الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش شروط قبول الجرح والتعديل في علم الحديث، ويبين أن الجرح يقبل سواء كان مفسرا أو غير مفسر إذا كان الجارح عارفا بأسباب الجرح والتعديل. يرد على القول بالتوقف في قبول حديث من جرح بدون بيان السبب.
يتناول مسألة التعارض بين الجرح والتعديل، حيث يقدم الجرح المفسر على التعديل المجمل، ويقدم الجرح على التعديل إذا كانا مفسرين أو مجملين معا. يذكر أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد مع مراعاة ضوابط معينة.
يناقش حكم قول الراوي 'حدثني الثقة' دون ذكر اسم الثقة، ويفيد بأن هذا القول لا يعد تعديلا للشخص المروي عنه. كما يتناول مسألة رواية العدل عن شخص معروف وتأثيرها على تعديله.
يشير إلى أن عدم العمل بالحديث النبوي لا يعني ضعف الإيمان أو عدم القدرة على التطبيق، بل قد يكون هناك أسباب أخرى تمنع من ذلك. يشير إلى ضرورة فهم السياق والتفاصيل الدقيقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال عموم النووي رحمه الله: المسألة الرابعة، يقبل التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور، ولا يقبل الجرح إلا مبين السبب. هذه المسألة مسألة الجرح والتعديل، وتقديم التعديل أو الجرح. الأصل أن الجارح معه زيادة علم. الأصل أن الجرح معه زيادة علم. وأما التعديل فهو يقبل مطلقا عند جمهور العلماء؛ لأن أسبابه كثيرة. فهذا عند عدم التعارض. وأما قول المؤلف هنا: «ولا يقبل الجرح إلا مبين السبب»، فهذا ليس بصحيح. وأما استدلال البخاري مثلا، أو احتجاج البخاري ببعض من تكلم فيهم، كعكرمة، وعمر بن مرزوق، وغيره، هذا لا يدل على أنه يرى جواز الرواية عن من جرح، وأنه يرى أنه لابد من بيان السبب، ليس صحيحا. وقد استدل، ذكر الخطيب وغيره، أو ذكر العلماء الذين تكلموا في عكرمة، جرح مبين، جرح مبين، حتى بعضهم اتهمه بالكذب. لكن لشهرة عكرمة بالعلم والثقة، وأيضا تكلموا فيه لعلة أنه في آخر عمره كان عند الخوارج، عند خوارج صفرية، وهذا لا يضره؛ لأنه ثقة. فلهذا البخاري ليس لعلة أن الجرح غير مبين، وإنما لأنه لم يقتنع بالجرح، لم يقتنع بالجرح الذي جرح به عكرمة حتى يترك حديثه. وأيضا عمر بن رزوق مثله. وأما ما أيضا قوله: واحتج مسلم بسويد بن سعيد. ومسلم بيّن سبب احتجاجه بسويد بن سعيد، وأنه روى عنه صحيفة حفص بن ميسرة. وهذا الاستدلال، مثل هذه الأمور، ليس صحيحا. صحيح أن هناك من الجرح ما ليس بجرح، وحصل هذا أن بعضهم جرح بما ليس بجرح، لكن هذا قليل، وغالبا يكون في بعض المتشددين في الجرح، مثل ما ذكر الحكاية التي ذكرها الخطيب البغدادي عن شعبة. قيل لشعبة: لما تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على بردون. البردون هذا الخيل العجمية، الخيل العجمية تكون شيء مدلل هكذا، ليست مثل الخيل العربية، سمونها بردون. فهذا ليس بجرح للشخص، أنه مثلا يركض على بردون، أو مثلا مثل ما قال حكم العتيبة: قال شعبة: قلت للحكم: لما لم ترو عن زادان؟ قال: كان كثير الكلام. هذه ليست بجرح، لكن هذا نادر. لهذا أنا كتب الجرح مليئة بالجرح غير المبين. كتب الجرح مليئة بالجرح غير المبين. ولهذا حمل مثل هذا ابن الصلاح رحمه الله على أن يقول: أنه يتوقف فيها. ولم يؤيده أحد على هذا القول. بل أن كتب الجرح والتعديل فيها الجرح المجمل دون بيان السبب قد قبل العلماء هذا، ما دام أن الجارح عارف بأسباب الجرح والتعديل. أما أحيانا مثلا يحصل من بعض العلماء شيء من هذا الجرح الغير، أو الذي لا يدين الشخص به، هذا لا يؤثر على أنه عارف بالأسباب؛ لأن بعض العلماء يترك حديث الرجل ليس لأجل أن جرحه مثلا يترك لأجله لا، وإنما تورعا وحفاظا على الحديث. فهذا يحيى بن سعيد أحيانا يترك الرجل لأجل أنه روى حديثا منكرا، فهذا