رحمة الداعية بالمدعوين

المحاضرة بعنوان رحمة الداعية بالمدعوين، والتي كانت بمسجد المنصور بالشحر بين مغرب وعشاء يوم الأحد 13 جمادى الآخر 1443هـ الموافق 16 يناير 2022م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية العلماء وصفاتهم في المجتمع

يُبرز أهمية العلماء كأورثه للأنبياء وأهل التقوى والخشية، ويشدد على ضرورة الرحمة في الدعوة. يُؤكد على أهمية الجمع بين العلم والرحمة في الدعوة إلى الله.

صفات الداعية الرحيم ورفقه بالناس

يجب على الداعية أن يكون رحيمًا رفيقًا بالناس، ويحمل هم نجاتهم من عذاب الله. النبي صلى الله عليه وسلم كان مثالًا في الرحمة بأمته وحتى بالكفار.

دعوة أهل السنة إلى الرحمة والرفق وتطبيقها

يُشدد على أهمية الرحمة والرفق في دعوة أهل السنة، مستشهدًا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. الرحمة في الدعوة تعني الاقتداء بالنبي في رحمته ورفقه.

  • 15 جمادى الآخرة 1443هـ - 18/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. إخواني في الله، نحن مع موعد مع محاضرة لفضيلة شيخنا وولدنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، وكذلك أخونا الفاضل الشيخ أبي معاد أبو بكر بصلاة حفظه الله. إخواني في الله، نحن في نعمة عظيمة ومنقبة كبيرة أن يوجد بيننا أهل العلم، فهي والله من النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى لنا إياها. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. كيف لا، وهؤلاء العلماء هم الذين ينصحون، وهم الذين يعظون ويرشدون، وهم يوجهون هذه الأمة بتلك التوجيهات الربانية والتوجيهات النبوية التي هم استفادوها من رب العالمين سبحانه وتعالى. إخواني في الله، وإن للعلماء خصائص ومناقب كبيرة، فمن خصائص العلماء أنهم ورثة الأنبياء. وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم. فالله جل وعلا اختص أولئك العلماء، فجعلهم الله سبحانه وتعالى هم ورثة الأنبياء. نعم، عباد الله. ومن خصائص أهل العلم أن جعلهم الله جل وعلا هم أهل التقوى، وجعلهم الله جل وعلا هم أهل الخشية. قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. نعم، عباد الله. فهؤلاء هم العلماء الذين هم أهل الحل والعقد، وأهل الدليل والاستنباط. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أهل العلم هم الذين رفعهم الله سبحانه وتعالى، وأعلى منزلتهم ومكانتهم. كيف لا، وربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. إخواني في الله، نحن مع موعد مع فضيلة شيخنا حفظه الله. فمن كان معه سؤال أو استفسار، فليوجهه إلى فضيلته، جزاكم الله خيرًا. وستكون إن شاء الله محاضرة بعد السنة الراتبة. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضاه. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله عز وجل الذي يسر لنا هذا المجلس الطيب المبارك، ونشكر الله عز وجل على نعمه الظاهرة والباطنة. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. ثم نشكر أهل هذا المسجد في إتاحتهم لنا هذه المحاضرة، وفي هذا المسجد الطيب المبارك. وشكر الله لأخينا محمد باني حفظه الله، إذ رحب بشيخه ورحب كذلك بمن جاء معه. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُديم علينا هذه النعم التي فيها من المحبة، ومن النصيحة، ومن العلم، ومن نزول السكينة، ومن الرحمة، ومن غيرها من الفوائد والمنافع. إخواني في الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «أهل السنة أعلم الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق». فهاتان الصفتان وهذان الأمران مما من الله عز وجل بهما على أهل السنة، الجمع بين الحرص على العلم، وهكذا الجمع مع العلم الرحمة. فلا يكفي أن يكون الداعية إلى الله عز وجل عالمًا متضلعًا في العلم، ثم يُحرم الرفق والرحمة بالخلق. ولذلك أمر الله عز وجل عباده أن يتواصوا بالرحمة، لا مجرد يتذاكرون بها، بل يتواصوا بها، ويوصي بعضهم بعضًا بها. