الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 130، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أمر عمر بن الخطاب بجمع الناس على صلاة التراويح خلف أبي بن كعب في السنة الرابعة عشرة للهجرة، واصفاً ذلك بـ«نعمة البدعة هذه» بمعنى البدعة اللغوية لا الشرعية. والبدعة اللغوية هي إحياء فعل كان معمولاً به ثم تُرك، بينما البدعة الشرعية هي عبادة لا أصل لها في الشرع.
أشار عمر بن الخطاب على جرير بن عبد الله البجلي بالخروج لنجدة المثنى بن حارثة بعد هزيمة الجسر، فالتقى الجمعان عند نهر الفرات حيث عبر الفرس بثلاثة صفوف ومعهم الفيلة. تمهد هذا اللقاء لمعركة البويب التي فتحت باب الفتوحات الإسلامية في العراق.
استعد المثنى بن حارثة للجيش في رمضان وانتصر المسلمون في البويب حيث قُتل قائد الفرس مهران وفر جيشه، ثم أوصى عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص بالتقوى وعدم الاغترار بالنسب والتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. كانت هذه الوصية تمهيداً لمعركة القادسية في السنة الخامسة عشرة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: قال حوادث السنة الرابعة عشرة. قال: ثم دخلت السنة الرابعة عشرة، وفيها ساروا إلى دبشق، وعليهم خالد، أي خالد ابن الوليد رضي الله عنه. قال: فأتى كتاب عمر رضي الله عنه بعزل خالد وتأمير أبي عبيدة بن الجراح، وكما تقدم أن هذا العزل ليس لعيب، ولا كذلك لعدم كفاءة في خالد رضي الله عنه، وإنما لما هو أولى وأنفع للإسلام والمسلمين. قال: وفيها أمر عمر رضي الله عنه بصلاة التراويح جماعة، لما دخل المسجد في رمضان فوجد المسلمين يصلون أوزاعاً متفرقين، يعني كل واحد يصلي لوحده، فجمعهم على أبي بن كعب، فصلى بهم جماعة، وصلى جميع المصلين خلفه. فلما رأى ذلك عمر رضي الله تعالى عنه قال: «نعمة البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل». وقوله: «نعمة البدعة هذه» يراد بها البدعة اللغوية، وليست البدعة الشرعية. فالبدعة اللغوية هو الشيء الجديد الذي لربما فعل من قبل ولكنه ترك، ولكنه ترك فترة، فجاء من يجدده، فهذا يسمى بدعة في اللغة، يسمى بدعة في اللغة؛ لأن صلاة التراويح قد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وصلاها جماعة بالمسلمين ليلتين أو ثلاث. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس زادوا وكثروا وكثروا، خشي أن تفرض على المسلمين، فتركها لذلك، أي ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستمرار في صلاة الجماعة صلاة التراويح خشية أن تفرض على الأمة، ويكون في ذلك مشقة عليهم. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. «عزيز عليه ما عنتم» يعني يعز عليه ما يشق عليكم. فكم من عبادات تركها النبي صلى الله عليه وسلم وهي من النوافل والسنن خشية أن تفرض، ومن ذلك صلاة التراويح جمع. فلما كان في عهد عمر، وقد زالت هذه العلة، وهذا كذا، وهذا كذلك السبب، صلىها المسلمون؛ لأن علة الفرضية قد زالت بموت النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا لا يحتج المبتدعة على البدعة الحسنة بزعمهم بقول عمر في قوله: «نعمة البدعة هذه»، وإنما يراد بها البدعة اللغوية. أما البدعة الشرعية فهي العبادة التي ليس لها مثال سابق أصلاً، لا يعني من أصله، ولا فعل ثم ترك، كبدعة التي يعملها المبتدعة من الأذكار المبتدعة والصفات المخترعة ونحو ذلك. كذلك صلاة مثلاً الرغائب، هذا ما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما صلىها قط، فمن صلىها بعده عليه صلى الله عليه وسلم فهذه بدعة شرعية؛ لأن ليس لها مثال سابق. أما صلاة التراويح فقد صلىها النبي صلى الله عليه وسلم، فقوله: «نعمة البدعة» هي البدعة اللغوية. وهنا البدعة في اللغة أضيق، والبدعة في اللغة أوسع من البدعة في