آداب القرآن 9

آداب القرآن 9

الدرس في آداب القرآن 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

هجر التحاكم إلى القرآن وأثره

يتحدث عن هجر القرآن وخاصة التحاكم إليه، ويبين أن القرآن هو مجمل لحكم الله وأن المسلم يجب عليه التحاكم إليه. الإعراض عن التحاكم إلى كتاب الله يعد هوى وقد يصل بصاحبه إلى الظلم والفسق والكفر.

صور الإعراض عن التحاكم إلى القرآن

يتناول صور إعراض الناس عن التحاكم إلى القرآن، مثل اعتبار القرآن غير صالح للعصور الحديثة أو استبداله بقوانين وضعية. يؤكد أن الحكم لله وحده في جميع الأحكام.

وجوب التحاكم إلى القرآن والسنة معًا

يؤكد وجوب التحاكم إلى القرآن والسنة معًا، حيث لا يكفي الاعتماد على القرآن وحده. هجر القرآن يعد ضلالًا مبينًا، ويجب الأخذ بما في القرآن والسنة معًا.

ختام وتأكيد على أهمية الصلاة والسلام

يختتم بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشير إلى أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذه السلسلة من سلسلة الآداب في آداب تلاوة القرآن، ما كان من حديثنا عن ذكر صور هجر القرآن، فإن هذا مما يناسب ذكره في مثل هذه المقامات. وكان مما أسلفنا من ذكره من أنواع هجر القرآن النوع الأول، وهو هجر التلاوة والقراءة، وكانت من تحته مسائل عدة، ثم النوع الثاني من هجر التأمل والتدبر فيه، ثم النوع الثالث من أنواع الهجر ما كان من هجر العمل به، وتحت كل نوع من هذه الأنواع مسائل ذكرت في حينها. وكذلك من أنواع وصور هجر القرآن ما يكون من هجر التحاكم إليه. وقد أشار العلماء إلى أن هذا النوع يعتبر ويعد نوعًا من أنواع الهجران للقرآن. قال علامة بن القيم رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن أنواع هجر القرآن: "وهجر التحكيم والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه". فعبر رحمه الله تعالى أن من صور هجر القرآن هجر التحكيم والتحاكم إليه. فالقرآن، إخواني في الله، هو مجمل لحكم الله. القرآن مجمل لحكم الله، والذي قال عنه ربنا سبحانه وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. فالقرآن قد اجتمع على حكم الله، ولهذا المسلم ينبغي عليه أن يوطن نفسه إلى أن يتحاكم في أموره وشؤونه وفي أنماط حياته إلى كتاب الله جل في علاه. وعليه أن يعلم أن هذا الأمر هو ليس مخير فيه، فليس فيه بالخيار على حسب المزاج، كما يقال: إن شاء رجع إلى القرآن وتحاكم إليه، وإن شاء إلى غيره، لا، أنت لست مخيرًا، بل أنت ملزم وأنت مضطر ضرورة شرعية إلى وجوب التحاكم إلى كتاب الله جل وعلا. ولهذا يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. فدلت هذه الآية على أن المسلم يجب عليه أن يتحاكم إلى كتاب الله، ودلت أيضًا هذه الآية على أن المعرض عن التحاكم إلى كتاب الله يُعدُّ صاحب هوى. ولا تتبع أهواءهم، وهذا الهوى لربما أوصل صاحبه إلى الظلم، إلى الفسق، بل لربما أوصله إلى الكفر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾. فانظر كيف أن الهوى في حق المعرض عن كتاب الله والتحاكم إليه يوصله إلى هذه المراتب الثلاث. طبعًا هذه المراتب والأحكام الثلاثة فيها تفاصيل، ليس هذا المقام مقام التفصيل فيها، فهي تكون على حسب العمل أو على حسب العامل. والناس، إخواني في الله، وهم في هذا المقام من إعراضهم للتحاكم لكتاب الله، وهو من أنواع هجر القرآن، لهم في ذلك مشارب على مستوى الأفراد والمجتمعات والجماعات. فلهم في ذلك مشارب ولهم في ذلك مآرب. فمن أحوال الناس الذين أعرضوا وهجروا القرآن في قضية التحكيم والتحاكم إليه من رأى أن التحاكم ليس فقط إلى كتاب الله، بل وإلى كل كتاب سماوي. فيرى أن القرآن هو كتاب الله المنزل، وهو يرى أن التوراة هي كذلك الكتاب المقدس المنزل، ويرى أن