الدرس في آداب القبلة 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استقبال القبلة مستحب عند انتظار الصلاة وأثناء الأذكار بعد الصلاة، ويستند ذلك إلى أقوال العلماء مثل ابن تيمية وعمر بن عبد العزيز. يُستحب البقاء على هيئة الصلاة بعد السلام واستقبال القبلة.
يُستحب استقبال القبلة في عدة مواطن مثل بعد الصلاة، عند قراءة القرآن، والدعاء. يُفضل استقبال القبلة عند ذكر الله وقراءة القرآن إذا أمكن ذلك دون اشتراط أو وجوب.
يجب استقبال القبلة عند الدعاء لنفسه في أي مقام، ولا يجوز استقبال القبر أو أي مقام آخر. يجوز استقبال القبر أو القبلة عند الدعاء للميت.
المقطع ينتهي بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر التوجه الديني والالتزام بالعبادات مع التأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروسٍ ماضية كان البدء بذكر آداب القبلة، إذ أنها احتوت على مسائل عدة، وكان من أهم المباحث في آداب القبلة هو التعرّف على المواضع التي ينبغي للمسلم أن يعتني في استقبالها، ومضى معنى من هذه الأماكن، إخواني في الله، ما كان عند الأذان، إذ يشرع للمؤذن أن يستقبل القبلة، وكذلك عند الصلاة، وذلك لأنها شرط من شروط صحتها، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وهذا بالإجماع، ويعم جميع الصلوات، ويعم جميع الصلوات من فرائض ونوافل إلى غير ذلك. وكان من المناسب في ذاك المقام أن نتطرق إلى صلاة المريض، وخاصة لمن كان يصلي على حال الإضجاع، وعرجنا على مسألة الأفضلية، هل هي على الجنبية أم على الاستلقاء؟ وذكرنا الخلاف الحاصل بين العلماء، وأن الراجح هو أن يصلي المرء المريض إذا كان مضجعًا أن يصلي على أحد جنبيه. وهكذا المرء إذا قام إلى الصلاة، إخواني في الله، يقوم بسائر بدنه، بل وكل أطرافه، حتى جاءت السنة على أن المصلي إذا رفع كفيه ينبغي أن تكون الأكف باتجاه القبلة، بل حتى الأصابع، إذا سجد المرء فإن أصابع اليدين تكون إلى القبلة، وكذلك أصابع القدمين كذلك إلى القبلة، وإذا تشهد الأصبع إلى القبلة، فتجد أن المصلي في حال صلاته بكليته، بجميع بدنه وأطرافه، يكون متجهًا إلى القبلة، وهذا يدلك على شرفها وعلى ضرورة العناية بها. كذلكم، إخواني في الله، من المواطن والمواطن الثالث من مواطن استقبال القبلة، ونحن لا نزال في موضوع الصلاة، كذلكم موضوع انتظار الصلاة، وهذه لفتة ننبه عليها في هذا المقام، وقد تخفى على كثير من المصلين، وهو أن من جاء وجلس ينتظر إقامة الصلاة، فإنه يستحب أن يتخذ هذه الهيئة، وهو أن يكون مستقبلًا للقبلة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ويستحب إذا جلس لانتظار الصلاة أن يجلس مستقبلًا للقبلة؛ لأن خير المجالس مستقبل به القبلة، ولأن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة». ومن سنة المصلي أن يكون مستقبلًا القبلة، فأشار رحمه الله تعالى إلى عموم استحباب المجالس أن تكون إزاء القبلة، وأخص بالذكر هذا المجلس، وهو أنك تنتظر الصلاة. وأيضًا، لأن المرء ما دام أنه ينتظر الصلاة، فهو في حكم مصلٍ، والمصلي يستقبل القبلة، وأنت أيها المنتظر كن على هذه الهيئة من استقبالك للقبلة. وقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يعملون بهذه السنة. وانظر لهذه الآثار التي أوردها الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مصنفه عن جماعة من السلف، أنهم كانوا يعتنون بهذا الباب، حيث جاء بإسناد صحيح أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه كان إذا جلس إلى الصلاة استقبل القبلة. وبالمقابل، فقد صرح جماعة من العلماء بالكراهة في حق الذي يستدبر القبلة، كما صرح بهذا القاضي عياض رحمه الله تعالى، قال: «ويكره الاستناد إلى القبلة»، يعني مثل أن تجد بعض الناس يأتي قبل الصلاة ينتظر الصلاة، فيجعل ظهره يستند إلى جهة القبلة، ما الذي أعطى للقبلة؟ أعطى ظهره. وجاء كذلك عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه نهى أن تستدبر القبلة في مواقيت الصلاة. فهذه مسألة، إخواني في الله، قد تجد من بعض الناس لو ربما جهلا في شأنها، تجد أن بعضهم لو ربما يمسك الجدار الأيسر أو الجدار الأيمن فيتكئ هنا ويتكئ هنا، فيعطي القبلة الميمنة أو الميسرة من جانبه، فهذا يا عبد الله قد حرمت من الأجر الذي أعده الله في حق من عظم القبلة. وهذا الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف. فاحرص يا عبد الله على أنك إن جئت إلى المسجد فجلست هنا أو هنا أن تكون مستقبلًا للقبلة، لا أن تكون معرضًا عنها. فتجد بعضهم يتكئ على سارية وظهورهم إلى القبلة، أو على جدار، أو كما قلنا على الجوانب، فما ينبغي يا عبد الله أنك تنأى عن هذا الفعل الذي دلت عليه عموم الأدلة. كذلك مما له تعلق بالصلاة وهو المقام الرابع مما يذكره العلماء في استقبال القبلة، من صرح بمشروعية استقبال القبلة حتى بعد الصلاة، وذلك عند الإتيان بالأذكار. سلم الإمام، نجد بعض الناس وقد كانت هذه عادة يفعلها بعضهم، أنه سرعان ما يتقدم ثم يولي ظهره للقبلة ويستقبل الناس. نجد هذا لبعض الناس، هذا ليس فيه شيء من حيث الجواز، هذا جائز، لكن هل هذا هو الأفضل؟ الجواب: لا، ليس هذا هو الأفضل. لأن العلماء ذكروا، كما صرح بهذا العراق وجماعة، كما سيأتي في مباحث في نهاية المبحث، عن جماعة من العلماء يرون أن الطاعات والعبادات ينبغي أن تؤدى وأنت مستقبلًا به القبلة، لعموم الأحاديث والنصوص في هذا الباب. ومنها ما صرح به جماعة من العلماء في مسألة الأذكار، فالأذكار إذا استطعت أن تأتي بالأذكار والأوراد، وبالأخص ما نحن بصدده من ذكر إتياني أذكار الصلوات، تأتي بها يا عبد الله وأنت مستقبل قبلة على حالتك، وخاصة الأذكار التي جاءت في حقها الأدلة. مثال ما جاء في السنن من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال قبل صلاته، قبل أن ينصرف من مقامه ويثني رجليه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، عشر مرات، فله كذا وكذا من الأجر». وهذا يتعلق بصلاتي الفجر والمغرب. هذا على من يحسن الحديث من جماعة من العلماء، هذا الحديث فيه إشارة من رسول الله على أن المصلي يبقى على حالته في جلوسه ولا يثني رجليه، بل سرعان بعد السلام يأتي بهذا الذكر. فاحرص عليه، طبعًا هذا كما قلنا على من يرى تصحيح الحديث، ومن يرى أنه معلول فلا يلزم بهذا الذكر، لكن من يرى يرى بهذا السنة أن يستقبل القبلة وما بعد ذلك، فالأمر واسع. لكن نقول: الأفضل يا عبد الله أن تبقى على هيئتك، فتتربع وتتخذ الهيئة المناسبة، ثم تأتي بالأذكار والأوراد بعد الصلوات وأنت مستقبل القبلة. