الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرَّف المقلوب في الحديث النبوي وأقسامه، حيث يكون إما في الإسناد أو المتن وقد يكون متعمدًا أو سهوًا. يشرح المؤلف أنواع المقلوب مع الأمثلة.
يُذكر أمثلة على قلب الحديث النبوي وتفسيرها، حيث يشرح كيف يمكن أن يحدث القلب في الإسناد أو المتن. كما يُبين آراء العلماء حول جواز قلب الحديث.
يُناقش ضوابط رواية الحديث الضعيف، حيث يُشترط بيان ضعف الحديث عند روايته. كما يُفرق بين القلب المتعمد وغير المتعمد في الرواية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الإمام النغي رحمه الله تعالى: النوع الثاني والعشرون: المقلوب. قال: المقلوب هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع؛ ليرغب فيه، وقلب أهل بغداد عن البخاري مئة حديث امتحانًا. طيب، الآن المقلوب هو نوع من أنواع العلل التي تأتي في الأحاديث، وهي من العلل التي لا تعرف إلا بجمع الطرق؛ يعرف أن الشخص قلب الحديث بجمع الطرق. فيعرف أن هذا الحديث انقلب على بعض الرواة إما تعمدًا مثل ما يفعله بعض الوضاعين، وإما سهوًا أو وهما، فيغير الإسناد لأجل شيء في نفسه. وهذا غالبًا ما يفعله من يقال له سارق في الحديث؛ لأنه يسرق الحديث. وهذه العبارة يطلقها غالبًا ابن عدي في الكامل ترجمة نانسي قنقر التي اشتهرت، أو التي ذكرها الإمام أبو حاتم رحمه الله. قال: سافرت وأنا ابن ست عشرة سنة مع خالي، قال: فدخلنا على قاضي سنجستان، واسمه ظاهر داود بن عقيل أو كذا، فذكر بعد ذلك حديثًا من مسند بكر بن عبد الله في الدجال، والحديث معروف بابن أبي عروبة، سعيد أبي عروبة، ورواه عبد الله بن شوذة أيضًا، فجعله عن شعبة، أجعل من حديث شعبة. فلما رآه الإمام أبو حاتم قال: والله ليس هذا من حديث شعبة. فقال له خاله: لا تتكلم، هذا الرجل قاضي البلاد، ما أستطيع أن أقول له مثل هذا. لكن اجعلنا نخرج، أنا ما أستطيع أقول له: أنت تكذب أو أنت تههم أن هذا من حديث شعبة، وليس من حديث سعيد، وليس من حديث شعبة. فهو انقلب عليه؛ انقلب عليه أنه من حديث شعبة وليس كذلك. فالمقلوب هو إما أن يكون قلبًا في الإسناد أو قلبًا في المتن. فالإسناد إما أن يكون بإبدال راوي يجعلونه من القلب، ومنهم من جعله من المدرج، أو بقلب اسم أحد رواة الحديث يقلب اسمه، مثلا كما كعب بن مرة فيقال مرة بن كعب، أو يقلب الراوي فيجعل شيخًا والشيخ يجعل راويًا، مثلا سفيان عن منصور فيقال منصور عن سفيان، يقلب الراوي فيجعل شيخًا والشيخ يجعل راويًا أو تلميذًا. وأدخل أيضًا بعضهم في المقلوب إدخال إسناد على متن آخر، ومنهم من جعله من المدرج كما سيأتي. فالآن القلب إما أن يكون في الإسناد وإما أن يكون في المتن. فالقلب في الإسناد مثل ما ذكرنا، وأما المتن فإما أن يقلب المتن كله أو يقلب معناه. مثل له ابن الصلاح بحديث «من سلمة: ليس في المال حق سوى الزكاة»، فجاءت رواية: «إن في المال حق سوى الزكاة». هذا ليس في المال حق بالنفي سوى الزكاة، وجاء بالإثبات «إن في المال حق سوى الزكاة». هذا قلب للمتن كله. أيضًا حديث أبي هريرة «فزينوا القرآن بأصواتهم»، فهذا مثل الحديث، فقلبه بعضهم وقال: «قال زينوا أصواتكم بالقرآن». قلبه بعضهم وقال: «زينوا أصواتكم بالقرآن». والظاهر أنه لما سمع «زينوا