الدرس في آداب القبلة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع الأول مسألة استقبال القبلة عند الوضوء والتيمم، حيث ذهب بعض العلماء إلى استحباب ذلك بينما رأى آخرون عدم وجود دليل قاطع. كما أشار إلى عدم استحباب استقبال القبلة عند الإغتسال.
ناقش المقطع الثاني استحباب استقبال القبلة في أعمال مختلفة مثل الغسل والتيمم وسجود التلاوة، مع الإشارة إلى خلاف العلماء حول اشتراط الطهارة واستقبال القبلة في بعضها.
حذر المقطعان الثالث والرابع من الغلو في تعظيم الكعبة مثل الحلف بها أو التسمي بعبد الكعبة، وبين أن بعض الممارسات التي يظنها الناس تعظيمًا هي خارجة عن التعظيم الشرعي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في ذكر آداب القبلة، ولازلنا في المبحث الأول، وذلك بتتبع الأماكن والأوضاع والأحوال التي يحرص فيها المسلم والمسلمة على استقبال القبلة فيها، فكان مما ذكر عند الأذان، وكذلك عند الصلاة، وكذلك في انتظار الصلاة، وهكذا الأذكار بعد الصلاة، ومن ذلك في باب الدعاء في أي حال وفي أي مكان، وهكذا كان الكلام حول ما يتعلق بمسائل الجنائز، سواء كان عند الاحتضار والخلاف في ذلك، أو ما كان عند حضور الدفن في استقبال القبلة، أو ما يكون عند دفن الميت أن يكون مستقبلًا القبلة، وهكذا كان الحديث عن مسألة الذبح، وعن مسألة الإهلال بالإحرام. فهذه الأماكن إخواني في الله قد تم الحديث عنها، وأن الأدلة وأقوال العلماء تدور على ما سمعتموه من المسائل السابقة، ومن الأماكن التي يذكرها الفقهاء، وقد حصل فيها الخلاف هل يستحب أن تستقبل القبلة أم لا، ما يكون عند الوضوء والتيمم، فكثير من العلماء، وهذا منصوص به عند جماعة من الفقهاء، من الحنفية وعند الحنابلة وغيرهم، يرون أن يستحب عند الوضوء أن تستقبل القبلة، طبعًا هذا يتنزل عند مقدور العبد، إذا كان عندك مثلًا دلو ماء تتحكم بتسييره هنا أو هنا، فضعه في مكان بحيث أنت تتوضأ وأنت مستقبل القبلة، أما غير ذلك لا يمكن كما هو في الحنفيات والحمامات ودورات المياه لا يمكن أنك تغير مجرى هذه الحنفية. فالعدل أن يستقبل في الذكر والعبادة والوضوء، فهو ممن ذهب إلى استحباب ذلك، وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى حول هذه المسألة، فقال رحمه الله: لا أعلم فيه شيئًا، فإن فعله حسن، يعني الأصل ما عندي دليل يدل على ذلك، لكن إن استطاع وإن فعله إنسان، فإن شاء الله لا ينكر هذا عليه، فهذا هو مما وقع فيه الخلاف، فالأمر في ذلك واسع. وهل يلحق بهذا الباب الإغتسال؟ الجواب: لا، لا يلحق؛ لأن الإغتسال فيه تعري وفيه كشف للعورات، ولهذا كذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى في سؤال آخر وجه إليه حول هل يستحب استقبال القبلة عند الإغتسال؟ قال: يغتسل سواء استقبل القبلة أو غير مستقبلها، الأمر واسع ولله الحمد، أي أنت غير مقيد في هذه المسألة بخلاف الوضوء؛ لأن الوضوء أمر ثاني؛ لأنه منضبط وفيه من ستر العورة وهو أمر مستحسن عند جماعة من العلماء. هل يقاس على ذلك التيمم؟ هذا كذلك وقع فيه خلاف، أنت في البرية في صحراء فأردت أن تصلي تتيمم أولًا، هل يستحب أنك تستقبل القبلة عند التيمم؟ نعم، وقع في ذلك خلاف، المنصوص به عند الشافعية وعند المالكية استحباب ذلك، أن تستقبل القبلة، وليس على هذا دليل واضح صريح، لكن بعضهم يستأنس بالعمومات. ومن الأماكن كذلك التي نذكرها في هذا المقام، وقد وقع فيها خلاف عند سجود التلاوة، فجمهور العلماء على هذا، يشترطون ويلزمون من أراد أن يسجد سجود تلاوة أن يكون متطهرًا وأن يكون مستقبلًا للقبلة، وإلا فليس عندي دليل على هذا الاشتراط، بل الصحيح في هذه المسألة أن الإنسان إن تيسر له أن يسجد هنا أو هنا للتلاوة فعل على حسب ما يتيسر له، ويسجد للتلاوة سواء كان عنده وضوء أو لم يكن على طهارة، فالأمر في هذا واسع. هنا إخواني في الله نصل إلى ختام هذا المبحث، وهو