الإنجيل هو الكتاب المقدس المنزل، وأن العبد بالخيار إن شاء تحاكم إلى ذا أو إلى ذا أو إلى ذا. وهذه الذي يدعو إليها من يدعو إلى توحيد الأديان، فيرى أن الأديان كلها تعد تصب في مصب واحد، فلا عتب على من تحاكم إلى هذا أو تحاكم إلى ذاك. وهذه دعوة كفرية. يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. فأخبر ربنا جل وعلا أن هذا الكتاب هو القرآن، جعله ربنا جل وعلا مهيمنًا على جميع الكتب. وإن من تفاسير المفسرين في مسألة هيمنة القرآن على غيره من الكتب أي أنه الناسخ، فالقرآن نسخ جميع الأديان وجميع الكتب وجميع الرسالات. فما هناك كتاب يشارك القرآن في التحاكم إليه، لا التوراة ولا الزبور ولا الإنجيل، وإنما الحكم للقرآن فقط، فله الهيمنة. الصورة الثانية من صور أحوال الناس في إعراضهم عن التحاكم إلى القرآن من رأى أن القرآن هو نعم يتحاكم إليه، قال: لكن هذا كان في مرحلة زمنية وفي حقبة قد مضت وخلت، أما نحن في هذا القرن، في القرن العشرين، لا تتناسب أحوال الناس بإرجاعها إلى القرآن. فالقرآن كان يتناسب مع أحوال الناس في تلكم العصور القديمة. فهذا إن كان محترمًا يتلفظ بهذا، وإلا إن كان بذيئًا سيئًا لقال لك: القرآن يصلح للقرون المظلمة، أما نحن في هذه العصور التنويرية، فنحن بحاجة إلى مراجع متطورة تلائم التطور الذي يعيشه المجتمع البشري. طبعًا وهذه أيضًا دعوة كفرية، لأن القرآن الذي أمرنا بالتحاكم إليه هو صالح لكل زمان ولكل مكان، ما هناك فترة يصل به القرآن أن يكون منتهى الصلاحية. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. فالخطاب للحاضرين، من كان في عصره، من كان في زمنه، أن هذا القرآن هو نذير لكم فقط، قال: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، أي ومن بلغ إلى يوم القيامة. فالقرآن هذا زمنه إلى يوم القيامة، تستمر به الحجة. ثالثًا من صور إعراض الناس هجران الناس للقرآن من يرى أنه بالإمكان أن يستبدل بالقرآن بغيره في قضية التحاكم والتحكيم إليه، كمن يأتي مثلا بالأحكام العرفية، من أسلاف وأعراف، كما يقع عند القبائل والعشائر، وفي بعض المجتمعات أن تكون هي المسيطرة وهي التي يتحاكم إليها الخلق دون الرجوع إلى القرآن. أو ما يكون من وضع القوانين الوضعية، من قوانين ودساتير فرنسية غربية، توضع في المحاكم وفي أماكن القضاء، يتحاكم الناس إليها دون الرجوع إلى القرآن. أو بوضع أنظمة عامة تسير عليها الدول، كالنظام الديمقراطي أو النظام العلماني أو النظام الليبرالي أو النظام الشيوعي، هذه الأنظمة وهذه القوانين والدساتير، هذا تعتبر إعراضًا عن كتاب الله جل وعلا. فما هناك شيء يزاحم القرآن في قضية التحاكم. قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. فقضية التحكيم لله، إن الحكم إلا لله، سواء أكان الحكم الكوني، فالحكم الكوني لله، فالله جل وعلا يتصرف في خلقه كيف شاء، قضاءً وقدرًا. أو قل الحكم الشرعي، بوضع المناهج والشرائع والعقائد، فهذه بيد الله سبحانه وتعالى، هو الذي يعطي لعباده من الشرائع عن طريق الرسائل والرسل ما يصرح به أحوال العباد في هذه الدنيا وفي الآخرة. وحكم الجزاء لله جل وعلا، فالله هو الذي يحكم بين العباد بما يستحقونه من أعمال، بحسنات، بسيئات، بثواب، بعقاب، بجنة، بنار. فالحكم حكمه، فجميع الأحكام، الحكم الكوني والشرعي والجزائي لله. إن الحكم إلا لله، فالأحد ينازع الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الأمور، وكما قلنا وصاحب هذا النوع من أنواع الهجران صاحب هوى، لربما كان الهوى موصلًا له إلى الكفر أو إلى الفسق أو إلى الظلم. كذلك من أنواع هجر القرآن، إخواني في الله، الذي نرى من بعض الناس في قضية إعراضهم عن التحكيم والتحاكم للقرآن من جعل التحاكم يعود في الدرجة الأولى إلى عقله