الدرس في آداب الغضب 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن آثار الغضب على الأيمان والطلاق، ويوضح آراء العلماء في اعتبار أيمان الغضبان وطلاقه. يبين أن هناك ثلاث مراتب لغضب المطلق تؤثر على الحكم الشرعي لطلاقه.
يناقش حكم الطلاق في حالة الغضب الشديد مع بقاء العقل، ويوضح الخلاف بين العلماء حول وقوع الطلاق في هذه الحالة. يشير إلى آراء ابن تيمية وابن باز وابن عثيمين في المسألة.
يتناول حكم طلاق الغضبان والموسوس والممسوس، ويؤكد على عدم وقوع الطلاق إذا كان صاحبه فاقدًا للعقل. ينصح بعدم التلاعب بلفظ الطلاق وعدم نشر الفتوى التي تقول بعدم وقوع طلاق الغضبان على الملأ.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يؤكد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، كان حديثنا عن الآداب التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة في أثناء غضبه، وقد أطلنا النفس في تتبع العلاجات والآداب التي جاء ذكرها ووردت في دين الله جل وعلا. وإن مما يناسب ذكره ختامًا لآداب الغضب أن نقف عند مسألة، ويحقيق أن نقف عندها، وهي مما لها تعلق بدرس الغضب، في معرفة الآثار المترتبة على الغضب. وقد مر معنا سلفًا أن المسلم في حال غضبه ينبغي أن يراعي ردة الفعل، سواء كانت قولًا أو فعلًا، لأن ما يكون من ردة فعله سينبني عليها أحكام. ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان»، متفق عليه. لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان، لماذا؟ لأنك يا أيها القاضي، ويا أيها الحكم، في حال غضبك لن تتخذ القرار الحاسم النافع الذي يناسب القضية، لأنك منشغل بالانفعالات التي ابتليت بها. ولهذا نهي الحكم والقاضي على أن يحكم بين اثنين في فترة غضبه، كل ذلك إبعادًا له من أي تصرُّف ينشأ في حال الغضب. والأحكام والآثار المترتبة كثيرة في حال الغضب، لكن يهمني في هذا المقام أن أشير إلى مسألتين إثنتين، ألا وهما الأيمان والطلاق، وأتحدث عنهما باختصار، لأنها من أعظم المسائل التي يكثر السؤال عنها وتعم بها البلية. يقول أحدهم: أنا طلقت وأنا غاضب، وأنا غضبان، أو حلفت على يمين وأنا غضبان، فما هي الآثار المترتبة على هاتين المسألتين؟ أولًا، ما يتعلق بالأيمان، وهو الحلف. أحيانًا يأتي سؤال أو يقوم بعض الناس بالحلف على شيء: والله لأفعلن، أو والله لأفعل، يحلف باليمين المؤكدة، لكن هذه اليمين خرجت منه عند غضبه، عند ثورانه، عند هيجانه. هل هذه اليمين تنعقد بحيث يلزم بها، وإن لم يلتزم بها يجبر بكفارة يمين، أو أنها ملغية؟ الأصل، إخواني في الله، أن الأيمان إذا نطق بها صاحبها يلزم بها. واختلف العلماء في هذه المسألة التي بين أيدينا في أيمان الغضبان. