كتاب البيع 3

الدرس في كتاب البيع 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بيوع محرمة وأحكامها في الشريعة

يناقش هذا الفصل البيوع المحرمة مثل بيع العربون وبيع العصير لمن يتخذه خمرًا، ويوضح آراء الفقهاء في هذه البيوع. يُبين أن بعض هذه البيوع محرم لما فيه من ضرر أو لكونه وسيلة إلى الحرام.

حكم بيع السلعة قبل قبضها وتحريم بيع الدين بدين

يتناول هذا الفصل حكم بيع السلعة قبل قبضها وبيع دين بدين، ويوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. يُبين أن الأحاديث النبوية الصحيحة تدعم هذا الحكم وتحذر من المشاكل التي قد تنتج عن ذلك.

أحكام البيع في الشريعة الإسلامية وتفاصيلها

يناقش هذا الفصل أحكام البيع في الشريعة الإسلامية، مثل بيع ما لم يقبض والاستثناء المجهول في البيع. يُوضح آراء المذاهب الفقهية المختلفة حول هذه المسائل مستندًا إلى أحاديث نبوية.

تفريق الأم عن بنتها في البيع وأحكامه

يتناول هذا الفصل مسألة التفريق بين الأم وبنتها عند البيع، ويذكر الحديث عن بيع الحاضر للبادي كموضوع متصل. يُوضح الأحكام المتعلقة بهذه المسألة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الولف رحمه الله تعالى: قال والعربون، أي بيع العربون، والبراب بيع العربون، هو دفع مال لتحجز السلعة، أنه إذا أراد أن يبيع أو أن يشتري سلعة فأراد أن يحجزها، يعطي البايع عربون، فإن كان اشتراها وإلا كان العربون من نصيب البايع. هكذا يتعامل الناس. فجاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن العربون، وهو من طريق عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده. لكن الحديث لا يصح، لأن الحديث من طريق مالك، ولم يسمعه من عمر، وإنما حدث به بلاغًا. فالحديث فيه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العربون. وهذه المعاملة معنى بعدم حلها، الشافعي ومالك. وأما أحمد، فجاءت رواية عنه بحلها، وجاءت رواية أنه قال: إن كان صاحب السلعة لا يتضرر، فهذا لا يجوز له أن يأخذ هذا المال. وإن كانت السلعة تتضرر بتركه الشراء، فإن له أن يأخذ المال. وهذا كلام صحيح، من علق أنه على الضرر، لأنه الأصل أنه لا يجوز له أخذ المال لأنه ليس له. لكن إذا كان سيتضرر، مثلا يعلن عن هذا أن فلان باع هذه السلعة، ثم إنه سيترك المشتري، فقد يسبب ترك المشتري نقصًا في سعر السلعة. لماذا؟ لأن الناس سيسألون: لماذا ترك؟ لماذا ترك هذه السلعة بعد أن اشتراها؟ فهذا يؤثر على سلعتها وينقص في ثمنها. فالناس يقولون: أكيد فيها عيب، ما أرجعها إلا لعيبها. فإذا كان فيه ضرر على البايع، فلا بأس أنه يأخذ هذا المال، ويعتبر مثل الأرش، مثل أرش الجناية، لأنه الآن سينقص ثمن بيع السلعة هذه. وأما إن كان لا ينقص ولا يتحرك، وليس فيه ضرر على البايع، فلا يجوز له أن يأخذ هذا المال. وأما الحديث، فكما قلنا لا يصح. قالوا: العصير إلى من يتخذه خمرًا. وأما بيع العصير إلى من يتخذه خمرًا، معنى: مثلا إنسان يعصره عنبًا، فيعلم أن فلانًا من الناس يأتي ويأخذ هذا العصير ويجعله خمرًا، أو مثلا بعض الأشربة بسرعة، معنى بسرعة تسكر، فيضعون له شيئًا من الحبوب أو غيره، تصير مسكرة. فإذا علم البايع بهذا، فإنه يكون وسيلة إلى الحرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام. لكن الحديث الذي جاء في هذا: لعن الله بايع الخمر وشاربها ومشتريها وعاصرها. هذا الحديث صحيح، جاء من حديث أنس، ومن حديث غيره، وذكره الشيخ في الصحيح المسند. وجاء كذلك أيضًا نحوه من حديث