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. ولقد أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأن يكونوا رحماء بينهم، فكانت تلك صفتهم رضي الله تعالى عنهم. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. رحماء بينهم، لا سيما إذا كان لك من المسلمين ومن إخوانك المستقيمين، فهم أولى بالرحمة منك بتعليمهم والشفقة عليهم ونصحهم ومحبتهم ونحو ذلك. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. يقول العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: «فبرحمة من الله لك ولأصحابك، من الله عليك بأن ألنت لهم جناحك، وخفضت لهم جانبك، وحسنت لهم خلقك، وترفقت بهم، فاجتمعوا عليك وأحبوك وامتثلوا أمرك». فالرحمة والرفق واللين والمعاملة الحسنة والأخلاق الفاضلة من أعظم أسباب الاجتماع، ومن أعظم أسباب الألفة والمحبة، ومن أعظم أسباب امتثال أوامر الله عز وجل. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. أي تفرقوا عنك وتركوك، لأنه ما من أحد يتصف بهذه الصفات من الأخلاق السيئة ومن قسوة القلب، إلا وانفض الناس عنه. لأن الطبيعة البشرية جُبلت على حسن المعاملة وحسن الخلق. فإذن، ينبغي علينا معاشر الدعاة إلى الله عز وجل أن نرفق في دعوتنا، وأن نرحم الشارد عن طريق الحق والعاصي والواقع في حدود الله، أن نرحمه وأن نشفق عليه. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام يقول، كما في صحيح مسلم من حديث جابر: «إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجناذب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها. وأنا آخذ بحجزكم، هلُمَّ عن النار، وأنتم تتفلتون من يدي». هذا الحديث وما جاء فيه من الرحمة بخلق الله عز وجل. فما مثلنا ومثل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام إلا كمثل رجل أوقد نارًا، فجاءت تلك الحشرات تريد أن تقع في هذه النار. فماذا سيحصل لها؟ إنه الموت المحقق، إنه الحرق بالنار. ولكن هذا الرجل رحم تلك الحشرات وتلك الدواب، فذبهن عن النار، أي منعهن أن يقعن في هذه النار. وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يُبيِّن لأمته الدين الحق، ويُبيِّن لأمته أسباب النجاة والسعادة حتى لا يقعوا في النار. وهذا من رحمته وشفقته بأمته عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون الداعية إلى الله عز وجل، إذا رأى من يقع في المعاصي والمخالفات، يرحم هذا الإنسان، يرحمه ويُشفق عليه، ويُبذل له النصح والتوجيه بإسلوب لطيف، به يُقبل الحق باللطف واللين والكلمة الطيبة، لا بالعنف والشدة والتنفير عن الحق. والنبي صلى الله عليه وسلم بحسن أخلاقه وبرحمته بأمته، دخل الناس في دين الله أفواجًا. مثل آخر ضربه لنا النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على رحمته عليه الصلاة والسلام بهذه الأمة. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان». فأطاعه طائفة منهم، فأدلجوا على مهلهم فنجوا. وبقيت طائفة أخرى مكانهم، فجاءهم العدو فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، فاتبع ما جئت به. ومثل من لم يقبل ما جئت به من الحق. فهكذا ينبغي أن يكون شعار الداعي إلى الله عز وجل، أن يكون قصده ونيته نجاة الناس من عذاب الله. وما يكون ذلك إلا بالرحمة والشفقة عليهم، ويكون ذلك بتعليمهم وبيان الحق لهم بإسلوب لطيف جميل حسن، مع رفق ومحبة. فإذا وجدت هذه الصفات في الداعية إلى الله عز وجل، فحري أن يستجيب الناس له. جاء أن أبا الدرداء مر على رجل قد أصاب ذنبًا، فجعل الناس يسبونه. فقال لهم أبو الدرداء: «أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ أليس تتعاونون في استخراجه من هذا البئر؟» قالوا: بلى. قال لهم: «لا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله عز وجل على العافية. لا تسبوا أخاكم، كلنا ذو خطأ، وكلنا ذو زلل، وكلنا ذو غفلة. لكن من يحرّك هذه القلوب، ومن يردها إلى علام الغيوب؟ إن لم يكن الدعاة الرحماء الرُفقاء بعباد الله عز وجل». وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيمًا رفيقًا، حتى بالكفار، كان يطمع في إسلامهم وفي نجاتهم من عذاب الله. ففي الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وفي لفظ: «أشهد لك بها عند الله». انظر إلى رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بعمه، لأنه كان كافرًا. تحيّن هذه الفرصة، لأن المريض في الغالب يكون في حال ضعف. فجاءه النبي عليه الصلاة والسلام، وعرض عليه الإسلام، وأن يترك دين آبائه، دين الشرك والكفر. ولكن ما كان من هذين الجليسين إلا أن قالا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟». فمن حرص النبي عليه الصلاة والسلام ورحمته بعمه، أن كرر عليه هذا ثلاث مرات: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وهو يقول له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» حتى مات على الكفر والعياذ بالله. انظروا إلى حرص النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك ذلك الغلام اليهودي الذي كان مريضًا، فجاءه النبي عليه الصلاة والسلام، جاءه إلى بيته، تحيّن هذه الفرصة، وهذا من رحمته عليه الصلاة والسلام وشفقته بأمته، سواء كانت أمة الدعوة أو أمة الإجابة. فقال له: «يا غلام، قل لا إله إلا الله». وكان عنده أبوه، فنظر إلى أبيه كالمستأذن منه. فقال له أبوه: «أطع أبا القاسم». فقال هذا الغلام: «لا إله إلا الله». ففرح النبي عليه الصلاة والسلام فرحًا شديدًا، وقال: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». هكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل، لا يحمل الحقد والكراهية والبغض للناس، وإن كانوا من الأعداء. بل يحب أن يدخل الجميع في دين الله، وأن يكون الجميع على المحجة البيضاء وعلى الصراط المستقيم. لأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهذا من الرحمة. وقد قال الله عز وجل واصفًا نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. رؤوف رحيم، من رحمته عليه الصلاة والسلام أن يشق عليه ما يشق على أمته. فلذلك لو نظرت في سنته عليه الصلاة والسلام، كم ترك من أعمال يستطيعها ويقدر عليها، خشية أن تُفرض على الأمة. لو لا نشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، عند كل وضوء. لربما يريد أن يطيل في الصلاة، كما جاء عند الترمذي قال: «إني لأدخل في الصلاة وأريد أن أطيل فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز فيها». يعني يقصر الصلاة. قال: «كراهية أن يشق ذلك على أمته». كراهية أن يشق ذلك على أمته. وهكذا لما قال ذاك الرجل: «يا رسول الله، إني لأترك صلاة الغداة من أجل فلان، لما يطيل فيها». فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، لم يرَ الصحابة قط غضبًا في موعظة كهذه الموعظة. ثم قال: «إن منكم من نفرين، فإذا صلى أحدكم فليخفف، فإن وراءه الصغير والكبير وذا الحاجة». انظر إلى رحمته عليه الصلاة والسلام بهذه الأمة. يقول العلامة ابن سعدي رحمه الله: «إن الشريعة كلها مبنية على الرحمة، في أصولها وفروعها، وفي الأمر بأداء الحقوق، سواء كانت حقوق الله أو حقوق خلقه». ثم قال رحمه الله: «فإذا تأملت هذه الشريعة في المعاملات، وفي الحقوق الزوجية، وفي حقوق الوالدين والأقربين والجار، لوجدت أنها مبنية على الرحمة». ثم قال: «فلقد وسعت هذه الشريعة برحمتها وعدلها الصديق والعدو». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فإذا يا عباد الله، هذا أصل عظيم من أصول هذا الدين، بل كما سمعت، الشريعة كلها قائمة على هذا الأصل. فتراحموا فيما بينكم. ولذلك كان المحدثون إذا بدأوا في مجلس التحديث، يبدأون بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي رواه الترمذي وغيره، وحسنه العلامة الألباني. وما يسمى بالحديث المسلسل بالأولوية: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». لماذا يبدأ المحدثون والعلماء بهذا الحديث في مجالسهم؟ قال العلماء: «لأن أصل هذا العلم قائم على الرحمة، يرحم العبد به نفسه بتلقي هذا العلم، ويرحم غيره بدعوة الناس إلى هذا العلم». كما بدأنا كلمتنا في قول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «إن أهل السنة أعلم الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق». فيجمع أهل السنة بين العلم والرحمة. فعلم بلا رحمة لا ينتفع صاحبه به، ولا ينتفع غيره به. ورحمة بلا علم، لربما كانت سببًا للزلل والخطأ والعاطفة. لأنه ليس معنى رحمة الخلق أن تكون أيها الداعي إلى الله سلبيًا، لا تنكر منكرًا، ولا تنصح مخطئًا. وإنما المراد بالرحمة أن توصل الحق، لكن برفق ولين ومحبة للمنصوح. ولا أحب أن أطيل، فأنتم متشوفون ومتشوقون لكلام شيخنا أبي عبد الرحمن حفظه الله تعالى. فكلام العالم ليس ككلام طالب العلم، وكلام الراسخ ليس ككلام غيره من طلاب العلم المبتدئين. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، والحمد لله رب العالمين. تفضل شيخنا حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخص سبحانه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر لنا في هذه الزيارة لهذا المسجد الطيب المبارك، مع إخوة لنا وأحبة كانت بيننا، ولا زالت أخوة وتعاون على خير وبر وتقوى. وكذلك عمل من أعمال الصالحة في باب الدعوة والتعليم. فجزى الله خيرًا كل من ساهم بمثل هذه المجالس الطيبة المباركة. ونخص بالشكر والذكر لأخينا وابننا محمد بالباني حفظه الله تعالى، إمام هذا المسجد الطيب المبارك. نفع الله به، وجعلنا وإياه وإياكم والسامعين والحاضرين مفاتيح خير، مغالق شر. ودفع عنا وعنكم وعن الجميع كل سوء وضر. أيها الأحبة، حقيقة المحاضرة والكلمة هي لأخينا الشيخ أبي معاد حفظه الله تعالى، وهو من إخواننا وأحبابنا الذين نفع الله عز وجل بهم نفعًا عظيمًا، سواء في هذه المدينة المباركة، أو كذلك في الديس وما حولها، بل في الساحل وفي اليمن عمومًا. وهكذا دعوة أهل السنة، دعوة رحمة، تدعو الناس بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعو الناس إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رحمة مأخوذة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام ومواقفه وأفعاله، وسيرة أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. هذه الرحمة التي بها حصل هذا الخير في هذه المعمورة. بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، وليس معه إلا حر وعبد. وما هي إلا أيام قليلة، وبعد معاناة ومحنة وشدة، إلا ونصره الله عز وجل نصرًا عظيمًا عميما. خرج من مكة مطرودًا، أوذي من معه، ولا يخفى علينا العهد المكي، كيف عامل الكافرون المشركون أهل الإيمان والإسلام. قتلوا من قتلوا، وصلبوا من صلبوا، وعذبوا من عذبوا. ولا يخفى علينا ما فعل بآل عمار وآل ياسر، بسرة عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه. لا يخفى علينا ما فعلوه ببلال، وما أدراك ما بلال رضي الله عنهم وأرضاهم. سيرة مليئة بأنواع من الصبر، وذلك شدة كانت من الكافرين، حتى يأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تأذوا