الشرع؛ لأن المعنى اللغوي قد يكون أوسع من المعنى الشرعي. فالمعنى اللغوي للبدعة قد يكون هذا الفعل قد عمل به، لكنه ترك فترة، فإذا عمل به مرة أخرى تسمى بدعة لغوية. أما الشرعية فلم يعمل به أصلاً، لا في الجديد، ولا في كذلك القديم. فهذا هو الفرق، فلا حجة للمبتدع في ذلك. وأما قول عمر: «التي ينامون عنها أفضل» يريد رحمه الله صلاة آخر الليل، لأن الصحابة كانوا يصلون في أول الليل صلاة التراويح. فاستدل العلماء بقول عمر أن الأفضل في صلاة الليل، إذا لم يكن هناك مشقة على المصلي، أن يصليها آخر الليل لفضيلة ذاك الزمان، فهو وقت نزول الرب سبحانه وتعالى، وهو يخاطب عباده: «هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له» ونحو ذلك. قال: وقدم جرير ابن عبد الله في ركب من بجيلة، يعني من قبيلة بجيلة، جرير ابن عبد الله البجلي مع قومه، فأشار عليه عمر بالخروج إلى العراق، يعني للجهاد في سبيل الله، وكما سيأتي معنا؛ لأن أهل العراق طلبوا، يعني المسلمون الذين يجاهدون في سبيل الله ويفتحون البلاد، طلبوا منه المدد. فقد دارت بين المسلمين وبين الفرس معارك عدة، ومن آخرها في شعبان دارت معركة بين الفرس والمسلمين تسمى معركة الجسر، وهزم فيها المسلمون، وانحازوا إلى جهة من الجهاد، فطلبوا المدد من أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه. فلما جاء جرير ابن عبد الله مع من معه من قومه، أرسلهم عمر رضي الله تعالى عنه إلى العراق، فسار بهم جرير إلى العراق. فلما قرب من المثنى ابن حارثة كتب إليه: أقبل، فإنما أنت مدد لي. والمثنى كان أمير الجيوش في تلك الناحية، فقال لجرير: تعال التحق بي، إنما أنت مدد لي، أرسلك عمر تعزيزاً. فقال جرير: أنت أمير وأنا أمير. ثم اجتمع فكانت وقعة البويب المشهورة، والبويب هو مكان بأرض في العراق، قريب اليوم من الكوفة، يقال له البويب. وهذه المعركة سجلها التاريخ، وكما ذكر هي مشهورة، وهي بوابة للفتوحات الإسلامية في جهة العراق. وخلاصة هذه المعركة: أنه لما انهزم المسلمون أمام الفرس في وقعة الجسر التي تقدم تنبيه عليها، وكانت وقعة الجسر في شعبان من هذه السنة، سنة... نعم، كانت في شعبان، ليست في السنة الرابعة عشرة، وإنما كان قبل هذه السنة، وهي السنة الثالثة عشرة. هذه معركة الجسر والتي انهزم فيها المسلمون. فلما بلغ عمر ذلك رضي الله تعالى عنه، ندب، ندب الناس إلى المشي، وكذلك إلى الذهاب للتعزيز إلى العراق. فندب عمر رضي الله تعالى عنه المثنى بن حارثة، وطلب من أمراء المسلمين المدد أن يمد هذا الفارس وهذا المجاهد المثنى بن حارثة؛ لأنه كان في العراق. فطلب المثنى من المسلمين المدد. فلما علم قائد الفرس باجتماع المسلمين وإتيان المدد إليهم إلى المسلمين، وكان قائد الفرس يقال له مهران الهمداني، هو القائد الأعلى للفرس، كان يسمى رستم قائد الفرس، لكنه عين في هذه المعركة قائداً من قاداتهم، وهو مهران الهمداني. فحشد الفرس حشوداً عظيمة وكثيرة؛ لأنهم علموا أن المسلمين جاءهم المدد، فصارت عددهم كذلك كثيراً. فكلا الجيشين حشد حشوداً عظيمة، وكان حشد الفرس أكثر وأعظم، أكثر وأعظم. وقد وقف هذا الفارس مع جيشه في الجهة المقابلة لنهر الفرات، يعني يفصل بين المسلمين وبين الفرس هذا النهر، نهر الفرات. فكان الفرس في تلك الضفة، وكان المسلمون في هذه الضفة. الفرس في الضفة القريبة من بلدهم وموقع خلافتهم، والمسلمون في الضفة الأخرى، في الضفة الأخرى. فأرسل هذا الفارسي الهمداني مهران إلى قائد المسلمين المثنى بن حارثة يقول له: إما أن تعبر إلينا، وإما أن نعبر إليك. يعني إما أن تأتي إلينا هناك كي نتواجه، وإما أنك تبقى مكانك ونحن نعبر النهر ونأتي إليك ونتقاتل. فكان من ذكاء المثنى بن حارثة أن قال: اعبر إلينا أنت. فجاء جيش الفرس وعبروا النهر، وتمركز في موضع، والمسلمون في موضع آخر، والمسلمون في