وإلى هواه ومشتهاه، أو إلى مذهبه أو إلى جماعته أو إلى حزبه أو إلى ما شاء من الأطر التي جعلها لنفسه ولأتباعه دون العروج على القرآن. وقد أمر ربنا جل وعلا بأن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وهو القرآن هذا الذي أنزل علينا، فنتبعه، فلا يحق لأي أحد كائنًا من كان، فردًا أو جماعة، تيارًا أو تنظيمًا، أو حزبًا أو مذهبًا، بأن يشكل لنفسه مرجعًا غير القرآن. فمصدر التشريع القرآن، ولهذا ابتلينا، إخواني في الله، من أحوال أناس من أهل البدع والضلال، من الفلاسفة والمتكلمة، وممن ينتمي لهذه الأمة من المبتدعة، ممن لربما أعرض عن القرآن واستبدله بغيره، لما تمليه عليه الشبهات والأهواء، وهم يتفاوتون في هذا الباب تفاوتا عظيما. منهم من يصرح، ومنهم من يلمح، فعلى وجه التصريح ما قام به بعض الغلاة من المبتدعة، والتلمساني عفيف التلمساني من الغلاة، قيل له: إن كتاب الفصوص ومن كتبهم فيه ما يخالف القرآن، فقال: "وهذا مسطر"، قال: "القرآن كله شرك والتوحيد في قولنا". هذا التلمساني عندما قيل له: إن كتاب الفصوص فيه ما يخالف القرآن، قال: "القرآن كله شرك والتوحيد في قولنا". هذا من أعظم صور الإعراض والإهانة لكتاب الله جل وعلا. وهذا الفقيه المتعصب عندما نوقش بمذهبه وأنه يخالف النصوص الشرعية، قال: "كل آية أو حديث يخالف مذهبنا، فالآية والحديث إما منسوخة أو مؤولة"، استبعدها مباشرة، ما هناك شيء يبقى أمام مذهبنا. كل آية أو حديث يخالف مذهبنا، فالآية والحديث إما منسوخة أو مؤولة، تبعد، وهم يسيرون على ما ساروا عليه. هذا إعراض، إخواني في الله، وهجران لكتاب الله، أن يكون مصدرًا للتشريع في جميع شؤون الحياة. وهكذا، إخواني في الله، كم نذكر ونحكي عن أحوال أفراد ومجتمعات وجماعات قاموا بهجر القرآن عن طريق عدم التحكيم والتحاكم إليه، وهذا هو الضلال المبين. وأخيرًا، إخواني في الله، أختم بهذا المقام مع القول بضرورة التحاكم إلى القرآن، وأن هذا مما دلت عليه الأدلة الشرعية كما مرت معنا سابقًا وسالفًا. ليس معنى ذلك، إخواني في الله، أنك تعتمد فقط على القرآن وحده لا، وإنما يقرن مع القرآن السنة النبوية. السنة النبوية، ولا يكن حالك كحال الفرقة الضالة ما يسمون في هذه الأزمان بالقرآنيين، فرقة نبتت في العصور المتأخرة، ولا زال لها خلف في هذه الأزمان في بعض الدول، ولهم كتاب يرون أن العمدة كما مرت معنا على أن القرآن هو كذا وهو كذا، وهو التحاكم وهو التحكيم إليه فقط دون العروج إلى السنة، وأن السنة لا يعتمد عليها ولا يوثق بها. وهذا كذلك ضلال، بل صرح جماعة من العلماء أن دعوة القرآنيين هي دعوة كفرية، لأن من أخذ بالقرآن دون السنة ظل سواء السبيل. ورضي الله تعالى عن ابن مسعود عندما جاءته امرأة تعاتبه عندما سمعته أنه ينهى عن الوصل، وأن الواصلة منهي عن فعلها، فقالت هذه المرأة: "يا ابن مسعود، أهذا الأمر، أهذا النهي وجدته في كتاب الله أو سمعته من رسول الله؟" فقال: "وجدته في كتاب الله وسمعته عن رسول الله". فقالت المرأة: "لقد قرأت المصحف ما بين الدفتين، فلم أجد ما تذكره، أن النهي عن الوصال الواصلة موجود في القرآن، ما وجدته". قال: "أما قرأت قول الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟". فهذه إشارة بديعة من هذا الفقيه الصحابي رضي الله تعالى عنه على أن نأخذ ما في القرآن، نعم، وأن القرآن هو الذي دل على السنة. قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. فدل ذلك على أن من التحاكم إلى القرآن في قضية التحاكم إليه أن تحاكم أيضًا إلى سنته عليه الصلاة والسلام. فهذا، إخواني في الله، ملخص ما يذكر في هذا الباب من مسألة هجر القرآن، وهي هجر التحاكم والتحكيم إليه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. والله تعالى أعلم.