آداب القبلة 3

آداب القبلة 3

الدرس في آداب القبلة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم استقبال القبلة عند الاحتضار والوفاة

تناول المقطع مسألة استقبال القبلة عند الاحتضار، حيث استعرض أدلة الفريقين المؤيد والمعارض، وخلص إلى ضعف الأحاديث الدالة على استحبابه. كما تطرق إلى أحكام الجنائز واستقبال القبلة عند الدفن.

أحكام استقبال القبلة في الجنائز والعبادات

يتناول المقطع أحكام استقبال القبلة في الجنائز، حيث يشرح استقبال القبلة عند انتظار الدفن وعند الدفن. كما يستحب استقبال القبلة عند الذبح والإحرام في الحج، لكنه ليس بواجب أو شرط.

ختام الدرس والدعاء

المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي المقطع بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس إخواني، كان الحديث مواصلةً بذكر المواضع والمواطن التي يستحب فيها استقبال القبلة. وكان من ذلك ما يتعلق بأمر الصلاة، بدءًا بالأذان، ثم بإقامة الصلاة، وما يكون من انتظار الصلاة، وما يكون بعد الجلوس بعد الصلاة. فهذه المواطن ذكر العلماء من الأدلة ما تدل على استحباب استقبال القبلة فيها. وأيضًا من هذه الأماكن ما يكون من أمر قراءة القرآن، وهكذا ما يتعلق بأمر الدعاء. فما من المواطن التي تدعو فيها الرب سبحانه وتعالى، احرص عبد الله على استقبال القبلة، لما أثر ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأيضًا من الأماكن بشكل عام مما يستحب فيها استقبال القبلة ما يكون في باب الجنائز. وهنا تأتي مسائل، من هذه المسائل وهو الوجه السابع عند الاحتضار. وهذه مسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء. والذي أعنيه بالاحتضار هو الرجل إذا قربت منيته، كمن شعر بأنه يحتضر وأنه سيفارق الحياة. هل يستحب لهذا المحتضر أن يستقبل القبلة حتى تأتيه منيته وهو على هذه الحالة؟ كثير من العلماء وجمهور أهل العلم يرون استحباب ذلك. استدلوا بأدلة، إلا أن هذه الأدلة من نظر إليها بالميزان العلمي الحديث يرى أنها معلّة لا تنهض للحجية. فمن ذلك ما جاء من حديث رواه أبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكبائر، فقال مذكرًا للكبائر ذاكرًا لها: «استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا». فذكر عليه الصلاة والسلام أن البيت الحرام وهي الكعبة هي قبلتنا، سواء كان في حياتنا أو كان في مماتنا. فذهب جماعة من العلماء إلى أن المقصود عند موتنا، أي عند ساعة احتضارنا. إلا أن هذا الحديث ضعيف، إذ أن فيه علل. ففيه راوي عبد الحميد ابن السنان وهو مجهول، قيل مجهول حال، وقيل مجهول عين، إلا أنه من أهل الضعف بشكل عام لا يحتج به. وأيضًا استدل العلماء بحديث البراء ابن معرور رضي الله تعالى عنه أنه أوصى بأن إذا حضرت منيته أو احتضر أن يوجه إلى القبلة. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أصاب الفطرة». فقالوا: النبي هنا أقر البراء على فعله. لكن هذا الحديث كذلك متكلم فيه، ففيه طعن في إسناده، فهو مرسل، وطعن كذلك في رجاله، إذ أن مداره على نعيم بن حماد وهو متكلم فيه. ولهذا هذا الحديث لا يصح. فالشاهد أن الأحاديث التي يستدل بها من يستدل على استحباب توجيه المحتضر إلى القبلة لم يثبت منها شيء. وبالمقابل تجد أن جماعة من العلماء كره ذلك، لأن هذا ليس من الدين. كما نقل ذلك عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه كان يكره ذلك. بل نقل عنه كما في بعض الروايات أنه لما احتضر قام أهله وحوّلوا سريره إلى اتجاه القبلة، فلما أفاق رأى التغير هذا، قال: ماذا فعلتم؟ قالوا: ردوني إلى جهة المعتادة. لأنه كان يكره هذا الفعل. وقد سئل إمام مالك رحمه الله تعالى عن هذه المسألة حول توجيه المحتضر إلى القبلة، قال: ما هو من الأمر القديم، أي ما علماء من الصحابة والتابعين من كان يفعل ذلك. بل من أهل العلم من صرح بالبدعية، كما فعل ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في تعليقه وبحثه في أحكام الجنائز. فالشاهد إخواني في الله، فالصحيح في هذه المسألة وهي مسألة خلافية أنه لم يثبت لدينا دليل صريح صحيح يدل على مشروعية استقبال القبلة للمحتضر. فالمحتضر من دانت منيته كأن يكون قد كبر سنه أو على وشك مفارقة الحياة لمرض ألم، يترك على حالته، ولا يتكلف بأن يوجه للقبلة، لأن ما عندي دليل في هذا الباب. كذلك مما يتعلق باستقبال القبلة في أحكام الجنائز استقبال القبلة عند انتظار الدفن. تشيع الجنازة إلى المقبرة، فيجلس المشيعون عند جلوسهم وهم ينتظرون الدفن، هنا إذا استطعت يا عبد الله أن تستقبل القبلة وأن تجالس استقبلها. والدليل على ذلك ما جاء من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى قبر لم يلحد بعد، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة وجلسنا معه. فهنا استحب العلماء هذه الهيئة عند الانتظار. ولهذا قال إمام الشوكاني رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الحديث: فيه دليل على استحباب الاستقبال أي القبلة في الجلوس لمن كان منتظرًا دفن الجنازة. فالمسلم المشيع بما أن الله قد يسر له تشييع الجنازة ويحضر الدفن فيجد القيراط، والقيراط لفضيلة هذا العمل، كذلك يحرص على هذه السنة، فله الأجر لهذه الفعلة اقتداءً برسول الله عليه الصلاة والسلام، أنك تبحث عن مكان تجلس وأنت مستقبل القبلة. كذلك من المسائل التي يستقبل فيها القبلة من أحكام الجنائز عند الدفن. إذا دفن الميت المسلم فإنه يدفن على هذه الهيئة، على شقه الأيمن مستقبل القبلة. وهذه مسألة قد تواترت لدى الأمة أي لدى الأمة المحمدية، لا نزاع ولا خلاف في ذلك أبدًا. يقول الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى مبينًا بديهية هذه مسألة وأنها مسلمة: هذا معلوم في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلى استدلال عليه. فما مات مسلم منذ ظهور النبوة المحمدية إلى الآن إلا وقبر على هذه الصفة إلا لعذر. ولا يوجد دليل صريح في المسألة، ولكن وقع الاتفاق على ذلك. معنى المسألة وأردنا نبحث عن أدلة، ما عندي دليل واضح يدل على هذه المشروعية، لكن الإجماع قد تتابع وجيل بعد جيل من لدن جيل الصحابة في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والناس قد تواطوا على فعل هذه السنة، فأصبح أمرًا متفقًا عليه بين الكافة من العامة والخاصة. على أن الميت المسلم إذا دفن فإنه يدفن على شقه الأيمن مستقبلًا بها القبلة. فهذه مسائل إخواني في الله مما تستقبل بها القبلة في باب الجنائز عند الاحتضار، وسمعنا الخلاف، وعند الانتظار لدفن الجنازة وهذا قد ثبت، وعند الدفن وهذا ثابت. وهل يلحق بهذه المسألة استقبال القبلة عند النوم أم لا؟ وإن كان العلماء يرون الاستحباب، لكن ليس هناك دليل يدل على استقبال القبلة للنائم. ما عندي دليل الدليل الصريح الذي جاء في البخاري وغيره على أن الذي يستحب للمسلم أن يتوجه إلى شقه الأيمن أن ينام على شقه الأيمن. فإذا وافق الشق الأيمن مع القبلة فالحمد لله، وإن تم التعارض إما أن تستقبل القبلة وإما أن تنام على شقك الأيمن، فالأولى الشق الأيمن كما صرح العلماء، لأن الأدلة الثابتة الصريحة الصحيحة على أن المسلم يتحرى الشق الأيمن عند منامه. كذلك من الأماكن إخواني في الله التي يستحب فيها استقبال القبلة ما يكون عند الذبح. عند ذبح الذبائح أن يكون التوجه للقبلة. وهذا الخطاب يتوجه إلى جهتين: إلى الذابح أن يستقبل القبلة، وإلى المذبوح وهي الذبيحة أن يستقبل بها أي موضع نحر منها يكون باتجاه القبلة. والدليل على ذلك ما جاء من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين، فلما وجههما قال... ثم ذكر الدعاء الذي أتى به نبينا عند ذبح هو دعاء طويل. ففي الحديث: فلما وجههما، وهذا