موضع آخر. فأقبل الفرس وهم ثلاث صفوف، وكل صف معهم فيل، فيل عظيم، كل صف معه فيل، ولهم أصوات، وكذلك يهدرون بالكلام ونحو ذلك. فرتب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه المثنى الجيش، وعبأهم، وبين لهم فضل الجهاد، وثبتهم، وأمرهم بالفطر؛ لأن هذه المعركة وقعت في رمضان. هذه المعركة وقعت في شهر رمضان، وهذه المعركة تضاف إلى إنجازات المسلمين التي وقعت في شهر رمضان، فإنه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وقعت معارك ووقائع ووقائع في رمضان، منها بدر ومنها فتح مكة. بدر وفتح مكة كانتا في رمضان، وهذه المعركة أيضاً كانت في رمضان. فالمهم: تفقد المثنى الجيش، ورتبهم، وحثهم على الجهاد، وأمرهم بالصبر والدعاء، وقال لهم: سأكبر ثلاث تكبيرات، فإذا كبرت الرابعة انقضوا على القوم، أهجموا على القوم. فكبر أول تكبيرة، فلما سمع الفرس بهذه التكبيرة هجموا على المسلمين، فاختلط الجيشان، وتقاتلوا قتالاً شديداً، قتالاً شديداً، وقتل أخو المثنى، وكان ينادي الجيش: لا تخافوا من ذلك، واثبتوا. فثبتوا، وقاتلوا حتى قتلوا قائد الفرس وهو مهران، فقتلوه، وجز المثنى رأسه. فلما رأى ذلك الفرس، دخل الرعب في قلوبهم، ففروا. فإذا بالنهر أمامهم، فتقدمهم المسلمون جهة النهر، وقتلوا فيهم قتلا ذريعاً، ومنعوهم من العبور من النهر، حتى قتل في هذه المعركة من الفرس كثير، عدهم بعض المؤرخين قرابة مئة ألف، قتلوا من الفرس مئة ألف. نعم، حتى قيل أن كل مسلم قتل عشرة، فقيل في هذه المعركة أنها معركة العشرات؛ لأن كل واحد قتل عشرة من المسلمين. فكان القتل، فكان القتل في الفرس قتلا ذريعاً وقتلا كثيراً. فنصر الله سبحانه وتعالى المسلمين، وكانت هذه المعركة تهيئة لفتح تلك الناحية، فكانت بعدها معارك عدة، ومنها كما سيأتي معنا معركة القادسية. وهذا ما سنأخذه إن شاء الله في الدرس القادم. قال: ثم أن عمر أمر سعداً، أو أمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على العراق، يعني البلاد التي فتحها المسلمون، وكتب له وأوصاه، فقال: يا سعد بن أبي وقاص، «لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه»، يعني لا تغتر بما أنت عليه من النسب، أو كذلك من الصحبة، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن. يعني لا تعمل السيئ، فإذا عملت السيئ وزدت عليه سيئاً، فهذا لا يمحوه الله، وإنما السيئ يمحو بماذا؟ بالحسن. «إن الحسنات يذهبن السيئات». هذا مأخوذ من القرآن. فإن السيئ لا يمحو السيئ، لا يمحو السيئ، لا يمحو السيئ بالسيئ، أو لا يمحو السيئ، لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن. «وإن الله ليس بينه وبين أحد النسب إلا بطاعته»، يعني لا تغتر بقربك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأحساب والأنساب إن لم تكن قائمة على طاعة الله ورسوله فلا عبرة بها. ولذلك قال له: «فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية العامة في الأبدان وفي الأديان، ويدركون ما عند الله بالطاعة»، يعني من النصر والتمكين والنعمة ونحو ذلك، إنما يكون ذلك بالطاعة. «من كان يريد العزة فإن العزة لله جميعاً، وذلك بطاعة». قال: «فانظر الأمر الذي رأيت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعث إلى أن فارقنا عليه، فالزمه، فإنه الأمر». يعني ابق على ما تركنا عليه رسول الله من هذا الدين ومن الاستقامة عليه، فلا تغير ولا تبدل. هي نصيحة عظيمة ينبغي أن تكون نصب عيني كل واحد منا. وكتب إلى المثنى وجرير أن يجتمعا إليه، فسار سعد بمن معه، فنزل بشراف، واجتمع إليه الناس. شراف يعني منطقة، بلا موضع. قال: شراف، أو شراف. قال: حوادث السنة الخامسة عشرة. ثم دخلت السنة الخامسة عشرة، وفيها وقعت القادسية. فنترك ذلك إن شاء الله إلى درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر