الدرس في آداب القرآن 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية تدبر القرآن وضرورة التأمل في معانيه، ويحذر من هجره. يشير إلى أن التدبر من أعظم مطالب التلاوة.
يشير إلى أهمية فهم معاني القرآن للتدبر الفعال، ويشجع على تطبيق السنة النبوية في الدعاء عند قراءة الآيات المتعلقة بالرحمة والعذاب. كما يذكر أن السلف الصالح كانوا يكررون الآيات التي تلامس قلوبهم.
يناقش التباكي وأقسامه، محمود إذا كان لمقصد شرعي ومذموم إذا كان للرياء. ويشير إلى ضرورة أن يكون البكاء أثناء قراءة القرآن خفيفا دون صراخ.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على علم الله تعالى المطلع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله فيما نحن بصدده فيما يتعلق بآداب القرآن، وكان مما توقفنا عنده عن صور هجر القرآن، وانتهينا من المباحث المتعلقة بهجر القرآن تلاوة، ومما يذكر أيضا من أنواع هجر القرآن هجر القرآن تدبرا. هجر القرآن تدبرا، والتدبر لكتاب الله جل في علاه يعتبر من أعظم مطالب التلاوة، بل هو في الحقيقة الثمرة، فالثمرة من قراءة وتلاوة كتاب الله جل وعلا هو أن يصل المرء القارئ إلى التمعن والتأمل والتدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال ربنا جل في علاه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ وقال سبحانه وتعالى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ بل كان التفقه في كتاب الله أعظم من أسئلة التلاوة. وتذكروا المعنى أن الشرع لم يرخص لنا في أن تنتهي من قراءة القرآن في أقل من ثلاث، لماذا؟ لأن النبي قال: «لا يفقه من قرأ في ثلاث»، لا يفقه. فإذا كانت مسألة التعجل في قراءة القرآن مفقدة لمسألة التأمل والتفقه، فلا تقرأ في هذه المدة اليسيرة والتي بها ستحرم، يا عبد الله، من أعظم ثمرة من ثمرات الكتاب، ألا وهو التدبر لمعانيه. وصرح العلماء من أن من أنواع الهجر للقرآن مسألة ترك التدبر، صرح بهذا الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث قال: «وترك تدبره وتفقهه من هجرانه». ولما استوفى الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكر أنواع هجر القرآن، قال: «وهجر تدبره وتفقهه ومعرفة ما أراد المتكلم منه». وهكذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وجماعات من السلف بيّنوا وذكروا أن من صور هجر القرآن أن تهجر، يا عبد الله، مسألة التدبر والتأمل. وعلينا، إخواني في الله، أن نعلم أن هذا القرآن الذي أنت تقوم بقراءته، وليس أي كتاب، بل هو كتاب رب الأرباب، هو كلام الله، جعله الله جل وعلا بين يديك. لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وهو جبل أصم، فما ظنك، يا عبد الله، بمضغة وهو القلب، ألا يؤثر هذا فيه؟ بلى والله. ولهذا ينبغي للمسلم أن يستحضر مسألة التأمل لكتاب الله سبحانه وتعالى. وإن من توفيق الله أن جعل الله كلامه جل شأنه وجل جلاله جعله لنا ميسرا سهلا لينا، وهذا من توفيق الله. أن كلام الرب سبحانه وتعالى يتلوه الصغير والكبير والذكر والأنثى، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ فهذا من توفيق الله وإنعامه على خلقه وعلى أهل الإسلام. وهنا مسائل، إخواني في الله، ونحن في صدد كلامنا على مسألة ضرورة التأمل والتدبر لكتاب الله جل وعلا. من ذلكم أن المسلم إذا أقبل على كتاب الله يحرص على أنه لا ينشغل بشيء، لا ينشغل بشيء إنشغالا حسيا أو إنشغالا معنويا، من جعل أفكار وأوهام تحوم في رأسه، أو بالتفطن لبعض المشغلات التي تشغل قلبه. لا، يا عبد الله، فإن من صور ولوازم التفكر والتأمل