأتي بالصيغة التي صحت عن رسول الله وصححها جماعة من المحققين أن تقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه". وأما البسملة، فإنك تأتي بها إن كنت في بداية السورة. إن كنت في بداية سورة من سور القرآن فإنك بعد الاستعاذة تأتي بالبسملة. والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام: "أنزل علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر الآيات". فأخبر نبينا عن هذه السورة التي أنزلها الله عليه، لكن بدأها بالبسملة لأنه أتى بها من أولها. فمن أراد أن يقرأ القرآن وأراد أن يستهل القراءة بسورة من بدايتها فيستحب يا عبد الله أنك تبتدئ بالبسملة، وذلك في كل سور القرآن إلا ما جاء في سورة براءة. فإنه لم يثبت عن رسول الله أنه بدأها بالبسملة، ولهذا تجدونها في المصاحف أنها تذكر من غير بسملة. فمن أراد أن يقرأ سورة براءة فليدخل بها مباشرة من غير الإتيان ببسم الله الرحمن الرحيم. نختم في فائدة نختم بهذا المقام، إذا علمنا أن القارئ يبتدئ القراءة بالاستعاذة وبالبسملة إن كان في بداية السور، بقي هل ينتهي بصدق الله العظيم؟ الجواب لا، لا تنتهي بهذا. هذا نعم قد اشتهر عند الناس أن الواحد من إذا أراد أن يقطع أو ينتهي من قراءة القرآن فإن يختمها بهذه العبارة صدق الله العظيم. وهذا إخواني في الله ليس بثابت، وليس بوارد لا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا عن صحبه الكرام. بل بالعكس، الأدلة تدل على خلاف ذلك. فكم كان نبيه يقرأ وكم كان أصحابه يقرأون، وما نقل عن أحد منهم أنه ختم بمثل هذه العبارة. بل يدل على ذلك ما جاء في فعله عليه الصلاة والسلام مع عبد الله بن مسعود عندما طلب منه أن يقرأ عليه شيئًا من القرآن قال: "فإني أحب أن أسمعه من غيري". فقرأ ابن مسعود ما شاء الله أن يقرأ، ثم ما شعر ابن مسعود إلا ورسول الله يقول له: "حسبك" أي اكتفي. قال: "فنظرت فإذا عيناه تذرفان الدمع" أي بكى عليه الصلاة والسلام تأثرًا من القراءة. الشاهد ما قال نبينا لبن مسعود: "قل صدق الله العظيم". لا، ما أمر بصدق الله العظيم، لا هو ولا أمر به ولا أرشد إليه. ولهذا إخواني في الله لا يشرع ختم القرآن بهذه العبارة لعدم وروده عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء أنهم سئلوا عن هذه المسألة فقالوا: "صدق الله العظيم في نفسها حق، يعني من حيث هي نعم، فالله سبحانه وتعالى صادق جل في علاه". ومن أصدق من الله قيل؟ ومن أصدق من الله حديث جل شأنه. قالوا: "صدق الله العظيم في نفسها حق، ولكن ذكرها بعد نهاية قراءة القرآن باستمرار بدعة، لأنها لم تحصل من النبي ولا من الخلفاء الراشدين". لذا يا عبد الله احترز من هذا، وإنما الذي شرع في تلاوة القرآن ما يكون عند البداءة، وذلك بالاستعاذة والبسملة. هذا إخواني في الله ما نذكره فيما يتعلق بآداب القرآن، وبقية آداب تترك بإذن الله في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.