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق بأمر الصلاة من الأذان، من الصلاة، من انتظار الصلاة، من الأذكار بعد الصلاة، كلها يا عبد الله تكون على هذه الهيئة من استقبالك للقبلة، للكعبة المشرفة. كذلكم، خامسًا، من المواطن التي يستحب فيها استقبال القبلة عند قراءة القرآن. ولا نطيل في هذا المبحث، لأننا قد تكلمنا قريبًا عندما تحدثنا عن آداب القرآن، وما يتعلق بآداب تلاوة القرآن، أشرنا إلى ما سطره كثير من العلماء إلى أن المسلم إذا أراد أن يقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى، عليه أن يستقبل القبلة. طبعًا هذا ليس من باب الوجوب أو من باب الاشتراط، لكن هذا من باب الإمكانية، إن استطعت أن تستقبل القبلة فافعل، وإلا فإنك يا عبد الله تقرأ القرآن راكبًا، ماشيًا، مضجعًا، على جنب، على أي حال، هذا قد ثبت عن رسول الله. كذلك الموطن السادس، حال الدعاء، يستحب للداعي أن يستقبل القبلة. وقد تحدثنا كذلك عن هذه المسألة عند حديثنا عن آداب الدعاء، أنه يستحب للداعي أن يرفع يديه مستقبلًا القبلة، لصحة الأحاديث والآثار عن رسول الله. كما جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، عندما ابتهل وتضرع إلى الله بالدعاء، قال عمر: «فاستقبل القبلة»، فاستقبل القبلة ودعا عليه الصلاة والسلام. وأشرنا كذلك في ذلكم الموطن على أن هذا أيضًا عند الإمكانية، عند الإمكانية، لك أن تهيئ نفسك لهذه الجهة، أما إذا ما تيسر، كمن يكون راكبًا مثلًا على دراجة، على سيارة، إلى جهة غربًا، شمالًا، جنوبًا، وأراد أن يدعو وعلى خلاف القبلة، ليس في هذا شيء. وذكرنا آثار عن بعض الصحابة، بل عن علماء بالتضييق أبواب على جواز الدعاء للقبلة ولغير القبلة إذا تيسر. لكن إن استطعت، احرص على أنك تستقبل القبلة عند الدعاء، عند الدعاء، لكن ليس من باب الوجوب ولا الشرطية. وهنا أحب أن أنبه على أمور، ونحن في ذكر مسألة استقبال القبلة عند الدعاء، أنك يا عبد الله لا تستقبل شيئًا تتبرك به عند دعائك إلا القبلة، لما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فسواء كنت في البر أو في البحر، فادع الله وأنت مستقبل القبلة إذا استطعت، أو كنت في الحل أو كنت في السفر، فاستقبل القبلة إن استطعت. وهكذا قس، وأيضًا في مواطن الدعاء، لا تخرج عن هذه القاعدة العامة. مثلًا، من كان يسر الله له الذهاب إلى أداء مناسك الحج والعمرة، فذهبت إلى الصفا وإلى المروة، وهي من الأماكن التي يدعو فيها المسلم يدعو ربه، بل ويكثر من الدعاء، هنا جاءت الأحاديث على أن الداعي عند الصفا والمروة يستقبل القبلة. وكذلك عند المشعر الحرام، فإنك تستقبل القبلة، وكذلك من يسر الله له الحج فصعد إلى جبل عرفات، فعليه أن يستقبل القبلة. ومن الخطأ ما يفعله بعض الحجاج إذا صعدوا إلى عرفة، أنهم يتوجهوا إلى الجبل، لا، ما عندي توجه للجبل، بل العندي توجه إلى القبلة؛ لأن هذه قبلة الداعين، الكعبة المشرفة هي قبلة الداعين. وهكذا قس، يا عبد الله، سائر الأماكن. ومما أختم به هذا المقام حول الدعاء عند القبور، الدعاء عند القبور، هل تستقبل القبر أم تستقبل القبلة؟ المسألة فيها تفصيل، وهي على النحو التالي: أولًا، إذا ذهب رجل مثلًا إلى قبر وأراد أن يدعو لنفسه، هو لنفسه، أيها الزائر تدعو لنفسك في هذا المقام، واخترت هذا المقام تبركًا لهذه البقعة الذي فيها الميت مثلًا، أو للرجاء أن هذا محل تستجاب فيه الدعوات، واستقبلت القبر، اعلم أنك وقعت في محدثة وبدعة وضلالة، بل وذريعة من ذرائع الشرك. أنك تدعو لنفسك وتختار قبرًا وتتوجه لهذا القبر بالدعاء: اللهم اغفر لي، أنت ارحمني وارزقني ويسر أمري، وأنت متوجه بهذا الدعاء عند القبر، هذا لا يجوز. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ويتحدث عن هذه المسألة، قال: «وأما زيارة القبور لأجل الدعاء عندها أو التوسل بها أو الاستشفاع بها، فهذا لم يأت به الشريعة أصلا». ولهذا كانت السنة عند الصحابة وأئمة المسلمين إذا سلم العبد على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، أن يدعو الله مستقبل القبلة، ولا يدعو مستقبل الحجرة. ولم أعلم من الأئمة أحد تنازعوا في أن السنة استقبال القبلة وقت الدعاء لاستقبال القبر النبوي. فبين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه المسألة، والذي يقع فيها الخطأ عند من زار المدينة، فيسأل الله له زيارة قبر الرسول عليه السلام وصاحبيه أبي بكر وعمر، تجد أن بعض السنة أنك تسلم تسلم على رسول الله وعلى صاحبيه فقط، لكن بعض الناس يجد أنه من استغلال المقام واستغلاله لهذا الزمان أن يستغله بالدعاء لله، فيدعو الله: رب اغفر لي، وأينه متجه للقبلة، متجه للقبر لقبر رسول الله عليه السلام، وهذا نسمع كثيرًا. ولهذا وجد في تلك البلاد أن جعلوا من الوعاظ ومن المرشدين من ينهي الناس عن هذا الفعل؛ لأن هذا مما ينبغي أن نهي عنه، أنك تستقبل قبر الرسول، وهو أكرم القبور، لكن لا تستقبل في الدعاء، تجعلها قبلة لك، ثم تدعو الله. ولهذا نقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن اتفاق الأئمة على أن من أراد أن يدعو يدعو لنفسه حين استدر واستقبل القبلة، تسلم على رسول الله واجه القبر: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر يا عمر. فإن أردت أن تزيد الدئِ الدعاء، استقبل القبلة وارفع يديك وادع الله عز وجل، لكن في حال استقبالك للقبلة. كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ولم أعلم أحدًا من الأئمة تنازع في أن السنة استقبال القبلة وقت الدعاء، لا استقبال القبر النبوي». إذا كان هذا في حق قبر رسول الله، فما ظنك بما دونها من القبور؟ فلا يجوز، يا عبد الله، أن تستغل مقام الزيارة بأن تتوجه إليها فتدعو الله لنفسك. هذه الصورة الأولى. الصورة الثانية: من أتى إلى قبر وأراد أن يدعو لصاحب القبر، تدعو له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، هنا أجاز العلماء أنك تستقبل القبر، تستقبل القبر بهذه المسألة. وهو إذا أردت أنك تدعو له، كمن جئت زائرًا لقبر أبيك، لقبر أحد من قرابتك، وأردت أن تدعو له، فتتوجه إلى القبر، فترفع: اللهم اغفر له، تدعو له. هنا العلماء أجازوا هذا الباب. ومن من أجاز هذه المسألة، سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، حيث أنه سئل: هل ينهى من رأيناه يدعو للميت وهو قد استقبل القبر؟ قال سماحة الشيخ: «لا ينهى عن ذلك»، قال: «بل يدعو للميت، سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر»، قال: «لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القبر بعد الدفن وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل». والصحابة دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر. وانظر لعظيم استنباطه رحمه الله تعالى عليه، إلى عظيم استنباطه في هذا المقام، أمر نبينا وطلب من الحاضرين وهم مجمعون حول القبر أن يدعوا للميت وأن يسألوا الله له الثبات، إذن سترفع الأكف: اللهم ثبت، اللهم ألقنوا حجته، اللهم ثبت. هذا قد يكون مستقبل القبلة، وهذا مستقبل القبر، ولم ينه نبينا عن ذلك. فهذا التفصيل، إخواني في الله، مما يناسب الأدلة العامة الذي تدل على ذلك. هذا، إخواني في الله، بعض ما يذكر من مواطن استقبال القبلة. وبقي كذلك مواطن أخرى، يأتي ذكرها إن شاء الله في درس غد. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.