الدرس في آداب الغضب 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية التأسي برسول الله في التعامل مع الغضب ويذكر قصة الأعرابي الذي تطاول على النبي. يبين الفرق بين الغضب المحمود والمذموم.
ينبغي للمسلم عند الغضب أن يتحلى بمكارم الأخلاق مثل كظم الغيظ والعفو عن الناس. كما أن الوضوء وسيلة نافعة في تسكين الغضب.
تناول حكم الوضوء عند الغضب حيث ذهب بعض العلماء إلى أنه سنة بينما يرى آخرون أن له أساس طبي في تهدئة الانفعال. يُعتبر الماء وسيلة لعلاج الغضب.
يشير إلى انتهاء الحديث مع الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام ويظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا الفصل، إخواني في الله، في هذا الأدب، في بيان ما ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتعامل به متى ما ابتلي بنوبة غضب، إذ أن الشرع راعى هذا المقام، وذلك بذكر بعض الأمور من أقوال وأفعال وأحوال ينبغي أن يبادر إليها أهل الإسلام حتى تحد من غضبهم ومن فعالاتهم. وكان من باب التذكير فيما سبق ذكره ما يكون أولًا: للابتعاد عن كل سبب، ثانيًا: ما يكون من تذكير الفضائل، ثالثًا: ما يكون من معرفة أن هذه من صفات أهل الشجاعة والقوة والرزانة، رابعًا: التذكير بالمخاطر والعواقب، خامسًا: الاستعاذة من الشيطان، سادسًا: ما يكون من تغيير الوضعية والهيئة، وسابعًا: ما يكون من أمر السكوت وإلزام الصمت وعدم الكلام في ساعة الغضب. وهذه مسائل قد مرت معنا مع ذكر أدلتها. كذلك مما يذكر وهو الثامن في هذا المقام من العلاجات التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم عند غضبه: التأسي برسول الله عليه الصلاة والسلام. فكم من مواقف وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام كان فيها يستثار الغضب، وكان بإمكانه عليه الصلاة والسلام أن ينفذ غضبه بما آتاه الله من قوة ومن شجاعة، وبما آتاه الله من محبة في قلوب الخلق، لو ربما استعدى بمن حوله على من أغضبه، إلا أنه عليه الصلاة والسلام ما كان ينفذ غضبه. والقصص والوقائع كثيرة جدًا، ومن تأمل في سيرته ومن تأمل في شمائله يرى من ذلك الشيء الكثير. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أعرابيًا مر على رسول الله عليه الصلاة والسلام فجبذه بردائه جبذة شديدة، أي جرة، وأخذه بثوبه عليه الصلاة والسلام، لكن ليس بالأخذ اللطيف، بل جبذة شديدة. حتى قال أنس رضي الله تعالى عنه: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي عليه الصلاة والسلام، وصفحة العاتق هي ما بين العنق والكتف، أي من شدة الجذبة. قال أنس: فنظرت فيها فإذا هي قد تأثرت، أي من شدة ما كان من السحب والجر. فماذا قال هذا الرجل؟ هل اكتفى بهذا الفعل مع رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ بل قال: «يَا مُحَمَّدْ يَا مُحَمَّدْ مُرْلِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ». ليس فقط تطاول على النبي بفعله، بل حتى بقوله: يا محمد، من غير نداء بالنبوة والرسالة. والأمر الثاني بعد ذلك أمره أن يصرف له مال. قال أنس: فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، صلوات ربي وسلام عليه. قال: فضحك، ثم أمر له بعطاء. هذا الموقف إذا نظر إليه كل أحد منا، ما الذي سيجلو له؟ يجلو له ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من السماحة. وكم هي الحالات والوقائع التي على هذا المنوال يُبتلى عليه الصلاة والسلام بمواقف لو أننا ابتلينا فيها لكان لنا شأن آخر. إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الأنام، كيف كان يتعامل معها؟ ضحك، ثم أمر له بعطاء. هذا غضبه عليه الصلاة والسلام. إن كان لنفسه كان يكظم الغيظ، لكن إن كان غضبه لله جل في علاه فالأمر يختلف. وقد أشرنا إلى هذا في أوائل مسائل الغضب، وأن الغضب ينقسم إلى قسمين: غضب محمود، وهو ما كان لله ولسبيل الله ولدين الله، وما كان من غضب مذموم، وهو للنفس. فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا الغضب لنفسه فاحتمله، لكن بالمقابل إن كان الغضب لله فإن النبي لا يتهاون في هذا الباب. لا يتهاون في هذا الباب، وهذا الذي عكس عندنا نحن. نحن في واقعنا وفي عشرتنا ومعاملاتنا مع غيرنا نعكس. إذا رأينا أن أحدًا تطاول علينا في ديننا لربما أغضبنا الطرف عنه، ولربما سكتنا، ولربما ما بالينا حتى. لكن إذا استعدي على أموالنا وعلى أنفسنا وعلى ذواتنا لربما احمرت الأنوف واشتدت الأمور. وهذا العكس الذي ينبغي أن نكون عليه. فنبينا عليه الصلاة والسلام إن غضب لنفسه كظم، ولكن إن غضب لله نفذ. فما كان يأخذه في لومة الله لائم عليه الصلاة والسلام. فكان يغضب إذا انتهكت حرمات الله. ومرت معنا نماذج كيف أن النبي لو ربما خطب وحمر وارتفع صوته يحذر ويغلظ القول على من خالف شيئًا من أمر الله. لكن في حق نفسه فكان الأمر على خلاف ذلك. إذن هذا الأمر الثامن، إخواني في الله، ينبغي لكل واحد منا في ساعة غضبه أن يتأسى برسول الله، ولكم في رسول الله أسوة حسنة، فهو قدوتنا وهو إسوتنا عليه الصلاة والسلام. تاسعًا مما يذكر من الأسباب التي ينبغي أن نبادر إليها في حالة غضبنا وانفعالاتنا: التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. فهذا وقته، وهو عند ساعة الغضب. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. هذا الذي يعاشر الخلق بمحاسن ومكارم الأخلاق، إذا كان الطرف الثاني قصر فهو لا يقصر. لربما ابتليت يا عبد الله بمن يسيء إليك، بمن يتطاول عليك، من لربما يستثير غضبك، لكنك تدفع بالتي هي أحسن. وهذه من أعظم أخلاق الإسلام وأخلاق أهل الإيمان. أنك يا عبد الله تكظم الغيظ، ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. هذه الدرجات العلى: تكظم غيظك، تبتل برجل أحمق سفيه لربما يستثيرك في عبارة أو بمقولة، فأنت يا عبد الله أكظم. وانظر للتعبير القرآني: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، الغيظ موجود، الغضب موجود، ما أحد يستطيع أن يبعد الغضب عن قلبه. الغضب هذا أمر جبلي. من استغضب فلم يغضب فهو حمار، قالها السلف. الغضب شيء موجود مدفون في النفوس. أغضب تغضب، كل يغضب، لكن السؤال: كيف التعامل مع الغضب؟ أكظم. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. كظم هذا من أحسن مكارم الأخلاق. كظم الغيظ ما أجمل ذلك. ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ لأنك أحيانًا تكظم الغيظ، لكن تبقي هذا الموقف في بالك وفي خلدك وفي صدرك، تجعله يحوك في نفسك. أنت كظمت الغيظ، لم تضرب، لم تسب، لم ترد السيئة بالسيئة، لكن هذا الموقف لا زال في نفسك. قال الله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. اعفو، اعفو، لا تجعل هذه المزلة أو حالة الغضب التي وقعت من فلان وفلان تبقى في نفسك، بل أخرجها من قلبك وسامح. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي عامل هذا الخصم بالإحسان. سبحان الله، هو خصمي، هو خصمي، آذاني، دخل في حالي، تكلم في عرضي، ومع ذلك: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، عامله بالإحسان، كأنه من أسبق الناس معك، كأن شيئًا ما كان. هذه مراتب العليا، مراتب عليا ما يصلها إلا الخُلص من عباد الله جل وعلا، وهي ترفع بك يا عبد الله إلى مراتب العالية. فإذن مما ينبغي أن يراعيه المسلم عند الغضب أن يتحلى بمكارم الأخلاق، وخاصة بخلق الحلم، أن تكون حليمًا. لأن الحلم يدور على ضبط النفس. كن حليمًا في ساعة غضبك، حاول أن تتحلى بالحلم قدر المستطاع، لأن فيه ضبط النفس. ولهذا قال من قال من الناس: لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب. تريد أن تعرف هل أنت من أهل الحلم؟ والحلم، إخواني في الله، من الأخلاق المحبوبة المندوبة. كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». فالحلم خلق محبوب. كل منا يدعي أنه حليم، لكن إذا أردت أن تعرف المعيار، انظر إلى نفسك في ساعة الغضب. فإذا وجدت أنك قد تمالكت نفسك، فاعلم أن الله قد وهب لك هذا الخلق العظيم. عاشرًا، إخواني في الله، وبه أختم المقام، من الأمور التي يذكرها العلماء عند ساعة الغضب: الوضوء. أنك تتوضأ وضوءًا شرعيًا، الوضوء للصلاة. فقد جاءت أدلة تدل على أن هذا الأسلوب يعد أسلوبًا نافعًا في تسكين الغضب. ومن ذلك ما جاء عند أبي داود قال عليه الصلاة والسلام: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ». هذا الحديث، وخاصة المقطع الأخير في قوله عليه الصلاة والسلام: «فإذا غضب أحدكم»، إشارة إلى أن الغضب إن ابتلينا به، فالعلاج الناجح له بماذا؟ بالوضوء، فليتوضأ. والمقصود بالوضوء الشرعي. وهذا تنزل منه مسائل. من هذه المسائل قال العلماء: ولو كنت متوضئًا، مثال: الآن بعد الظهر أنت على وضوء، صليت الظهر، خرجت إلى الشارع، جاء لك موقف استفزك واستثارك، فبدأت عندك حالة الغضب، هل أتوضأ؟ قل: نعم، توضأ. يقول: أنا متوضئ. قل: لا، توضأ. هل الوضوء الآخر متعلق بهذه السنة بتسكين الغضب؟ وهذا الحديث كذلك الوضوء هنا ليس وجوبًا، وإنما ندبًا. ولهذا يقول الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: إن ثبت هذا الحديث، فإنما الأمر به ندبًا. إذا ثبت، إن ثبت هذا الحديث، فإن الأمر به ندبًا، ليسكن الغضب. ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يوجب الوضوء منه. أي: ما أحد قال بالوجوب. لكن هنا نبقى عند قول ابن المنذر رحمه الله: إن ثبت هذا الحديث. وهذا الذي أريد أن أصل إليه، هذا الحكم وهو الوضوء عند الغضب يعتمد على هذا الحديث. بقي هذا الحديث ثابتًا أم ليس بثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قد وقع خلاف بين العلماء، إذ أن هذا الحديث مداره على عروة بن محمد السعدي، وهو من عمال عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وعروة بن محمد السعدي قد تكلم فيه، ما وثقه سوى ابن حبان. زد على ذلك ضعفه الحافظ بن حجر رحمه الله، فقال في التقريب: مقبول. وهذا الحديث ضعفه الإمام النووي رحمه الله، وهكذا العلامة الألباني. فهذا ثلث من العلماء على تضعيف الحديث بأنه لم يثبت عن رسول الله. طبعًا هذا ليس مجمعًا على تضعيفه، وإلا هناك جماعة من العلماء على تحسين هذا الحديث، وأن له شواهد تنهض به. إذن هذا الحديث تم فيه اختلاف. بقي مسألة أشير إليها: يرى جماعة من أهل العلم إلى أن الوضوء عند الغضب ليس فقط من باب حكم شرعي. لا نقول: بل نقول الطائفة الثانية: ولو ضعفنا هذا الحديث، ولو قلنا أن الحديث ما ثبت، لكن عندي مسألة طبية، مسألة من ناحية طبية. بغض النظر عن الناحية الشرعية، ما هي الناحية الطبية؟ يقولون في علم الطب: على أن الغضب من حيث أنه غضب هو انفعال، انفعال، تدفق للدم، حرارة في الجسم، هذا معروف. لا يمكن لأحد يغضب وهو بارد. لا يمكن لأحد أن يغضب وهو بارد، بل تجد فورانًا، يثور لشدة تدفق الدم فيه، فيحمر ويغضب ويرعد وتغلظ عروق بدنه ورقبته. تأتي الحرارة تظهر جلية في حالة الغضب. فقال العلماء: فهنا فما يعالج هذه الحرارة إلا بالضد، وما هو ضد النار؟ وما هي ضد الحرارة؟ الماء ضد الحرارة. الماء، قالوا: إذن نرى أن من غضب فليستخدم الماء. إن شاء توضأ، وإن شاء اغتسل. ويذكر هذا جماعة من أهل العلم. ولو اغتسالًا يغتسل. فإن الاغتسال والوضوء والماء بشكل عام يطفئ من فوران الدم ويخفف من حدة الغضب. ولهذا كثير من أهل العلم من يشير إلى هذه المسألة، إلى أن علاج الغضب يكون بالماء، يكون بالماء. أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه على هذا، الشيخ العثيمين رحمه الله، جماعة من العلماء. بغض النظر الحديث ثبت أو لم يثبت، يقول: نحن نعالج من ناحية طبية، من ناحية طبية. وهذا معروف حتى من الحالات النفسية والعصبية إلى الآن تعالج بالماء، تعالج بالماء، بالاغتسال ونحو ذلك. فإن الاغتسال له دوره في ماذا؟ اعتدال الجسد، اعتدال البدن والجسد. فهذه المسألة الأخيرة، وهي عاشرًا: علاج الغضب بالماء، هي تقوم على مسألتين: إما تقوم على الحديث النبوي، وهذا يدور على صحته وعلى تضعيفه، وقد علمتم الخلاف الوارد فيه. وإما من الناحية الصحية الطبية، فالعلماء يرون هذا، وأن هذا أمر واسع، ولا غضاضة في ذلك. وقد جرب هذا، وقد جرب هذا. وقد ذكر عن قصص ووقائع عن بعض العلماء أنه غضب فاغتسل فأذهب الله عنه هذا الغضب، وهي ناحية طبية. فهذه إخواني في الله عشرة مسائل أو عشرة أمور تم تناولها في دروس خلت مع درس اليوم حول أهم الأشياء التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة إذا انتابته ساعة الغضب. وهناك مسألة قد نختم بها المقام في درس غد بإذن الله، متعلقة بأحكام الغضب. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.