بواعث الخلاص من الذنوب 1

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة الكتاب وأهمية الخلاص من الذنوب والمعاصي

يبدأ الكتاب بمقدمة تشرح أهمية تجنب الذنوب والمعاصي وآثارها السيئة، ويشرح معنى البسملة والحمد والصلاة على النبي. الكتاب مختصر من عدة الصابرين للإمام ابن القيم الجوزية ويتناول الأسباب التي تعين على التخلص من الذنوب.

صفات المتقين ودور التوبة في الخلاص من الذنوب

المتقون يسارعون بالتوبة والرجوع إلى الله عند الوقوع في الذنوب، وصفاتهم تشمل الإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ولا يصرون على الذنوب بل يتوبون بسرعة، مما يدل على أهمية التوبة في الخلاص من الذنوب.

أهمية معرفة الأسباب التي تعين على التخلص من الذنوب والمعاصي

من المهم معرفة الأسباب التي تعين على التخلص من الذنوب والخطايا، والإنسان محاط بأعداء يأمرونه بمعصية الله، لذا يجب تحصين النفس بالأسباب التي تقي من الوقوع في الذنوب، وقد أوضح العلماء هذه البواعث.

ختام الكتاب والدعاء للعلماء

يختتم الكتاب بالدعاء للعلماء بالغفران والرحمة ورفع الدرجات في الجنة، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعبر عن التقدير والاحترام للعلماء الذين قدموا العلم النافع.