عبد الله بن عمر، وفي سنده الغافقي، وفيه أو هو مجهول الحال. لكن قد توبع على هذا الحديث، تابعه أبو طعمة، وهو مجهول حال كذلك، فيرتقي الحديث إلى الحسن. وقد حسنه الشيخ الألباني في الإرواء. وأيضًا يشهد له حديث أنس، وهو صحيح. وبيع الكالة بالكالة، اختلفوا ما المقصود ببيع الكالة بالكالة. فمنهم من فسره ببيع الدين بالدين، أي يبيع دينًا بدين. أي السلع دين، والثمن دين. فقالوا: هذا ينهى عنه. أي مثلا يقول المشتري: أريد مثلا أن أشتري منك أرزًا. فيقول: نعم، بكم تشتري؟ قال: مثلا بعشرة آلاف. قال: خلاص سأبيعه لك بعشرة آلاف، لكن سأعطيك إياه بعد غد. وهذا يقول: المال أيضًا سأعطيك إياه بعد غد. فهذا يعتبر بيع دين بدين. فبعض العلماء منع منه، وبعض العلماء أجازه. لكن يظهر أن فيه جهالة. وحمله بعضهم بيع المؤخر بالمؤخر، الذي يسمى ربا الجاهلية. معنى بيع المؤخر: تبيعني هذا الدين المؤخر بكذا وكذا. وهذا محرم. لكن الحديث الذي جاء في هذا فيه ضعف. خرجه جاء من حديث ابن عمر عند الدارقطني. والحق أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكالة. وهذا الحديث فيه ضعف، فيه عبد الكريم بن عبد الصمد. وأيضًا جاء من حديث رافع بن خديج، لكنه أيضًا لا يصح. ففيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. فلهذا لا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن قد جاء قد ثبت إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. ويقوي ذلك اشتراط التقابض على السلع إذا كان يدًا بيد. فبيعوا فما شئتم إذا كان يدًا بيد. فإن هذا فيحمل على بيع المؤخر بالمؤخر، وهو من باب الربا. قال: أبيع ما اشتراه قبل قبضه. بيع ما اشتراه قبل قبضه، معنى: يشتريه ويبيعه قبل أن يقبضه، فهذا لا يجوز. مثلا إنسان اشترى بضاعة، اشترى مثلا سيارة، اتصل بالشركة التي تبيع السيارات، وقال لهم: أريد سيارة كذا وكذا موديل. قال: عندنا موجودة. قال: خلاص أريدها، وكم ثمنها؟ قالوا: بكذا وكذا. طيب قال: سأحط لكم المال في الوديعة مثلا أو البنك. فانتهى من هذا الكلام قبل أن يأتوا له بالسيارة، اتصل بفلان: ستشتري السيارة عندي، سيارة موديل كذا وتريد كذا؟ قال: نعم. فباعها له. فهذا الآن اشترى قبل أن يقبض، مثل ما يفعل بعض الدلالين، يبيعون أنفسهم، هو الذي يبيع أو هو الذي يشتري، لكن لا يعطي المال لصاحبه ولا يقبض السلعة. لكن يكلم من سيشتريها، مثلا يشتري سيارة، ويشتري أرضًا، وهو يعرف ناس يشترون هذه الأشياء، فيقول له: تشتري قبل أن يقبضها وقبل أن يتقابل مع البائع. تشتري عندي قطعة أرض في مكان كذا في طيبة مثلا، تريد أن تشتريها بكذا وكذا؟ يقول: نعم. فيشتريها قبل أن يقبض هذه السلعة. فهذا لا يجوز. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإن كانت الأحاديث التي جاءت في الطعام، مثل حديث جابر: إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه. وجاء في لفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حتى تستوفى. وجاء: حتى تقبض. وجاء في حديث حكيم بن حزام: لا تبع شيئًا حتى تقبضه. وجاء في حديث زيد بن ثابت: لما رأى ابن عمر اشترى سمنًا فباعه، اشترى في نفس المكان سمنًا ثم باعه. فقال له زيد: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع. نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، يعني حيث تشتري، حتى يحوذها التجار إلى رحالهم. فهذه الأحاديث كلها صحيحة، وهي تدل على أن الإنسان لا بد أن يستوفي السلع، لا يجوز له أن يستعجل في بيع السلع قبل أن يقبضها وقبل أن يستوفي منها. لأنه قد يحصل شيء، فترد هذه السلع. قد يكون في السلع عيب، وهو لا يدري، فيبيعها بعيبها. وقد يكون هذا البيع خطأ، على سبيل المثال يكون يريد سيارة كذا وكذا، ويعطيه سيارة أخرى. وهذا يحصل، أو مثلا يبيع له أرضًا، هو يريد أرضًا في طيبة، فيبيع له أرضًا في التبالة مثلا، وغيرها من هذه الأشياء التي تحصل فيها الأخطاء. فلهذا لا بد أنه يستوفي من هذا البيع، يستوفي من هذا البيع. وعند جمهور العلماء أن هذا النهي يدخل في الطعام وفي غيره. وعند الحنفية أن هذا النهي في الطعام فقط. وأما المنقولات والعقار لا يدخل فيها. يقولون: العقار يجوز أن يبيع قبل أن يقبضه. وقال ابن عباس: ما أرى غير الطعام إلا مثل الطعام. لا أرى غير الطعام إلا مثل الطعام، يعامل معاملة الطعام. قال: وأما ما اشتراه قبل قبضه، والطعام حتى يجري فيه الصاعين، صاع المشتري وصاع البايع. أي لا يجوز له أن يبيع له شيء موهوم، مثلا يشتري صاعًا من بايع، أو يشتري مثلا عشر كيلو، ثم لا يزنها ولا ينظر إلى وزنها. أما إذا كان قد نظر إلى وزنها، عنده وزنها، فهذا خلاص يعتبر به. لكن إذا جاء وقال: كم هذه؟ قال: كذا وكذا. فهنا إذا أراد أن يبيعها لا يبيعها حتى يكيلها، لأنه لم يدري هل كلام بايع صحيح أو ليس صحيح. فهو الآن سيقول للمشتري: هذا عشر كيلو، وهو لا يدري هل هي عشر أو أقل. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تباع السلعة حتى يجري فيها الصاعين، صاع البايع وصاع المشتري. أي أجري فيها صاع البايع وصاع المشتري. قال: الاستثناء في البيع. الاستثناء في البيع، الاستثناء المجهول، عما إذا كان معلومًا وهو جائز. قد جاء في صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام: نهى عن بيع الثنية. نهى عن بيع الثنية، الثنية وزن، فعل ثنية. وجاء في رواية النسائي والترمذي وابن ماجه: إلا أن يعلم. هذه الزيادة في خارج مسلم، وإسنادها حسن. إلا أن بعضهم عللها بأن يونس بن عبيد لم يسمع من عطاء. قاله البخاري. فيبقى الحديث على الشواهد، فهو حديث صحيح. معنى هذه الزيادة: إلا أن يعلم، معناها صحيح، وإن كان إسنادها ضعيف. والمراد بالاستثناء في البيع، مثلا يقول: سبيعك المزرعة إلا شجرة واحدة، ولا يعينها. إلا شجرة واحدة لا يعينها، هذا بيع استثناء مجهول، استثناء مجهول. أو يقول له: سبيعك هذه الأراضي إلا أرضًا واحدة، إلا أرضًا واحدة لا أبيعها. وهذا أيضًا استثناء مجهول. فأما إذا كان مثلا يقول له: سبيعك الأراضي إلا هذه الأرض، لا أبيعها لك. فهذا استثناء معلوم، يجوز، ليس فيه جهالة في البيع. قال: لا يجوز التفريق بين المحارم. المراد التفريق بين المحارم، معنى المماليك، لا يجوز مثلا أن يبيع الأم ويترك البنت، أو يبيع البنت ويترك الأم. وهذا جاء في حديث أيوب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين حبيبه يوم القيامة. لكن هذا الحديث في سنده يحيى بن عبد الله المعافري، وهو ضعيف. لكن الحديث له شواهد، وقد ذكر شواهدها الزيلعي في نصب الراية، وكذلك الحافظ في التلخيص الحبير. فتدل على استحباب، أو أنها ثابتة. فلهذا فهو حسن في الشواهد. ففيه أنه لا يجوز التفريق بين الأرحام من العبيد. أي لا يتعمد التفريق. أما مثلا وقعت له امرأة، ووقعت مثلا لآخر من أصحابه بنتها، فهذا ليس تفريقًا، لأنه هذا في التقسيم. وإنما التفريق أن يبيع البنت فيفرقها عن أمها، أو يبيع الأم فيفرقها عن بنتها. قال: وبيع الحاضر للبادي. طيب أن الوقت انتهى، إن شاء الله نكمل في درس لاحق.