القرآن بأصواتكم» كأنه ما هضم المعنى كيف القرآن زين بالأصوات، مع أنه في آخر الحديث بيّن: «فإن حسن الصوت يزيد القرآن حسنا»، فقام قلبه فقال: «زينوا أصواتكم بالقرآن». ولا شك أن هذا المعنى الصحيح، لكن ليس هو معنى الحديث، وإنما قلب المعنى. وأحيانًا يكون القلب في بعض الحديث كما سيأتي. فمن ما ذكر في المقلوب ما جاء في الصحيحين، وهي رواية في مسلم، من طريق يحيى بن سعيد القطان عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفظ بن عاصم عن أبي هريرة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، فذكر في هذه الرواية: «ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله». وإنما الحديث: «حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه». فهذا ممن قلب في هذا الحديث. وبعضهم يذكر أيضًا الحديث «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم». هذا الحديث في الصحيحين، فرواه بعضهم: «إذا أذن ابن مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلالا فلا تأكلوا ولا تشربوا». وهذا الحديث جعله بعضهم أنه قلب على بعض الرواة. لكن الانقلاب غالبًا إذا كان المخرج واحد والحديث واحد فيقال: إنه قلب. ولا شك أنه لا يكون حديثين بإسناد واحد ومتن واحد أو متن مختلف. فالغالب أنه قلب على بعض الرواة. لكن إذا كان الإسناد أو الحديث بإسناد آخر فممكن أن يقال: إنه قلب، ومن هو أن يقال: إنه لم ينقلب. مثل هذا الحديث، هذا الحديث معروف من حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، لكن جاء عند ابن خزيمة وابن حبان من طريق امرأة يقال لها أنيسة من الصحابيات عمت خبيب بن عبد الرحمن. فهذا إسناد آخر غير الإسناد الذي رواه به البخاري ومسلم. فلهذا ابن حبان وابن خزيمة لم يجعل ذلك مما قلب في المتن. وجمعوا بين بعضها، العلماء أقصد كالحافظ ابن حجر جمع بين الروايتين على أن هذا يحصل أحيانًا وهذا يحصل أحيانًا. وبعضهم جعله مقلوبًا. وأيضًا ذكر السيوطي مثالا ما رواه الطبراني من حديث أبي هريرة: «إذا أمرتكم بشيء فأتوه وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم». هذا قلب الحديث الذي جاء في الصحيحين، أو أقصد في صحيح البخاري، الحديث في الصحيحين: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم». فانقلب على بعض الرواة. قال: وقلب أهل بغداد على البخاري مئة حديث امتحانًا، فردها على وجوهها فأذعنوا بفضله. وهذا منه من يجعله من القلب، ومنه من يجعله من الإدراج. وهذه الرواية وهذه الحكاية ذكر ابن عدي في الكامل عن عدة مشايخ ولم يسم أحدًا منهم بهذا. بعضهم يقول: إن هذا فيه جهالة. لكن الظاهر أن ابن عدي تلقى هذه القصة عن جماعة من أهل بغداد؛ فلهذا لم يسم أحدًا منهم، واكتفى بقوله: عن عدة مشايخ. يحقون أن محمد اسماعيل البخاري قدم بغداد، فدل على أنه أراد أنهم جمع، أنهم جمع وليس واحدًا ولا اثنين. فهذا كما قلنا بعضهم يجعله من قبيل الإدراج، وبعضهم يجعله من قبيل القلب. والعمر سهل، كلاهما يعتبر علة. وهذه مسألة القلب هذه أو هذه إدخال الأسانيد في متون أخرى لأجل الامتحان، أما لأجل غير مثلا إذا كان لأجل الرواية فهذا يعتبر سرقة، سرقة حديث يعتبر كذبًا. وأما إذا كان الاختبار فقد جوزه بعض العلماء وفعله بعض العلماء. وقد أنكر حرمي بن عمارة على شعبة لما قلب على أبان أحاديث، فقال حرمي: أو يحل هذا؟ أنه هل هذا حلال أنك تقلب الأحاديث؟ وفعله أيضًا بعض أصحاب الكوفة كحفص بن غياث وغيره. وقال عبد الله بن إدريس: أما أنا فلا أستحله. قال عبد الله بن إدريس: أما أنا فلا أستحله، أنا لا أستحل مثل هذا. ويحيى بن سعيد قال: فجلست عند عبد الله بن إدريس، أنا كأنه أيضًا في نفسه شيء. وفعله يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين. وفعله كما قلنا أيضًا أهل بغداد مع البخاري، وكذلك فعلوه مع العقيلي، أهل بغداد كذلك. وانتشر هذا عند أهل الحديث، انتشر هذا عند أهل الحديث حتى صار شيء مما يؤخذ منه ثقة الراوي عن الطريقة من الطرق التي يؤخذ منها ضبط الراوي. فلهذا قال العلماء كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: من فعل ذلك فلا بد أن يبين، من فعل ذلك لا بد أن يبين. فإن لم يبين فهو حرام؛ أنه إذا كان يفعل هذا بدون أن يبين فهذا لا يجوز؛ لأن فيه قلبًا لهذه الأحاديث ويعتبر من الكذب. وأيضًا فيه إيهام الناس خلاف ما هو راوي. فلهذا فهذا يعتبر كما قلنا يعتبر من القلب الذي يتعمده القلب. لكن كما قلنا إذا كان فعله ليجري الاختبار لا بد بعد ذلك أن يبين. وكذلك أيضًا ذكر ابن الصلاح رحمه الله أن القلب أيضًا يكون غلطًا لا قصدًا، أحيانًا يكون غلطًا لم يقصده الراوي. وذكر تحته قصة جرير بن حازم لما روى عن ثابت عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا قيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني». فهذا الحديث خطأ. لما ذكر ذلك لحماد بن زيد ذكر ذلك لحماد، قال حماد: أخطأ جرير، وإنما كنا عند جرير بن حازم عند ثابت. يقول حماد بن زيد: كنت أنا وجرير عند ثابت، فحدث حجاج بن حجاج، حدث حجاج بن حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا الحديث معروف أنه من حديث أبي قتادة وليس من حديث أنس. فوهم جرير فجعله عن ثابت عن أنس، وإنما حدث حجاج بن حجاج في بيت ثابت، في بيت ثابت، فظنه جرير أنه عن ثابت. وهذا يحصل من معنى يحصل قلب، لكنه قلب بخطأ. طيب، قال: فرعًا، إذا رأيت حديثًا بإسناد ضعيف فلك أن تقول: هو ضعيف بهذا الإسناد، ولا تقول: ضعيف المتن لمجرد ضعف ذلك الإسناد. أنا لا تقول: هذا الحديث ضعيف لأقول: الإسناد ضعيف؛ لأن إذا رأيت إسنادًا فيه ضعف، لأن الإسناد ضعيف ممكن أنه يأتي ما يشهد له، يأتي ما يشهد له. قال: إلا أن يقول لإمام إنه لم يرو من وجه صحيح، أو إنه حديث ضعيف، أو إنه حديث ضعيف مفسر ضعف. فإن أطلق ففيه كلام يأتي قريبًا. أن إذا كان تفرد به هذا الراوي فهذا لا شك، إذا كان الإمام علم أن الراوي هذا تفرد به، لا شك أنه له أن يحكم عليه فيقول: هذا حديث ضعيف. لكن إذا رأى إسناده ولم يدرس هذا الحديث فيقول: إسناده ضعيف، مثل ما يفعل الشيخ الألباني رحمه الله عليه أحيانًا في بعض الكتب، تجد مثلا يقول: إسناده ضعيف، ولم تتم دراسته. وأحيانًا يقول مثلا يسكت، يقول: لم تتم دراسته. طيب، قال: وإذا أردت رواية الضعيف بغير إسناد فلا تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وما أشبه من صيغ الجزم. طيب، هذه المسألة مسألة رواية الحديث الضعيف، إن شاء الله نتركها في درس قادم.