  • 18 جمادى الأولى 1443هـ - 22/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدئ بإذن الله القراءة في هذا الكتاب المختصر الذي هو بواعث الخلاص من الذنوب، وهو فصل من كتاب عدة الصابرين للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن القيم الجوزية، المتوفى سنة 751 للهجرة، الإمام المشهور، صاحب التآليف الكثيرة والتصانيف العديدة، وهو تلميذ شيخ الإسلام الإمام العلامة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله. علق على هذا الفصل الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر حفظه الله، المدرس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. قال حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. مقدمة. قال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فابتدىء هذه المقدمة بذكر البسملة اقتداء بكتاب الله جل وعلا، فهو مبدوء بالبسملة، واقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ رسائله بذكر البسملة. ثم ثنى بالحمد والثناء على الله جل وعلا، فقال: «الحمد لله رب العالمين». والحمد هو الثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم. والله عز وجل هو المستحق للحمد جل وعلا لكماله سبحانه، فهو الكامل في ذاته، وفي أفعاله، وفي أحكامه، وفي ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته. ويحمد عز وجل لعظيم فضله وإنعامه، فما من نعمة ينعم بها العباد إلا وهي من فضل الله ومن عطاء الله سبحانه وتعالى. ثم ثلث بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «أما بعد»، أي بعد الحمد والثناء على الله عز وجل، الانتقال إلى ذكر الموضوع والمقصود من هذه الرسالة. فسيذكر في هذه المقدمة المختصرة معنى إجماليا لما تحتويه هذه الرسالة من هذا الموضوع المهم، وهو ذكر الأسباب والطرق والأمور التي تعين العبد على التخلص من الذنوب والسيئات. قال: فلما كانت الذنوب والمعاصي مصدر شؤم وخزي للعبد، كان الواجب على كل مسلم ناصح لنفسه أن يسعى بعد الاستعانة بالله تعالى في البحث عن الأمور والأسباب التي تدفعه إلى مجانبتها والبعد عنها. فإن هذا باب مهم جدا يحتاج المسلم إلى استحضاره دائما، وهو البواعث للخلاص من الذنوب، ليسلم من العقاب وليفوز بجزيل الثواب. وذلك لخطر الذنوب والمعاصي، فإن للذنوب والمعاصي آثارا سيئة على الفرد وعلى المجتمع، على القلب وعلى الجوارح. وقد ساق الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم المسمى «الداء والدواء» جملة كبيرة من أضرار الذنوب والمعاصي. فلذلك كان حريا بالمسلم أن يسعى وأن يحرص على سلامة نفسه من الوقوع في الذنوب والمعاصي التي هي سبب لهلاك العبد وسبب لخسارته، وكذلك أيضا سبب لحرمان خيري الدارين: دار الدنيا ودار الآخرة. قال: ولهذا نجد العلماء قد أوضحوا هذه البواعث التي تعين على الخلاص من الذنوب قديما وحديثا. والعبد المسلم لا يسلم من الوقوع في الذنوب والخطايا مهما بلغ في الصلاح ومهما بلغ في الاستقامة، فهو معرض للزلل والخطأ، إذ أنه بشر. والله عز وجل من حكمته وما فطر عليه البشرية أنهم غير معصومين من الوقوع في الذنوب والخطايا غير الأنبياء. فلهذا قد يزل وقد يخطئ وقد يذنب، لكن مع ذلك الواجب على المسلم إن حصل منه ذلك الممادرة بالتوبة والرجوع إلى الله عز وجل، وكذلك أيضا أن يسد الأسباب، وكذلك أيضا أن يقطع الحبال التي توصله إلى الوقوع في الذنوب والخطايا. حتى إن حصل منه شيء من هذه الذنوب والخطايا فهو يعتبر قليلا بالنسبة لكثرة الطاعات ولكثرة الأعمال الصالحات التي عنده، فتغمر هذه السيئة وتمحى هذه الخطيئة في بحار حسناته، مع سرعة الإنابة والتوبة والرجوع إلى الله جل وعلا. والله عز وجل لما ذكر أهل الجنة ذكر من صفاتهم أنهم قد يقعون في شيء من الذنوب، لكنهم يسارعون بالتوبة والرجوع إلى الله جل وعلا. قال عز وجل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. هذه من صفات هؤلاء المتقين الذين هم من أهل الجنة. انظروا من صفاتهم أنهم إذا وقعوا في شيء من الذنوب والفواحش -ولا شك أن كون العبد يسلم من ذلك هذا أكمل في تقواه وأكمل في صلاحه- لكن لو حصلت منه زلة وحصل منه خطأ، ليس معنى هذا أنه يعني يعتبر خارجا عن أهل التقوى والصلاح إذا حصل شيء من ذلك، فإنه يسارع إلى التوبة. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ذكروا الله مباشرة، عندهم قلوب حية، إذا أذنبت أو أخطأت شعرت بعظم هذا الخطأ وبحرارة هذا الذنب الذي يحملهم على المبادرة والمسارعة بالرجوع إلى الله عز وجل والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب والخطايا. ولم يصروا على ما فعلوا، أي من ذنوب وخطايا، ما يصرون عليه أهل التقوى المتقي، ما يصر على الذنب إلا الغافل الذي قل تقواه وقل عظمة الله عز وجل في قلبه. أما المتقي إذا غلبت عليه شهوة نفسه فوقع في الزلل، سرعان ما يفيق ويتذكر عظمة الله عز وجل ويذكر الله سبحانه وتعالى فيرجع ويسارع بالتوبة والإنابة إلى الله. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم». والحديث في صحيح الإمام مسلم. والمعنى أن الذنب لا يسلم منه الإنسان ولا يسلم منه العبد، لكن المطلوب هو المبادرة بالتوبة والاستغفار. وإذا حرص المسلم على الأسباب التي تخلصه من الذنوب كمل إيمانه وكمل تقواه وكمل صلاحه، وكان ذلك سببا لأن يبلغ أعلى الدرجات وأعلى المنازل في تقوى الله جل وعلا وفي الاستقامة وفي سيره في طريقه إلى الله جل وعلا. قال: لهذا نجد العلماء قد أوضحوا هذه البواعث التي تعين على الخلاص من الذنوب قديما وحديثا. وكان من جملتهم الإمام العلامة المربي ابن القيم رحمه الله، فقد كتب فصلا نفيسا في كتابه «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين»، وهو كتاب مطبوع في مجلد، ذكر فيه رحمه الله مسائل في فضل الصبر وأقسامه وأنواعه وغير ذلك مما يتعلق بباب الصبر. قال: ذكر فيه عشرين باعثا لتقوية الدين والإيمان والخلاص من الذنوب والآثام، جمعها جمعا متينا وبينها بيانا نافعا. فأحببت ذكرها في هذا المختصر والتعليق عليها بما يوضح مقاصدها ويجلي معانيها حتى يعم نفعها بين المسلمين وتكون لهم باب توبة وخلاص من الذنوب. وكما سمعنا أن العبد هو بحاجة عظيمة إلى مثل هذا الأمر، الأسباب التي تعينه على التخلص من الذنوب والخطايا، لأن الإنسان في نفسه ميل إلى الشهوات وإلى رغبات هذه النفس، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. والإنسان يعني محاط بأعداء يأمرونه بمعصية الله جل وعلا كالهوى والنفس والشيطان. فالهوى قد يميل بالإنسان إلى رغبات نفسه، وهكذا النفس تميل إلى الراحة وإلى اللذات وإلى ترك الطاعات وفعل المحرمات. وهكذا الشيطان العدو اللدود لبني آدم الذي هو من شر أعداء الإنسان وأخطر أعداء الإنسان هو الشيطان. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». هل من عدو أقرب من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه؟ فإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن خطره عظيم. كل هؤلاء الذين ذكروا من الهوى والنفس والشيطان يدعون الإنسان إلى فعل الشهوات وإلى ارتكاب المحرمات وإلى ترك الطاعات، فلا بد أن يكون المسلم محصنا، وكذلك أيضا عنده من الأسباب التي تقيه من الوقوع في الذنوب والخطايا وتخلصه من الوقوع في الذنوب والسيئات. فإذا علم مثل هذه الأمور ومثل هذه الأسباب التي تعينه على ذلك كان ذلك عونا له على صلاح نفسه في الدنيا والآخرة. قال: والله أسأل أن يرحم الإمام ابن القيم وأن يرفع درجته في جنات النعيم، وأن يغفر لنا وله ولجميع المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين آمين. نسأل الله عز وجل أن يغفر له وأن يرحمه، وأن يغفر ويرحم لسائر علمائنا وعلماء المسلمين ممن هو على الكتاب والسنة، وأن يرفع درجتهم في جنات النعيم، وأن ينفعنا بعلومهم، وكذلك أيضا أن يحشرنا جل وعلا معهم في جنات النعيم. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.