لكتاب الله أن تتفرغ قلبا وقالبا. ولهذا قال إمام السيوطي رحمه الله تعالى: «صفة التدبر أن يشغل القارئ قلبه بالتفكر في معنى ما يتلفظ به». قال: «أن يشغل القارئ قلبه بالتفكر»، فلا يشغل قلبك شيء آخر. تجد بعض الناس، صحيح، لهم، لربما يمسك القرآن من حيث أنه قارئ يقرأ، لكن إن رأيت ونظرت إلى صدره وقلبه لرأيت أنه يحوم في مكان آخر. ولهذا كان من حال بعض السلف أنه إذا قرأ القرآن فمر على آية ولم يستحضرها قام وكررها، قام وأعادها حتى يستحضر ما فيها من معنى. وهذا لطلبهم لمسألة التفكر لكلام الله جل وعلا. وهكذا بالعكس، إذا مررت، يا عبد الله، بآية قرآنية فوجدت فيها من اللذة ومن التفكر ومن عظيم التأثر، فلا بأس، يا عبد الله، يا أيها القارئ، أن تعيد وأن تعيد وأن تعيد، إذا وجدت في آية أو في سورة معينة أنك وجدت فيها التأثير، وجدت فيها ماذا؟ أنها أخذت بتلابيب قلبك، وانجذبت إليها الجوارح والأعضاء، وتجد أنها قد هزت أشجانك وقلبك وروحك، فتمسك، يا عبد الله، بهذه الآية، ولو تطلب الأمر أن تعيد وأن تعيد وأن تعيد. وهذا الذي عليه فعل نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد كان ربما يكرر آيات، آية واحدة، عدة مرات. بل ثبت أنه ذات ليلة قام الليل كله على آية واحدة يكررها عليه الصلاة والسلام، ويقول جل في علاه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلا زال يكرر هذه الآية حتى انبثق الفجر. وهكذا سار السلف الصالح، نقل عن تميم الداري رحمه الله تعالى أنه قام ليلة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ فلا يزال يكررها رضي الله تعالى عنه. وهكذا سعيد بن جبير قام ذات ليلة بآية يكررها حتى الفجر، وهي قوله جل في علاه: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. فالشاهد، إخواني في الله، أن المرء إذا أراد أن يطرق باب التدبر، فعليه أن يشغل قلبه بكلام الله، ولا ينشغل بشيء آخر. ومتى ما وجد اللذة في آية أو سورة، فلا بأس أن يكررها وأن يعيدها، كما أثر ذلك أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إني لأقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأتأملها، أحب إلي من أن أقرأ القرآن سورة واحدة فيها من التأمل والإقبال والإخبات والخشوع والخضوع». هذه أقرأ بها ليلة كاملة، أعيدها أعيدها أعيدها، وهذا أحب إلي من أن أقرأ قرآنا كاملا، أي ولا أجد هذا الذي وجدته في هذه السورة من المباحث. إخواني في الله، المتعلقة بمسألة التأمل والتفكر بكتاب الله جل وعلا، أنه لا بد من مسألة مهمة، ألا وهي مسألة فهم معاني القرآن. فهم معاني القرآن، كيف يمكنك، يا عبد الله، أن تتأمل وأن تتدبر لكلمات وأنت لا تفقه معناها؟ كيف يتأتى هذا؟ هذا ما يتأتى، كحال كثير من الناس، لربما تمر عليهم الآيات تلو الآيات، لكنهم ما يدري على ماذا تتكلم، وما المراد منها، وعن ماذا تنطق، فكيف سيتأثر بها؟ كما مر معنا مثلا في فعل سعيد بن جبير أنه كان يكرر هذه الآية: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ ما معنى امتازوا؟ امتازوا بمعنى تميزوا، وهذا الخطاب في يوم القيامة، في أرض المحشر، إذا جمعت الخلائق، جميع المسلم والكافر والصالح والطالح، حينها يتميز الخلق، فيؤمر من الكافر ومن الفاسق ومن الفاجر ومن المجرم أن يتميز ويبتعد وينأى عن أهل الصلاح وأهل الفلاح وأهل الصلاح وأهل القيام وأهل الصيام، وعن أهل الإسلام يتميز حينها أهل المحشر، فحينها ماذا يفعل الذي يفعل بهم؟ فكانت هذه الآية إذا استحضرت هذا المعنى، تعلم ما بها من معاني غزيرة، وما فيها من التذكير بالموقف الرهيب عند الله جل وعلا، فحق لسعيد بن جبير لما فهم المعنى أن يقوم بها ليلة كاملة: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. هذا متى؟ كما قلنا، هذا بعد اهتمامك، يا عبد الله، بمعرفة معاني القرآن. فكما أنك تهتم بإقامة المباني، اهتم، يا عبد الله، بمعرفة المعاني. وليس من شرط معاني القرآن أن تقرأ التفسير كاملا، بمعنى أن تأخذ المجلدات، لا يعبد، حسبك أن يكون عندك ما يسمى بمفردات القرآن، كلمة تشكل عليك تقرأ ما معناها، آية مرت عليك فيها كلمة غريبة، اقرأ ما معناها. ثم حين يتجلى لك المعنى والفهم لهذه الآية، كذلك إخواني في الله، ونحن في مبحث التأمل والتدبر في كتاب الله، لا تنسى، يا عبد الله، أن تأتي بتلك السنة الثابتة عن رسول الله، وقد مرت معنا، أنك إن مررت بآية رحمة أنك تسأل الله إياها، تسأل الله لك بها، وإذا مررت بآية عذاب أو نار فإنك تستعيذ بالله منها. وهكذا حالك، وهكذا شأنك، تخيل وأنت تقرأ القرآن، كم من الآيات المتعلقة بالجنة وما أعدها الله لأهلها، وما جعله الله لأصحابها؟ فكلما مررت بمثل هذه الآيات، سألت الله: «اللهم إني أسألك من فضلك، اللهم اجعلني منهم، اللهم إني أسألك الجنة»، تسأل. ثم تمر، ستمر بآيات ما يجعله الله لأهل الكفر من العذاب ومن العقاب، حين تستعيذ بالله من النار. فكونك تتابع القرآن بمثل هذه المتابعة، فإن هذا سيزرع عندك ماذا؟ الاتصال بالقرآن، كلما مررت بآية رحمة، اللهم أسألك من رحمتك، اللهم أسألك من رحمتك. فإذا مرت بآيات النعيم وما أعده الله من الحور والدور والقصور لأهل الجنان، «اللهم اجعلني منهم، اللهم اجعلني منهم»، تسأل. وكما قلنا، قد مر معنا من فضائل ذلك أنك ستجمع بين عبادتين اثنتين، ألا وهي عبادة تلاوة القرآن، وعبادة الدعاء، فأنت تتلو القرآن وتدعو الله، تتلو القرآن وتدعو الله. وهذا فضل الله، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. كذلك، يا عبد الله، مما يذكر مسألة التأمل والتدبر لكتاب الله، مسألة البكاء، مسألة البكاء من خشية الله، مما يمر عليك من آيات القرآن. فهذه المسألة تعتبر من أثر التأمل والتدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى. بل إن الله جل وعلا جعل أن من صفات الصالحين والأخيار والمتقين أنهم إذا أقبلوا على كتاب الله أثرت فيهم تأثيرا لدرجة أن هذا يوجد في بكائهم، وفي الدموع التي تنهمر منهم. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ هذا من تأثير القرآن على أهله، أنهم ماذا؟ أنهم يخرون للأذقان يبكون. وقد ثبت على رسول الله في أحاديث كثيرة جدا أنه كان يتأثر من قراءة القرآن، وقد مر ذلك معنا في أثر ابن مسعود عندما طلب منه نبينا أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ، فإذا برسول الله، فإذا بعينيه تذرفان الدمع من شدة تأثره، صلوات ربي وسلامه عليه. فالإنسان، إخواني في الله، إذا استطاع أن يطلق لنفسه العنان أن يبكي، فليبك، فإنه من بكى من خشية الله، فإنه ماذا؟ يجعله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وكذلك الفضائل الكثيرة في حق من بكى من خشية الله. ومن بكاء خشية الله ما يكون من تأثرك بكتاب الله سبحانه وتعالى. وهنا مسألة، إخواني في الله، ألا وهي أختم بها المقام، مسألة التباكي. التباكي: وهو الذي يخرج من نفسه تأثرا لما تسمع أو لما تقرأ. التباكي هو أن تتكلف إخراج البكاء. وقد جاء في هذا المقام حديث عن رسول، فيه: «إن لم تبكوا فتباكوا، إن لم تبكوا فتباكوا». أي: إذا ما استطعتم على البكاء الذي يخرج من نفسه، ومن طبيعته، فلا أقل أنكم تستجلبوا البكاء، تستجلبوه وتصنعوا البكاء. إلا أن هذا