الحديث يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. وعلى صحة هذه اللفظة قال العلماء: التوجيه بمعنى جعلهما أي الكبشين إلى جهة القبلة. وعلى هذا فتاوى العلماء وكلام العلماء على أن من آداب الذبح أن يستقبل بالذبيحة إلى جهة القبلة، وهكذا الذابح. ولهذا يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: واستقبال الذابح للقبلة وتوجيه الذبيحة إليها هذا مستحب. قال: واستقبال الذابح للقبلة وتوجيه الذبيحة إليها هذا مستحب في كل ذبيحة، لكنه في الأضحية والهدي أشد استحبابًا. أي الذبائح التي تكون مطالبها شرعًا كالأضاحي والهدي، هذا يحرص على أنك تستقبل بها القبلة. وسائر الذبائح مثل عندك ذبيحة عرس وذبيحة ضيافة عقيقة، هذه كذلك يستحب فيها. بل كل ذبيحة يستحب فيها أنك تستقبل بها القبلة. بل نقل عن جماعة من السلف كابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره الذبائح إن ذبحت إلى غير القبلة. ونقل ذلك كذلك عن ابن سيرين وعن جماعة من السلف. لكن مع التنبيه ألا وهو أن هذا الحكم وهو حكم استقبال القبلة عند الذبيحة وعند الذبح، كل كلام العلماء يدور على الاستحباب، إذن هو لا يصل إلى درجة الوجوب فضلًا عن الشرطية، أي ليس بلازم. وهذا ماذا يفيدنا؟ يفيدنا إخواني في الله في مسألة وهو أن بعض الناس لربما لجهله أو لغفلته أو لخروج الأمر عن سيطرته لربما يخطئ مع هذه ذبيحة تذهب يمنة وتذهب يسرة. فإذا ذبح وشخط الذبيحة لربما كان الشخط والذبح في غير تجاه القبلة. أو كما قلنا غافل أو جاهل كأيام الذبائح تنهال الذبائح على الذابح ووراءه سرب طويل من الأعناق التي تحتاج إلى ذبح ويذبح ويذبح. لربما يخرج عن نطاق القبلة. السؤال هو: إذا ذبحت الذبيحة إلى غير القبلة ما حكمها؟ الحكم الذي سمعتموه هو مستحب. لأمين الناس من يبالغ ويغلو في هذا الحكم فيجعلوا لدرجة الوجوب. حتى تجد أنه يتحرز ويستشعر بالندم، وأن هذه أصبحت الذبيحة أصبحت جيفة لا تصلح لهذا الأمر. كلمة العلماء واحدة على أن هذا الأمر مستحب، تحرص أن تأتي باتباع رسول الله، لكن لو قدر أنك غفلت أو جهلت أو خرج الأمر عن سيطرتك وتحولت الذبيحة أو أنت إلى غير القبلة هذا لا يضر. فإن كنت متعمدًا فقد خالفت السنة. ولهذا جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء أنها سئلت عن هذه المسألة في حق من ذبح إلى غير القبلة، فقالت: إن الذبح صحيح، ومأكول من الذبيحة، لكن الذابح خالف السنة. وأخيرًا إخواني في الله مما أختم به هذا المقام كذلك من الأماكن التي يستحب فيها استقبال القبلة عند الإحرام. وهذا في مناسك الحج عند الإحرام من ذهب إلى ميقات مكاني إلى ميقات مكاني فأراد أن يحرم من هذا المكان، فإن أردت أن تحرم وتدخل في التلبية حاول عبد الله أن تكون التلبية والإحرام وأنت مستقبل القبلة. وذلك لما جاء في البخاري من فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه: كان إذا صلى بذي الحليفة أمر براحلته ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة ثم لبى. ومنهم من يرفع ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام أنه من فعله. ولهذا قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال. أنت انتهيت من الاغتسال في الميقات، أردت حجا أردت عمرة، ثم قمت وصليت ركعتين أو صليت ما تيسر من الصلوات، ثم أردت أن تحرم، فمن السنة أنك تأتي إلى دابتك، فإذا كانت هذه الدابة بالأمكان أن تكون اتجاه القبلة حينها يا عبد الله تأتي بالإحرام وتقول: لبيك اللهم حجا، لبيك اللهم عمرة، تأتي بالتلبية وتدخل ماذا في شعيرة الإهلال وأنت على هذا الحال. وهذا مما يستحب. هذا إخواني في الله كذلك ملخص ما يذكر من الأماكن والمواطن التي يستحب فيها استقبال القبلة. هناك كذلك مسائل متعلقة بهذه المباحث يترك بإذن الله إلى درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.