أذية كبيرة كثيرة من الكافرين، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ على جدار الكعبة. فيقولوا: «يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟ أما ترى ما نحن فيه؟» فينظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: «لقد كان بمن كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، فما يرده ذلك عن دينه من شيء. وينشر بالمناشير من مفرق رأسه، فما يرده ذلك عن دينه من شيء. ولكنكم قوم تستعجلون». أوذي النبي صلى الله عليه وسلم حتى كادوا أن يقتلوه، فجاء أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه من معه، فدفع المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كادوا أن يقتلوه عليه الصلاة والسلام. فيقول: «أتقتلون رجلًا أن قال ربي الله؟» ومكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم المكر الشديد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. يخرج يدعو الناس إلى الله، إلى دين الله، إلى دين الرحمة، ويجازونه بأن يسلطوا عليه السفهاء والمجانين والأطفال، فيرمونه بالحجارة، كما وقع له حين خرج إلى أهل الطائف رضي عليه الصلاة والسلام، وهو ليس مع أحد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فخرج وحيدًا عليه الصلاة والسلام، وقد لقي ما لقي من شدة. فما هي إلا أيام وشهور وأعوام يسيرة، إلا ونصره الله سبحانه وتعالى، فرجع مؤزرًا منصورًا، وفاتحًا لمكة عليه الصلاة والسلام. فماذا كان منه عليه الصلاة والسلام؟ هو الذي أُوذي، هو الذي كاد أن يُقتل، هو الذي عُذّب وأُوذي، وأُوذي أصحابه، وعُذّب من عُذّب، وقتل من قُتل. ومع ذلك ما كان منه إلا أن عفا عنهم عليه الصلاة والسلام، بمثل هذه المواقف. دخل الناس في دين الله أفواجًا. قال عليه الصلاة والسلام حين رجع، وهو واقف على رؤوسهم، والمشركون في غاية الخوف، ماذا يصنع بهم عليه الصلاة والسلام، وهم قد صنعوا ما صنعوا، ويعلمون ما صنعوا. فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وعفا عن كل من ترك السلاح. فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ترك وضع السلاح فهو آمن». إلى آخر ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. فهذا هو خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، رحيم حتى بالكافرين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. رحمة لكل شيء، حتى الحيوان. وقع وأصابه من رحمته عليه الصلاة والسلام. ينظر إلى طير فيقول: «من أفزع هذه بأطفالها؟» فيغضب على أصحابه حين أخذوا بعض أبناء الطير منه. وهكذا كذلك في الحرب، يجد امرأة تبحث عن أطفالها، فيخبرهم برحمة الله سبحانه وتعالى، وأن الله أرحم بعباده من هذه بطفلها أو بابنها. ومواضع رحمته ورفقه بهذه الأمة عليه الصلاة والسلام أكثر من أن تُحصى. ولكن المقصود والشاهد من هذا أيها الأحبة، أن ديننا العظيم يدعو إلى أن نتخلق بالأخلاق الكريمة، وأن كذلك نقتدي بما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلقه الكريم ورحمته الواسعة. فهو الذي وصفه الله عز وجل بقوله جل وعلا: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فلم يكن فضًا ولا غليظًا، ولكنه كما وصفه الله أنه رؤوفًا رحيمًا عليه أفضل الصلاة والتسليم. فيا أيها المسلم، ويا أيها السني، ويا طالب العلم على وجه الخصوص، ليكن من أولويات ما نستخدمه في أنفسنا، وفي أسرنا، وفي مجتمعاتنا، الرحمة والرفق واللين والحكمة التي تُكسر بها القلوب، وتُقرّب فيها البعيد، ويكون بها قوة أهل الحق بتآخيهم وتراحمهم وتعاطفهم. ولن تأتي الرحمة إلا بالرحمة. وفي السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، بإسناد صحيح، وهو الحديث الأول الذي يُحدّث به المُحدّثون، الحديث المسلسل بالأولوية: «الرحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». الرحمة تُورث رحمة، والغلظة تُورث غلظة. الرحمة تُورث أمثالها من أبواب الخير، وكذلك أبواب الفضل. ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف هذه الأمة بأنها أمة رحمة وتراحم. بل وصفها الله عز وجل بذلك، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. هذا هو حال أهل الإيمان، كالجسد الواحد في التراحم والتعاطف والتواد والاتحاد. وهذا هو الذي يجب، وهذا الذي ينبغي أن يسعى له، أن يكون أهل هذا الدين وأهل هذه الدعوة المباركة وأتباع النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، جسدًا واحدًا متعاونًا متراحمًا متعاطفًا متكاتفًا، تكون به قوته وسلامته، وتكون به كذلك رفعه في هذه الدنيا، وكذلك بالدار الآخرة. ولذلك إذا وقع شيء، فإنهم يقومون قومة الجسد الواحد. ولعله جاء وقت الأذان، أذّن مؤذنكم إن شاء الله. بعد الأذان، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، تتمة لهذا الموضوع الهام، نذكر بعض مواضع الرحمة التي ينبغي أن يعتني المسلم بها عمومًا، وصاحب السنة وطالب العلم خصوصًا. مواضع الرحمة كثيرة، وكما تقدم معنا أدلة وأمثلة وشواهد. هذا كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن مواضع الرحمة، وهو من أهم المواضع، ونذكر أهم المواضع على وجه الاختصار، بما يناسب الزمان والمكان. الرحمة في الدعوة إلى الله، فالرحمة في الدعوة إلى الله من المواضع المهمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلم، وهكذا كذلك صاحب السنة وطالب العلم، من باب أولى أن تكون مقتديًا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الرؤوف الرحيم في دعوته. بل بالأنبياء والرسل من قبله عليهم الصلاة والسلام، فهم الذين صدروا في دعوة أممهم رحمة بهم، وشفقة بسوء العاقبة التي قد ترد عليهم. فهذا نوح عليه الصلاة والسلام دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومع ذلك رجى أن الله عز وجل يتجاوز عمن يستطيع أن يشفع له. فلما أراد أن يشفع لولده، ما كان من الله عز وجل إلا أن أخبره بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. فرحمة الأنبياء والرسل تقدم جانب العفو والمسامحة عن جانب المعاقبة والانتقام. رحمة الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدعوة، تعلمنا أن لا نرد السيئة بالسيئة، بل أن نرد السيئة بالحسنة. كما قال الله عز وجل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فمقام الدعوة إلى الله يحتاج من الرفق والحكمة والرحمة ما يكون سببًا في هداية المخالفين، من كافرين أو كذلك منحرفين بسائر أنواع طوائفهم. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، كما مر معنا فيما وقع مع أهل مكة، وكما مر معنا كذلك فيما وقع مع أفراد من المشركين. وهكذا كذلك الداعي إلى الله، سواء أكانت الدعوة مع الأقربين، وهذا من أول ما ينبغي أن يعتني به المسلم، أن يدعو نفسه وأهله وأسرته ومن حوله، الأقرب فالأقرب. كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. فأنت يا أيها المسلم، ويا صاحب السنة، ويا طالب العلم على وجه الخصوص، تحرص على الدعوة بهذه القاعدة العظيمة، أن تُغلّب وتُقدّم جانب الرحمة والرفق والحكمة، بما يكون به فتح القلوب وفتح العقول وفتح كذلك البلاد وصدور العباد. ولو تأملنا أمر انتشار هذا الدين، لو أجدنا أن انتشاره بالحجج والبراهين وحسن الخلق والتأسي بآداب القرآن، كان من أعظم ما كان به دخول الناس في هذا الدين، أعظم من دخولهم بالسيف والسلاح. وانظروا إلى تاريخ هذه الأمة، من يوم ما بُدئت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. بل ها نحن نرى في زماننا هذا، وقد تع