الحديث، إخواني في الله، لا يصح. فقد تكلم العلماء الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الضعيفة على هذا الحديث، وذكر ما يدل على بطلانه، وعلى عدم صحته، وأنه لا يصح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن هنا قال العلماء: فالتباكي ينقسم إلى قسمين: تباكي محمود، وتباكي مذموم. وكما قلنا، التباكي: أنك تتعمد البكاء، تستدعي البكاء، تستجلب البكاء. قال العلماء: هذا التباكي، هذا التصنع، على قسمين: منه ما هو محمود، يشكر عليه صاحبه، ومنه ما هو مذموم، يذم عليه صاحبه. أما القسم المحمود من التباكي، ما كان هذا التباكي الذي أنت تستجلبه لك يؤدي إلى الخشوع، وإلى الخضوع، وإلى التأمل والتفكر، هذا ليس فيه شيء، هذا ليس فيه شيء، بل هذا يحمد عليه صاحبه. كأنك، يا عبد الله، تقرأ القرآن، فوجدت من نفسك عدم استشعار، فتعاتب نفسك: كيف هذه آيات عظيمة؟ فتحاول تجاهد نفسك أنك تبكي، تبكي، لأن تتباكى هذا ليس فيه شيء، لأنك تفعل شيئا مما يعينك على مقصد شرعي. ومما يدل على صحة هذا الصنيع ما جاء من فعل عمر رضي الله تعالى عنه، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أبي بكر الصديق، فوجدهما يبكيان، فقال عمر: «يا رسول الله، ما يبكيك؟ إن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما». هذا الشاهد: «إن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد فإني سأتباكى لبكائكما». فالنبي أقره على هذه المقولة، على أنك ستتباكى لا لشيء، فقط لأننا قد بكينا، أقره النبي على هذا. فدل ذلك على أن التباكي إذا كان لمقصد شرعي، فليس في ذلك شيء. ولهذا أثر عن بعض السلف أنه قال: «أبكوا من خشية الله، فإن لم تبكوا فتباكوا». أما التباكي المذموم، يا عبد الله، هو التباكي الذي هو عبارة عن تصنع البكاء، واستجلاب البكاء لنيل حمد الناس، ولأجل ثناء الخلق. كمن يأتي إلى مسجد، فأراد أن يسترعي انتباه الجميع إليه، وأراد أن يخبر الناس أنه هو الخاشع، وأنه القانت، وأنه المتأمل، فأخذ يتصنع البكاء، لماذا؟ هذا التصنع في الحقيقة في قرارة نفسه أراد الثناء، أراد الرياء، أراد السمعة، هذا التباكي مذموم، لأنه من الرياء والسمعة، وفعله مذموم ومردود عليه. فبهذا التقسيم، يا عبد الله، تعلم أن التباكي ليس على وتيرة واحدة، وإنما على قسمين. فالحاصل، إخواني في الله، أن المرء يحاول أن يستشعر عظم كتاب الله جل وعلا، وأن البكاء يكون كما قلنا: إما بكاء لما من تأثرك، أو بالتباكي. والبكاء، إخواني في الله، لا يصل إلى حد الصراخ، ولا إلى حد الصياح، ولا إلى حد العويل. ألا ربما نسمع من بعض الناس أنه يطلق لنفسه العنان بفك صوته على أعلى المدى، لا، لا، لا يجوز هذا، خلاف السنة. فابن مسعود لما كان يقرأ على نبينا القرآن، وهو بجنبه، صلوات ربي والسلام عليه، بجنبه، فما شعر ابن مسعود إلا أن النبي قال: «حسبك، حسبك»، قال: «نقف»، قال: «فرفعت»، هو بجنبه، قال: «فرأيت رسول الله عينه تذرفان الدمع»، أي: بلا صوت، لم يكن هناك صوت، وإنما دموع تنهمر منه عليه الصلاة والسلام. وثبت أنه كان يصلي بالناس، وكان له بكاء، وبكاؤه كأزيز المرجل، أي: أن بكاؤه كان مخفيا في صدره، لكن تسمع له رجة، ما خرج من صوت، ولا من نَشَمة، وإنما من صدره، لكن من شدة النحيب كان يسمع هذا من صدره عليه الصلاة والسلام، أن يتكاتم الصوت، فهذا الذي ينبغي أن يفهم في قضية البكاء، إلا من غلب عليه، فهذا أمره آخر. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق بالنوع الثاني من أنواع هجر القرآن، هجر التدبر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.