حديث واحد منكر رواه يترك حديثه. فهذا يدل على أن هناك بعض الأشياء يتشدد فيها، ليس لأن الرجل مثلا مجروح، وإنما من باب التورع في ترك حديث الرجل الذي فيه شيء. فلهذا في الأصل أن الجرح يقبل، سواء كان مفسرا أو غير مفسر. طيب قال: وأما كتب الجرح والتعديل التي لا يذكر فيها سبب الجرح، ففائدتها التوقف فيمن جرحوه. فإن بحثنا عن حاله، وانزاحت عنه الريبة، وحصلت الثقة به، قبلنا حديثه، كجماعة في الصحيحين بهذه المتابعة. وهذا كلام ابن الصلاح، وكأن المؤلف أيضا يقره على ذلك. وهذا ليس بصحيح. مسألة التوقف هذه ليس صحيح. وإنما يأخذ كلام الجرح، وكما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أنه أعمال قول الجرح خير من إهماله، إذا لم يكن هناك شيء في الرجل، فأعمال قول الجرح خير من إهماله. لكن متى نقول أن الجرح يحتاج إلى بيان؟ هذا إذا كان عند التعارض. فإذا وثق الرجل من عالم، ثم جاء جرح مجمل، وهنا نسأل عن الجرح المفسر: لماذا جرح؟ وبعض العلم حتى في هذه المسألة يرون أن الجرح أولى؛ لأن الجرح معه زيادة علم. ولكن كما قلنا: أعمال الجرح، قول المجرح فيها أولى من إهماله، أولى من إهماله. خلاص الأمر أن التعديل يقبل، سواء كان مجملا أو مفسرا. وكذلك الجرح يقبل، سواء كان مفسرا أو لم يكن مفسرا، ما دام أنه لم يعارض. قال: المسألة الخامسة، الصحيح أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد. وأما عند التعارض، إذا تعارض الجرح والتعديل، إما أن يحكم للجرح، إلا إذا كان التعديل مفسرا والجرح مجملا. وإن كان الجرح مفسرا والتعديل مجملا، فهذا لا شك أنه يقبل. لكن إذا كان التعديل مفسرا والجرح مفسرا أيضا، يقبل الجرح. وإذا كان التعديل مجملا والجرح مجملا أيضا، الأخذ بالجرح أولى؛ لأنه مع زيادة علم. لكن غالبا هناك تدخل بعض المسائل والاعتراضات؛ لأن هناك قواعد وتوابع وضوابط يذكرها أهل الحديث عند التعارض. وهذا الذي ألفه الشيخ عبد العزيز من آل عبد اللطيف، ألف ضوابط الجرح والتعديل في هذه المسألة، في مسألة التعارض، وذكر أكثر من ثلاثين ضابطا في عند التعارض. متى يؤخذ هذا التعديل أو يؤخذ الجرح؟ هناك ضوابط لابد أن ينضبط بها التعارض، وهي مثل القرائن التي يرجح بين أقوالها أهل العلم. قال: الخامس، صحيح أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد. وقيل: لابد من اثنين. وإذا اجتمع فيه جرح وتعديل، فالجرح مقدم. والذي صححه الخطيب البغدادي: أنه لابد من ولو يكتفي ولو بواحد، بل ولو كانت امرأة، ولو كانت امرأة؛ لأن التزكية لا تحتاج إلى عدد، ليس هي كالشهادة، كما ذكر الحاكم؛ لأن هنا تزكية فقط، وليست شهادة. التزكية تكون مثل الحكم، فالحكم لا يحتاج إلى اثنين يحكمان، فهي ليست مثل الشهادة. قال: وإذا اجتمع فيه جرح وتعديل، فالجرح مقدم. هذا الأصل أن الجرح مقدم؛ لأنه زيادة علم. وقال بعضهم: إن زاد المعدلون، قدم التعديل. وصحيح كما قلنا: أن الجرح يقدم، إلا إذا كان المعدل رد الجرح. إلا إذا كان المعدل رد الجرح، مثلا يقال له: مثلا فلان قد عدل أو جرح فلانا، يقول: نعم جرحه، لكن على خبر ليس صحيحا، وأنا أعرف هذا الرجل جيدا، فيرد هذا الجرح، يرد هذا الجرح، ويثبت التعديل. ولهذا رد العلماء جرح أحمد بن صالح في الجرح النسائي. أحمد بن صالح، كما قال العراقي، وكذا رد قول الجرح كالنسائي في أحمد بن صالح. من يرد رد قول النسائي في أحمد بن صالح؟ يا رد، رد، رد، رد أحمد، رد قول النسائي رحمه الله في أحمد بن صالح المصري؛ لأنه ثقة. وجرح النسائي بما لا يجرح. والنسائي نقل عن ابن معين أنه جرح أحمد بن صالح، لكن الظاهر أنه لم يرد أحمد بن صالح المصري، وإنما هناك رجل، قال له: أحمد بن صالح الشمومي. فالظاهر أن ابن معين عناه، أو قد يكون تكلم عليه لأجل شيء في الكبر، وليس من باب رد الحديث. وإلا أحمد بن صالح معروف إمام حافظ كبير من حفاظ أهل مصر. فلهذا إذا قال مثلا الإمام: أن هذا الجرح غير صحيح، وأنه ليس هذا الخبر الذي نقل صحيحا، وغيرها من الضوابط التي تحصل بها. قال رحمه الله: إذا قال: حدثني الثقة أو نحوه، لم يكتف به على الصحة. يعني إذا قال الراوي، ولو كان من العلماء المعروفين، قال: حدثني الثقة، فأقرب ما يقال: أنه ثقة قد يكون ثقة عنده، قد يكون ثقة عنده. فلهذا لا يقبل قوله: حدثني الثقة. ولهذا رد كلام الإمام الشافعي في قول: حدثني الثقة. لا بد أن يعرف، فيكون الرجل هذا مجهول. وقد يكون عنده ثقة، وعند غيره ليس بثقة. قال: وقيل: يكتفي. فإن كان القائل عالما كفى في حق موافقة في المذهب عند بعض المحققين. وهذا أيضا ليس صحيح. أن إذا كان ذكر بعض أهل مذهبه معنى في المذهب، وليس في الحديث، فهذا ممكن يتساهل الإنسان فيه، إذا كان في المذهب أنه رواية مثلا عن الشافعي، أو ذكر كذا، فهذا لا بأس. لكن يذكر حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: حدثني ثقة، فالأصل أنه لا يقبل. وأيضا كذلك قوله: أخبرني من لا أتهم، أيضا تدخل في هذا المضمار. وقد حاول العلماء أن يبين أو يعين من أثق في كلام بعضهم العلم، كمالك والشافعي وغيره. ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد، وغيره ذكر هنا عن أبي الحسن الآبري قال: سمعت بعض أصحاب الحديث يقول: إذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب، فهو ابن أبي فديك. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد، فهو يحيى بن حسان. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير، فهو أبو سلمة. وإذا قال: أخبرنا ثقة عن الأوزاعي، فهو عمر بن أبي سلمة. وهذا تخمين، غالبا ليس شيء صريح. قال: وإذا روى العدل عن من سماه، لم يكن تعديلا عند الأكثرين، وهو الصحيح. على سماه رواية العدل، هل تنفع الراوي تنفعه؟ إذا كان إمام مثلا ورووا عن شخص قد تخرجه من جهالة العين على قول بعض أهل العلم، لكن لا تجعله ثقة، لا تجعله ثقة. ومعنى مثله: أن يروي الراوي عن رجل، وهذا الراوي ثقة، فلا يكون تعديلا للرجل الذي روى عنه، فلذا لم يعدله أحد، فهو يعتبر مجهول حال. أقل ما فيه يكون مجهول حال. وهذا الذي يحمل عليه كلام الحافظ ابن حجر، فإن ابنه سأله، فقال: يا أبت، هل رواية الرجل العدل عن غيره تنفعه؟ قال: نعم. قال: نعم تنفعه. تنفعه في ماذا؟ تنفعه ممكن تخرجه من جهالة العين، ممكن تنفعه مثلا إذا كثر الرواة. أما تنفعه أنه يجعله ثقة، فليس صحيح. قالوا: إذا روى العدل عن من سماه لم يكن تعديلا عند الأكثرين، وهو صحيح. قالوا: قيل: إنه تعديل. أنا هذا قول آخر: أنه تعديل. قالوا: عمل العالم فتياه على وفق حديث رواه، ليس حكما بصحته، ولا مخالفته قدح في صحته، ولا في رواته. إذا عمل العالم في فتواه، أو عمل في غير فتواه، أنا أفتى به أو لم يفت به، عمل فقط، هل يدل على أن الحديث صحيح؟ لا. ممكن مثلا أنه يعمل لأن هناك أدل غير هذا الحديث، عمومات تدل على هذه المسألة، أو مثلا يأخذ قول أحمد رحمه الله، وابن دود على أنه يعمل بالحديث الضعيف، أو يقال أن الحديث الضعيف أفضل من آراء الرجال. فلهذا فعمل المحدث بالحديث لا يدل على صحته. وإذا أفتى أيضا بالحديث لا يدل على صحته. وكذلك أيضا العكس، عدم العمل بالحديث لا يدل على أن الحديث ضعيف. فذكر هنا مثالا عدم عمل مالك رحمه الله بحديث الخيار: البيعان بالخيار، مع أنه رواه، ولم يعمل به لخلافه عمل أهل المدينة؛ لأنه عنده عمل أهل المدينة حجة أيضا. وكذلك مالك لم يعمل بحديث صيام الست من شوال؛ لأنه أخذ بعمل أهل المدينة، وغيره من هذا. فهذا لا يدل على ضعف الحديث. عدم العمل العالم بالحديث لا يدل على ضعف، قد يكون عنده شيء آخر.