في تتبع الأماكن التي جاءت في حقها أدلة أو أقوال العلماء، سواء مما اتفق عليه أهل العلم أو مما وقع فيه خلاف، هذا الذي سمعتموه جملة من الأماكن التي ذكر وحكي فيها استحباب استقبال القبلة، والأمر إخواني في الله عند العلماء يرون أن المسلم يتحرى أن يستقبل القبلة في كل أموره إن استطاع، ويستحب ذلك خاصة في مسائل التعبد. يقول إمام المناوي رحمه الله تعالى: كل حركة وسكون من العبد على نظام العبودية بحسب نيته، أي كل شيء تفعله يكون يدخل تحت طاعة الله، قال: في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه وشرابه وطعامه تشرف حالته بذلك، فيتحرى القبلة في مجلسه ويستشعر هيئتها، فلا يعبث فيسن المحافظة على استقبالها ما أمكن، حتى للمدرس على الأصح. فهذا يراه بعض الناس، وإن كان هذا ليس عليه دليل، ويخشى من الغلو في هذا الباب، لكن نقول: التدريس بشكل عام إن أتى وإن استطاع المدرس على أن يفعل ذلك فعلًا، فقال رحمه الله تعالى: حتى للمدرس على الأصح، وهكذا قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: فإن القبلة على كل حال يستحب استقبالها بالأعمال التي يراد بها لله عز وجل تبركًا بذلك واتباعًا للسنة. وبقي هنا مسألة مبحث وهو مبحث سريع نتحدث به مما له تعلق بالقبلة، وقد انتهينا من المبحث الأول في تتبع الأماكن التي يحرص عليها المسلم في استقبال القبلة من باب التشريف، إلا أننا نجد من بعض الناس لربما هذا التشريف للقبلة وهذا التشريف للكعبة يوصله إلى حد الغلو، إلى حد الغلو والمجاوزة، وهنا أنبّه على بعض الحالات التي أشار إليها العلماء إلى عدم فعلها لما فيها من الخروج من التعظيم الشرعي. منها الصورة الأولى إخواني في الله أن نجد من بعض الناس من يحلف بالكعبة، وهذا لا يجوز، نعم الكعبة مشرفة، لكن لا يصل التشريف إلى أن تقسم بها، وإنما القسم برب الكعبة، كذلك من صور الغلو والمجاوزة ومن التعظيم البدعي المزعوم للكعبة المشرفة أن ينتسب إليها الرجل من باب التعبيد، كأن يسمي نفسه بعبد الكعبة، وهذا لا يجوز. كذلك من صور التعظيم الذي أشار العلماء إلى عدم فعله ما يكون من جعل الكعبة صورة، ثم تعلق مثل أن تعلق في الجدران، صحيح أن الكعبة هي ليست من ذوات الأرواح، ولهذا هي في الأصل لا بأس أن تعلق على الجدران، إلا أن جماعة من أهل العلم يرون أن الأولى الترك، خاصة إذا خشي من هذا التعليق لصورة الكعبة ما يخشى عليه. ومما أنبّه لي وأحذّر به هذا المقام أن توجد صورة الكعبة في السجادة، كما نرى الآن في كثير من السجاجيد المعدة للصلاة، فتجد أن السجادة قد ملئت بالتصاوير، وهذا ما ينبغي، وقد أفتى علماء بالكراهة؛ لأن هذا المقام سيكون فيه التشويش على المصلي، وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي. فاستأثر العلماء على كراهة الصلاة في السجاجيد التي تكون منقوشة أو مزينة أو مزخرفة أو مصورة، ولو كانت بالمساجد؛ لأن المصلي يحاول أن يستحضر حضور القلب لا حضور الصور التي تشغل وتلهيه عن الخشوع والخضوع. ولو أن رجلا جلس على هذه السجادة، فالصحيح أن هذا ليس امتهانًا، وقد سئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن مثل هذه المسألة، عن الجلوس على السجاد أو شيء الذي فيه صورة الكعبة هل هذا يعد امتهانًا؟ قال رحمه الله تعالى: لا، لا يعد امتهانًا؛ لأن الجالس لا يريد بهذا امتهان الكعبة. فهذا إخواني في الله لفتة في بيان ما يظنه الناس أنه من التعظيم للكعبة، كالقسم بها أو الانتماء إليها تعبيدًا أو بجعلها في السجاد، هذا ليس من التعظيم للكعبة، وإنما هذا خروج عن التعظيم الشرعي، وإنما التعظيم قد مر معنا أن يكون في استقبالك لها عند أدائك للعبادات والطاعات. وبقي هناك مبحث ثالث لآداب القبلة، وهي الأماكن أو الأحوال التي لا يجوز أن تستقبل فيها القبلة، وسأتي هذا معنا في درسنا غدًا، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.