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الرجل إن حلف على شيء في حالة غضبه، أن هذه اليمين لا تنعقد. واسدلوا بقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، للعلماء في لغو اليمين عدة تفاسير، ومنها ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه فسر لغو اليمين بأنها يمين الغضبان، كما روى ذلك الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره بإسناده. قال ابن عباس: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان، فحكمها: لا يؤاخذ الله بها. إلا أن هذا الأثر المروي عن ابن عباس فيه ضعف. وقد ذهب إلى هذا القول الإمام مالك رحمه الله تعالى، فيما اشتهر عنه، إلى أن من إحدى روايات المذهب على أنه لا يعتد بأيمان من الغضبان. وهذا مال إليه كذلك جماعة من المالكية. وقد نقل ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب، وقد قال به طاووس، وجماعة من أهل العلم، إلى أن أيمان الغضبان لا تنعقد، وخاصة إذا لم يكن مدركًا لهذه الأيمان التي خرجت من فمه. المسألة الثانية، يا إخواني في الله، وهي التي يهمني في هذا المقام ذكرها، ما يتعلق بالطلاق. طلاق الغضبان، كم وكم نسمع عن مشاجرات ومشاحنات تمت بين الأزواج، وهرج فيها الانفعالات، ودخل فيها الشيطان، وانتهت بالطلاق والفراق. فيأتي السائل بعد ذلك يسأل: هل هذا الطلاق ينعقد؟ هل المرأة تكون بائنة من زوجها أم لا؟ خلاصة هذا المبحث، إخواني في اللغة، أطال العلماء النفس، بل أُلِّفت مؤلفات لهذه المسألة. وخلاصة الجواب لمسألة طلاق الغضبان أنها تعود إلى ذكر صور الغضب عند الطلاق. والعلماء جعلوها على ثلاث مراتب. من طلق عند غضبه، فهو لا يخرج عن ثلاثة مراتب، فلينظر كل مطلق في حال غضبه إلى هذه المراتب الثلاث، ثم يأخذ الحكم الشرعي. الصورة الأولى من صور الغضب: ما لو أن رجلًا طلق طلاقًا في ساعة غضبه التي لم يشعر بها، بحيث قد فقد عقله، ولم يملك زمام نفسه ولا أمره، بل لا يدري أهو في السماء أم في الأرض. وهذه من أعظم صور الغضب، يشتد عليه الغضب، فما يدري أين هو. تحمر عليه الدنيا، تصفر، لربما يغمى عليه. حتى ذكر عن بعض الناس من شدة غضبه يتشنج، يغمى عليه. في هذا الغضب، وهذا الهيجان، قد يصدر من هذا الغضبان الطلاق. يغضب، يتشنج، ويغلق على عقله، فلا يدري أهو في السماء أم في الأرض، بل ما يدري من الذي أمامه، أهي زوجة، أهي أم، أهي أخت؟ ما يدري من شدة الغضب. فإن طلق، حتى يذكر عن بعضهم إذا طلق، فإذا هدأ الغضب يقال له: يا رجل، طلقت؟ ما طلقت. لا والله ما طلقت. يراجع. نحن شهود على هذا المحضر، على هذا المجلس، سمعنا منك أنك طلقت. الزوج يقول: لا والله، هذا صاحي، كيف أطلق أم العيال وزوجتي ورأس مال؟ ما أطلق. هذا مستحيل. يعني دل على أنه في حال غضبه قد خرج عن نطاق الإدراك. هذا بالإجماع لا يعتد طلاقه، لأنه كالمجنون الذي زال عقله، الذي زال عقله، فلا عقل معه. الصورة الثانية: من كان طلاقه في بداية غضبه، في بداية الغضب، دخل في مشاجرة مع زوجته، كلمة بكلمة، سبه بسبه، مشاجرة، مخاصمة. علم أن الأمر ما ينقضي إلا بالطلاق، فقال: أنت طالق. أخرجها، وهو يستشعر هذه الكلمة، قد عقلها في عقله، ووزنها، وعلم أن هذه الحياة بهذه الصورة مع تكرار المشاكل لن يستمر، وما هناك تأديب إلا الطلاق، فقال: أنت طالق. طبعًا هذا الطلاق حدث مع من حدث معه في حال غضبه. هل هذا الطلاق يعتد به؟ الجواب: نعم، يعتد به بالاتفاق، بإجماع أهل العلم، أن هذا الطلاق معتبر، ولا إشكال فيه أصلا. يعني وأكثر حالات الطلاق متى تكون؟ إخواني في الله، هل رأيتم أحد يضع رجل على رجل، ويضع يده خلف رأسه، ويتكأ، ويضحك، ويقول: يا بنت الحلال، أنت طالق، وهو فرح؟ لا، ما أحد يفعل هذا أصلا. ما أحد يفعل هذا. الطلاق يكون في غضب. وهذه أكثر الحالات تقع مشاحنات، مخاصمات، سباب، شتائم، لعن، ردت فعل، فيغضب الرجل فيطلق، لكن طلق وهو يستشعر بالذي خرج من فمه، وهو يريد هذا، يريد هذا. هذا حكمه: الطلاق واقع، والمرأة تبين من زوجها. وبهذا نعلم، إخواني في الله، أن ليس كل غضب معفو عنه. تأجيل بعض الناس يقول: أخي، أنا طلقت وأنا غضبان، وإيش تريد من هذا السؤال؟ يعني أنا طلقت وأنا غضبان، يعني خلاص، معفو، لا. مو كل غضب يعني يعفى عنه. فهذه الصورة من صور الغضب تعتد وتعتبر وتحسب عليك تطليقًا في ذمتك. **الصورة الثالثة**: وهي إذا كانت حالة الغضب كما يعبر عنها العلماء وسط، يعبر عنها العلماء بين بين، لا هي من الحالة الأولى التي يُخَذ عقلك، فتكون كالمجنون، لا، وليست كالصورة الثانية، وهي التي ماذا في مبادئ الغضب، بل هي وسط. رجل غضب غضبًا شديدًا، غضبًا شديدًا، لربما يضرب من غير شعور. نفعل. وهذه الكلمة موجودة في صدره، يحاول أنه يصارعها أن لا تخرج، لكن ما در إلا قد خرجت، خرجت منه هذه الكلمة. ولهذا تجده بعد هذه التطليقة يندم ويتندم. يقول: اختق الله، طلقت. يقول: والله ما أرد هذا، لكن خرجت، خرجت. أي حاول أنه يمنع نفسه، ولكن من شدة الغضب. وقد مر هذا معنى أن أحيانًا الغضب يخرج الإنسان عن طور نفسه، فيفعل الأفعال ليست بإرادته، أنا من فعل الشيطان. فأحيانًا تخرج هذه الكلمة، وما أرادها، لكن خرجت، وهو يعلم أنها موجودة، لكن خرجت. هو يستشعر بها، لكن هناك من يدفعه دفعًا. قالها حين إذا قالها، علم أنه وقع في ورطة، وهو ما يريد أن يقولها، بخلاف من كان في مبادئ الغضب، له يريدها، وزنها، وجعلها في الكفة، وعقل عواقبها، وأراد منها التأديب، وأخرجها. هذا يعقل. الثالثة: لا هو يعرف خطر هذه الكلمة، لكن مع شدة الغضب خرجت، وما أرادها أن تخرج. ثم ندم. نجم على هذه المسألة. هذه الحالة الثالثة، وهي الوسط، هذا الذي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم. وافهم الخلاف في هذه المسألة. جمهور العلماء على أن هذا الطلق واقع، واقع، بما أنك علمت بمضارها، وأنها تجوب وتجول في صدرك: أنا عليك أن تمسك زمام نفسك، لكن بما أنك أخرجتها، فهي تقع. وخاصة أنك تملك العقل، بخلاف المسألة الأولى، من زال عقله، لا يستشعر، لا يدري أين هو، هذا أمر آخر. لكن أنت تعلم وتعرف، لكن ما استطعت أن تستولي على هذه الكلمة، لكنها خرجت، فهي محسوبة عليك. وهذا مذهب جمهور العلماء. وبالمقابل، طائفة من أهل العلم لم يحسبها تطليقة، هذه الصورة الثالثة. ولهذا يقول العلم ابن القيم رحمه الله تعالى، عندما ذكر الصورة الثالثة، قال: وهذا محل نظر. النظر واضح، لماذا؟ لأنه عقله معه، وليس معه زمام نفسه بيده، وليس بيده، هو مشكل. فهو لا يدرك لا يصل لدرجة الأولى، ولا يصل لدرجة الأخيرة، فهو وسط. فقال ابن القيم: قال، وهذا محل نظر، وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي، متجه. وعدم الوقوع، أي أن الطلاق في هذه المسألة لا يقع. ومن قال به، فهذا متجه. وممن ذهب إلى هذا المذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ورجح ذلك الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وحقق ذلك ابن عثيمين رحمه الله. فهؤلاء جل من أئمة العلماء قديمًا وحديثًا يرون أن طلاق الغضبان بهذه الأوصاف لا يقع، وهو في حق من اشتد غضبه، لكن بقي معه عقله، إلا أن هذه كلمة خرجت، وما أراد أن تخرج، خرجت، وما أراد أن تخرج. فهذا محل خلاف. فالذي عليه فتاوى العلماء، جمهور العلماء: يقع طلاقًا. وأما من نقلنا عنهم، كشيخ الإسلام، وابن عثيمين، وهكذا سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى. وأذكر فيما أذكر في فتاويه رحمه الله: سئل عن مشاجرة تمت بين الزوج مع زوجتيه، شاغبوه، وشاكسوه، وآذوه، وتآمروا على ضربه، فقام بضربهما، وشتمهما، وطردهما، وتطليقهما. ثم ذهب إلى الشيخ ابن باز، وهو في حالة الغضب، قال: يا شيخ، ماذا ترى في حالتي؟ قال: ما رأيت أحلم منك، ارجع إلى زوجتيك. فما هذا بطلاق، لأنه اعتبر الوضع الذي كان من شدة الغضب لا يعد طلاقًا، لا يعد طلاقًا. وهكذا ابن عثيمين رحمه الله تعالى قد حرر هذه المسألة على أن هذا لا يقع طلاقًا، واستدل بما جاء في السنن من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا طلاق في إغلاق»، لا طلاق في إغلاق. وقد فسر الإغلاق هنا بساعة الغضب، لأن الغضب إذا استمكن واستحكم، فإنه يغلق على الإنسان قصده وإرادته ونيته. ومن هنا أدخل العلماء في هذه المسألة: طلاق السكران، وطلاق المجنون، وطلاق المكره. كل هؤلاء يدخلون في هذا الحكم، بأن طلاقهم لا يعد طلاقًا. وهنا، إخواني في الله، أختم هذا المبحث بهذه التنبيهات، وخاصة فيما يتعلق بطلاق الغضبان. أولًا: المسألة كما ترون خلافية، خلافية، فلا يفرح بها أحد. وأعني بهؤلاء من يتساهل في أمر الطلاق. المسألة خلافية، جمهور العلماء يرون أن طلاق الغضبان يقع، وأنك مهما بررت ومهما اعتذرت، فإنك، فإن طلاقك يقع، يقع، إلا كما قلنا في حالة الغضب الشديد، وهذا نادر، هذه مسألة نادرة. تغضب بمعنى لا تدري أنت في السماء أم أنت في الأرض، لا تفرق بين زوجتك وبين أمك وبين أختك، ما تدري من الذي أمامك، لا تستشعر بالذي خرج منك، هذا حالة نادرة. إن وقعت، نعم، بالاتفاق لا يعتد. وما عداها، فإن جمهور العلماء يعتدون بطلاقك. فالمسألة ليس تحتاج إلى تساهل. المسألة الثانية: احرص، يا عبد الله، على السكوت. وقد مر هذا معنى: إذا غضب أحدكم فليسكت. اسكت، كما قلنا في مشاجرة، في مشاحنة بين أهلك، بين زوجتك، بين أبنائك، لا تحلف، لا تأتي بالأيمان، لا تأتي بالطلاق، وأنت في ساعة الغضب. فالنبي قال: «إذا غضب أحدكم فليسكت». أمسك عليك لسانك. حتى بعد ذلك لا تندم في ساعة لا ينفع فيها الندم. وكم سمعنا، وكم تأتينا من اتصالات: أنا طلقت وأنا غضبان، وأنا ما أردت، وأنا ما قصّرت. وما الذي ألجاك، يا عبد الله، إلى الطلاق أصلا؟ لماذا تفتح فمك وأنت غضبان؟ اسكت. فهذا أبرأ لدينك ولذمتك، وأحرص على الحفاظ على حياتك الدينية والدنيوية. فالسكوت، السكوت، يا عبد الله، في ساعة الغضب. ثالثًا: مما يذكر في هذا المساء، كذلك على القول بأن طلاق الغضبان يقع أو لا يقع، يدخل في ذلك كذلك كل من خرج عن نطاق العقل. فمن خرج عن نطاق العقل، فكما أن طلاقه لا يقع، كل ما تفرع عن هذه المسألة لا يقع طلاقه، مثل الموسوس، مثل المسحور، مثل الوسواس القهري. هؤلاء حكمهم حكم من أغلق على عقله. رجل مسحور، سحر، ويدخل في ذلك الممسوس، يدخل في ذلك المسروع. يطلق في حال تشنجه ومسه وتخبط الشيطان فيه، هل يقع طلاقه؟ الجواب: لا، لا يقع طلاقه، لأنه بلا عقل. كذلك الموسوس، والوسواس شعبة من الجنون، كما قال السلف. رجل موسوس، لو ربما في اليوم الواحد يطلق زوجته عدة مرات. ينظر إليها، ويفكر: هذه زوجتي، ولا طلقتها بالأمس، طلقتها بالأمس. يقول: أخي، تعدد، وأنا شاك، فيشك، أنا ما طلقت. فأصبح موسوسًا، يصبح ويمسي على الطلاق في فمه وفي عقله. هذا هل يعتد بطلاقه؟ الجواب: لا، الموسوس لا يعتد بطلاقه. كذلك مثل صاحب الوسواس القهري، الذي يسمع إملاءات بأنك قد طلقت، وأنك قلت لزوجتك: ذات مخرجي، ما أريدك. أنت أردت بهذه الكلمة أردت أن تطلقها. هذا الطلاق ما يجب أن تقربها. فلا يزال في دوامة في عقله، يتلاعب به الشيطان تحت هذا الوسواس القهري. هل هذا يعتد بطلاقه؟ الجواب: لا، لا يعتد بطلاقه. يقول إمام أحمد رحمه الله تعالى: قال: كل من كان صحيح العقلي، فزال عقله عن صحته، فطلاقه ليس بطلاق. هذا من زال عقله، سواء كان بجنون، أو كان بغضب، أو كان بالسحر، أو كان بمس، وكما كان، نحو ذلك. كذلك مما أنبه عليه في هذا المقام، إخواني في الله: لا تجعل الطلاق على لسانك. ما أدري ما هذه المشكلة عند بعض الأزواج، يجعل كلمة الطلاق عند كل مشاجرة، أول ما يدخل في الخصومة مع زوجته، أول كلمة في القاموس: طلاق. يجعلها في باله. هذا أول السلاح سيحارب به. يعني يجعل الشتم واللعن في آخر مفردات، أول شيء الطلاق. بدأ في معركة مع زوجته، مع سوء فهم، يبدأ في خاطر كلمة الطلاق، ويجعلها على طرف لسانه، ويفكر فيها الآن، وهو يتشاجر معه، ويفكر: ها تخرج الكلمة، ولا ما تخرج؟ في هذه المباراة تخرج، ولا ما تخرج الكلمة؟ ثم مرت المرحلة بسلام. ثم بعد فترة جاءت مشاجرة، يأتي بالكلمة في القاموس الأول، وينتظر متى تخرج. أعوذ بالله، ما وجدت إلا هذه الكلمة تبحث عنها، حتى تجعلها في قاموس عندك: سب، عندك شتم، عندك لعن، وما هذا لا يجوز. لكن هذا أهون من الطلاق. ومثل ذلك، إخواني في الله، الحلف بالطلاق، كما نسمع من بعض الناس. هذا الحلف بالطلاق، هذا شيء عنده مثل الماء: علي الطلاق بالله، الطلاق، وعلي الطلاق إلا دخلت، إلا خرجت، علي الطلاق إلا أكلت. حتى على أشياء تافهة، على أشياء هينة: دخل مطعم على فول، ما فول، علي الطلاق إلا تأكل على فول. يا رجل، لو قلنا: لحم، وليمة تستحق العناء، على فول، علي الطلاق. ولا على لعب، ولا على ذهاب، ولا على الدخول، ولا على أخر، ولا على كوب شاي. هذا سفاهة، حماقة، حماقة. فإذا حلف بعد ذلك، وصديقه لم يرتض بحلف، وذهب، ولا أصبح يسأل: يسأل العلماء والمشايخ: إيش حكم هذا الطلاق؟ إيش حكم هذا الأيمان؟ علي الطلاق، وما الذي ألجاك إلى كلمة التطليق، يا عبد الله، أصلا؟ فالله، الله، وهذا من التلاعب بآيات الله. التطليق في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل مضمار وميدان. هذا إشارة إلى عدم التعظيم لشعائر الله. وهذا من التلاعب بآيات الله، التلاعب بلفظ الطلاق، أن تجعل في كل صغيرة، وفي كل كبيرة. المسألة الأخيرة، وهو المسألة الرابعة، وأختم به المقام: هناك مسألة تربوية أشار إليها جماعة من أهل العلم، على القول بأن الطلاق إذا كان من الحالة الثالثة، له من الأعلى، وله من الأدنى، وإنما هو وسط، لرجل تعجل، وما أراد أن يخرج الكلمة، فخرجت عن غير قصده. فكما سمعت من العلماء: من قال أن الطلاق لا يعتبر، لا يعتبر، ولا يعتمد. قال: ومع ذلك لا نرى أن تنشر هذه الفتوى على الملأ، على العامة، والقاصي والداني، وتشهر وتنشر. لماذا؟ قال: لأن سيكون فيها تلاعب كثير من الناس. كثير من الناس. ولهذا يقول بعض العلماء: قال: أن من المسالك التربوية هناك السياسة الشرعية. فإن جاءك رجل ممن تعلم أنهم من الأخيار، من المستقيمين، ممن هو صادق في قوله، وجلس عندك، وأقبرك بقصة: أنا غضبت، غضبت، ما استطعت. ومع شدة الغضب خرجت هذه الكلمة، والله ما أرد أن تخرج. وجلس أيامًا، وليس له، وأنا ناجم عليها. تفكك أسري، وستفترق العيال والأزواج. هذا على القول الذي يقوم به العلماء، قل: طلاقك لا يعتبر، ارجع لأهلك، وكفاك الله شر الفرقة. قال: لكن هذا المستقيم. لكن إن جاءك رجل متلاعب، مخادع، متنطع، لا يعرف حق الله عز وجل، وقالك: والله، يا شيخ، أنا والله طلقت، وأنا غضبان، غضبان. هل تعطيه هذه الفتوى؟ قال: لا، تمنعه، ولا طلاقك حاصل، طلاقك حاصل. لماذا؟ لأن هؤلاء ما يصدقون في حديثهم، ويجعلون هذه الفتوى التي أفتاها جماعة من العلماء ذريعة فيطلق في اليوم عدة مرات، ويقول: أنا غضبان، ويطلق: أنا غضبان، وأنا غضبان. ويتعلق على هذه الفتوى، وأصبح الطلاق ماذا؟ لعبة. ولهذا فالصحيح مع القول، ومع من يقول بهذا المذهب الأخير، وهو أن طلاق الغضبان فيه التفصيل الثلاثي، يرون أن هذه الفتوى لا تشهر، ولا تنشر، وإنما تعطى لمن يستحق، لمن كان صادقًا، لمن كان صادقًا، حتى لا يجعل هذه ذريعة. ولهذا، إخواني، فلا ينبغي التفطن لهذه المسألة. فهذا الذي أحببت أن أذكره، وأختم به مجالس آداب الغضب، لأنه من المسائل التي يحتاج إليها كثير من الناس، وخاصة في فهمها والتعامل معها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.