آداب القرآن 10

آداب القرآن 10

الدرس في آداب القرآن 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

القرآن شفاء لأمراض القلوب والأبدان

القرآن الكريم شفاء لأمراض القلوب والأبدان، ويمكن الاستشفاء به من خلال قراءته وتدبره والعمل بما فيه. كما أن آيات السكينة في القرآن لها تأثير كبير في تهدئة القلوب المضطربة.

أدلة وطرق الاستشفاء بالقرآن

يؤكد الخطيب على أن القرآن شفاء للأمراض البدنية والنفسية، مستشهدًا بآيات القرآن وأحاديث النبي، مثل قراءة سورة الفاتحة على اللديغ. يحث على الرجوع إلى القرآن في مسائل التداوي والعلاج.

شروط الرقية الشرعية والاعتماد على الله

يشرح المقطع شروط اختيار الراقي وأهمية الاعتماد على الله تعالى في جلب المنفعة والشفاء. يُشدد على أن يكون الراقي موحدًا ومسلمًا ويحذر من اللجوء إلى السحرة أو من يتلاعبون في باب الرقى.

ختام الدرس والدعاء

المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لا زلنا إخواني في الله في ذكر صور وأنواع هجر القرآن، ونحن في صدد الكلام عن ذكر آداب القرآن. فمن صور هجر القرآن ما يكون من هجر التداوي به، وقد ذكر ذلك أهل العلم، فممن صرح بذلك الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى حين تحدث عن أنواع هجر القرآن، قال: وهجر الاستشفاء به والتداوي به، هذا من أنواع هجر القرآن. فالقرآن إخواني في الله، كما مر، هو كتاب يقرأ، وهو كذلك يتأمل فيه ويتدبر في معانيه، وهو أيضًا يعمل بأحكامه وشرائعه، وأيضًا يتحاكم إليه. وأيضًا من وظائف القرآن أنه مصدر من مصادر العلاج لأمراضنا وأسقامنا، والدليل على ذلك ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فالله سبحانه وتعالى جعل من أسباب إنزال القرآن أن جعله شفاءً لنا وعلاجًا لأدوائنا وأسقامنا. وقد بيّن العلماء أن القرآن هو شفاء لأمراض القلوب ولأمراض الأبدان. أما أمراض القلوب فهي ما يعتري القلب من أمراضٍ شتى من مرض الشك والريب والحيرة والوساوس والخواطر والظنون والشبهات وغيرها من الأدواء التي تعتري القلوب فتؤثر في سيرها إلى الله فتضعفها وتمرضها عن تعلقها بربها. فهذه الأمراض إخواني في الله علاجها يكون بالإقبال على كتاب الله سبحانه وتعالى قراءةً وتلاوةً وتدبرًا وعملًا بما فيه. فإن ذلك من أعظم الأسباب المبعدة لأمراض القلوب، لأن الإنسان متى ما أقبل على القرآن فإنه في المقابل سيجد الراحة والسكون والطمأنينة والسكينة، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فإذا كان القلب مضطربًا بالشك والريب والقلق والخوف والفزع والهلع، فاقرأ يا عبد الله من القرآن ما فيه إذهاب لهذا الذي اعترى القلب. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -كما في «مدارج السالكين»- أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كان إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة. وآيات السكينة هي الآيات التي فيها ذكر السكينة، وهي في عدة مواضع من القرآن. فكان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إذا اشتد عليه الأمر وحزبه شأن، كان يأمر من كان عنده -كما في بعض الروايات- وكذلك هو يقرأ على نفسه آيات السكينة، فإذا بهذا الأمر ينجلي عنه. بل إن ابن القيم رحمه الله تعالى صرح بأنه كان يفعل ذلك، كما في المصدر السابق في «مدارج السالكين»، حيث إنه قال رحمه الله: وقد جربت أنا أيضًا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه، فرأيت لها تأثيرًا عظيمًا في سكونه وطمأنينته. هذا مجرب، وعندنا كما مر: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وأعظم ذكر لله هو القرآن، فالقلب يطمئن. فالواحد منا إخواني في الله، وخاصة في هذه الأزمان، لربما يعتريه الهم والغم والأحزان والآلام، ناهيك عن أمراض الحيرة والظنون والشكوك والريب والشبهات. فأكثر يا عبد الله من إقبالك على القرآن، فإن فيه الشفاء. إذن، هذا من مواطن الشفاء للقرآن، أنه يشفي أمراض القلوب. وكذلك هو شفاء لأمراض الأبدان، لعموم الآية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، فهو شفاء لأبداننا وأجسادنا. وهذه الأمراض أيضًا تنقسم إلى قسمين: إلى أمراض بدنية نفسية، وإلى أمراض بدنية عضوية. فالقرآن شفاء لهذا وشفاء لذاك. أما الأمراض البدنية النفسية -وهي من قسم الروحية- وذلك كأمراض التي تنتاب الروح كالسحر والشعوذة وما كان من أذية وتخبط الجان من المس والصرع وهكذا العين والحسد وغير ذلك من الأمراض التي تصيب الأرواح المسلمة، فإن شفاءها وعلاجها يكمن في إقبالنا على كتاب الله جل وعلا. وتأمل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام عندما سحر عن طريق مساحر اليهود، إلا أن سحره لم يؤثر على عقله ولم يؤثر على شرعه. فلما سحر عليه الصلاة والسلام، أنزل ربنا عليه المعوذتين، فكان العلاج والشفاء فيهما. فالقرآن يجعله الله عز وجل شفاء لمثل هذه الأمراض الروحانية. وجاء أيضًا في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». والبطلة بمعنى السحرة، وسمي السحرة بطلة؛ أي: من البواطل؛ لأنهم لا يأتون إلا بالباطل. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تستطيعها البطلة»، قال العلماء في شرح هذه الكلمة: إما أن المراد أن السحرة لا يستطيعون قراءة سورة البقرة، ولا أن يتأملوا في معانيها؛ بل ما يستطيعون على ذلك سبيلًا، أو أنهم لا يستطيعون على إيصال واختراق من تحصن بها؛ لا يستطيعون على إيصال وأذية واختراق من تحصن بها. فالشاهد من هذا الحديث أن القرآن إخواني بعمومه، وفي بعض صوره، فيه خاصية بأنها تحصنك يا عبد الله من هذه الأمراض التي تعتري الأبدان من الأمراض الروحانية النفسية. فالقرآن شفاء لها. وكذلك القسم الثاني من الأمراض، وهي الأمراض البدنية العضوية التي تصيب أعضاءنا، كمن يصاب بمرض في يده أو في رجله أو في بطنه أو في رأسه أو في شيء من أعضائه، من ذلك الحميات. فالقرآن كذلك شفاء لهذه الأمراض، وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾. ومما يدل على ذلك إخواني في الله ما جاء في الصحيح في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عندما مر مع قوم له على قرية، فإذا بأهل هذه القرية يطلبون قارئًا يقرأ على سيدهم؛ إذ أن سيدهم قد لدغ لدغة، وجاء في أحد الروايات أنه لدغ بلدغة عقرب من السميات. فطلبوا قارئًا يرقي هذا السيد، فإذا بأحد الصحابة رضي الله تعالى عنه ذهب إلى هذا السيد، وماذا عسى أن قرأ عليه؟ قرأ عليه الفاتحة. فما إن أتمها قراءة على هذا اللديغ حتى قام الرجل المريض كأنما نشط من عقال؛ أي: أبرأه الله مما كان فيه، فقام سليمًا معافى من أثر ماذا؟ من أثر الفاتحة. حتى أن قوم القرية أعطوا الصحابة شيء من المال من الشياه إزاء فعلهم وما كان من شفاء سيدهم على أيديهم. فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه الخبر، قال لهم نبينا متعجبًا: «وما أدراكم أنها رقية؟» أي: متعجبًا من فعلهم. فقالوا: أضربوا لي بسهم؛ يعطوني حصتي مما أخذتم. تسلية لهم وإقرارًا لفعلهم. فالشاهد من ذلك أن هذه اللدغة لدغة عقرب، ومع ذلك كان القرآن لها مسكنًا ومذهبا لأذيتها. فدل ذلك إخواني في الله على أن القرآن هو شفاء؛ شفاء لقلوبنا، شفاء لأرواحنا، شفاء لأعضائنا. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾. فلكن كما قال العلماء، وأشار لذلك ابن القيم: أن هذه المسألة أصبحت في طي النسيان، فقل منا من يركن على القرآن في مسألة التداوي والطب. ولهذا عد هذا نوعًا من أنواع هجران القرآن. فعليك يا عبد الله وعلينا جميعًا أن نرجع لكتاب الله في مسألة الطب والتداوي والعلاج والشفاء؛ سواء لقلوبنا، سواء لأرواحنا، أو سواء لأعضائنا. ولا بأس يا عبد الله أنك تستعين بغيرك، إلا أن الأصل أنك أنت الذي تقرأ على نفسك؛ فإن ذلك أرجى للإجابة؛ لأنك ستتأثر بما لا يتأثر به غيرك. لكن إن احتاج الأمر أنك تستعين بغيرك لكي يقرأ عليك القرآن لإصابتك بأحد الأمراض، فلا بأس بذلك. وقد دلت الأدلة على جواز ذلك بأن الإنسان يستعين بغيره. لكن هذا خلاف الأفضل. لكن طبعًا لا بد من الشروط إخواني في الله لمن أراد أن يستعين بغيره لكي يقرأ عليه القرآن. أولًا: أن يكون هذا الذي تذهب إليه لا بد أن يكون موحدًا، يكون مسلمًا؛ فلا تذهب لمن فيه شائبة الشرك، أو يكون من عداد المشركين كالسحرة. كحال من يذهب إلى بعض السحرة ويطلب منهم أن يقرأ عليه قرآن؛ هذا لا يجوز؛ لأن السحرة بشكل عام أنت نهيت عن الإتيان إليهم وعن قرع أبوابهم؛ فكيف تطلب منه؟ لا يجوز أنك تأتي أو تقدم أو تطلب من ساحر ولو أن يقرأ عليك قرآن؛ فهذا لن ينفعك ولن يفيدك. فالأمر الثاني: أن يكون الراقي همه الذي يرقي المريض يهمه أن ينفع المريض. عندما تطلب من أخ أنه يقرأ عليك، فاعلم يا عبد الله أنك تحرص على أنك عند القراءة أنك تنفع هذا المريض بأن الله يزيل عنه الأذى. هذا يكون هذا همك؛ لا همك يا عبد الله المال بالدرجة الأولى. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». هذا جاءه. قاله نبينا في مسألة الرقى: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». سماها نبينا منفعة أنك تقرأ على أخيك؛ لكن تكون منفعة؛ لأنك تريد أن تنفعه؛ لأنك تنتفع. طبعًا لا بأس أنك تأخذ أجرًا على قراءتك؛ لا بأس؛ كما مر معنا في أثر أبي سعيد الخدري لما قرأ على سيد ذلك الوادي، أعطاهم أجرًا، وأقرهم نبينا على أخذ الأجرة؛ لا بأس بهذا. لكن لا يكون هذا همك وهذا مقصدك. حتى رأينا من بعض المتلاعبين في باب الرقى من الرقى من يجعل يقسم القراءة عنده إلى قراءات طبقات: تريد مني أن أقرأ عليه إيش من القراءة؟ هناك قراءة عادية، وهناك قراءة متوسطة، وهناك قراءة ملكية، وكل قراءة بسعر؛ ما هذا التلاعب؟ كتاب الله يا عبد الله اقرأ القرآن لله ولوجه الله؛ فإن عطيت شيئًا فأحمد الله؛ فأحمد الله. وهذا من أعظم ما ينتفع به المسلم لإخوانه المسلمين: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». أن تقرأ عليه، فإن جاء لك من ذلك أجرًا ومالًا فأحمد الله؛ وهذا مما أحله الله لك يا عبد الله. وزد على ذلك أن المسلم إذا طلب من أخيه أن يقرأ عليه القرآن في باب الرقية والتداوي والعلاج والاستشفاء، فعلى الجميع أن يتعلق بالله؛ الراقي والمرقي. فالراقي لا يعتمد على نفسه؛ فما أنت إلا سبب: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ»، «يَشْفِينِ». فالراقي والمرقي في أثناء القراءة على الكل أن يعتمد على الله سبحانه وتعالى في جلب هذه المنفعة ومنفعة العلاج والصحة والعافية. وقد مرت معنا دروس قديمة إخواني في الله تذكرون حول مسائل الرقى وشروط الراقي وشروط الرقية، وقد توسعنا فيها؛ فليرجع إليها من أراد التوسع في هذا الباب. فهذه مسألة تتعلق بصورة من صور هجر القرآن، وهو هجر التداوي والاستشفاء به. وأن المسلم والمسلمة الصغار والكبار والذكور والإناث عليهم أن يرجعوا إلى القرآن في هذا الباب في باب الطب والتداوي. فالله سبحانه وتعالى قد جعل فيه تأثيرًا -أي: في كتابه- تأثيرًا عظيمًا عجيبًا على قلوبنا وعلى أرواحنا وعلى أبداننا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.