الدرس في آداب المزاح 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الاستهزاء بالناس حرام وهو من صفات المنافقين، ويجب على المسلم تجنب السخرية بإخوانه المسلمين. نهى الله عن الاستهزاء في القرآن الكريم.
المزاح الذي يتضمن ترويعًا أو تخويفًا لا يجوز، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلمين والإشارة بالسلاح في المزاح. هذا النوع من المزاح يسبب الخوف والقلق للناس.
يجب تجنب الأذية في المزاح، وعدم التخويف أو الترويع، والالتزام بضوابط المزاح لتجنب الأذى وتطييب الخواطر. يُستحب الدعاء والصلاة على النبي محمد للاستفادة من الدروس.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لابد في هذا الباب في ذكر الضوابط والقيود التي بها يتقيد المسلم والمسلمة في باب المزاح، منها أولًا أن يكون حقًا، وثانيًا أن يكون قليلًا، وثالثًا أن يختار الوقت والمكان المناسب، ورابعًا أن لا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله. ونأتي في هذا المقام إلى الضابط الخامس، وهو الاستهزاء بالناس. قد مر معنى أن من ضوابط المزاح أن لا يكون فيه استهزاء بالله وآياته وبمعالم الدين، فالمعنى أن دون ذلك من الاستهزاء يجوز، كالاستهزاء بالناس مثلًا. الجواب: لا، الاستهزاء بالله ورسوله وبآياته كفر ناقض من نواقض الإسلام كما مر معنا، إلا أن الاستهزاء بالناس حرام، لا يجوز أن تتخذ الناس سخرية واستهزاء تتضاحك عليهم، وهذا بنص القرآن، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكون خيرًا منهم﴾. فربنا سبحانه وتعالى حرم السخرية، لا يجوز السخرية والاستهزاء والاستهتار بإخوانك المسلمين، والسخرية والاستهزاء نوع من أنواع المزاح، إلا أن فيه مقصد الاحتقار ومقصد الأذية. ولهذا يقول إمام بن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: قال المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم والاستهزاء بهم، وهذا حرام ويعد من صفات المنافقين. هذا حرام ويعد من صفات المنافقين، لأن السخرية هو عبارة عن شيء من صور المزاح، لكنه مبني على الاستصغار والاحتقار. ولهذا تجد مثلًا أن بعض الناس ربما ينظر لغيره من أصحابه وزملائه أنهم دونه إما في الوجاهة، وإما بالمال، أو دونه في النسب، أو دونه في الفهم والعقل، أو دونه من حيث الناحية الاجتماعية إلى غير ذلك، فلعلوه في نفسه واستصغاره لغيره يتخذ هذا الغير محل السخرية ويضحك عليه. فإذا وجده مثلًا في مجلس من المجالس يبحث عنه، تعالي اجلس بجنبه، فإذا جلس بجنبه كال عليه بالضحك ويضحك الناس عليه، هذا لا يجوز، هذا سخرية حرام. إذا كان الأذية فقط، وهذا يجعله بعض العلماء ضابطًا لوحده، لكن نذكره في هذا المقام، إذا كان المزاح فيه نوع أذية هذا لا يجوز. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا، لا يجوز أن تؤذي أحدًا، بل قال ربنا: «والله يكره أذى المؤمن»، ما يجوز أن توصل أي شيء من الأذية لإخوانك المسلمين. فإذا وجد مسلمًا أذى من هذا الطريق الذي وصل إليه هذا حرام، فما ظنك إذا كان هذا الطريق مع أنه نوع أذية، فيه كذلك احتقار واستصغار، فهذا إثم بعد إثم وذنب على إثر ذنب. فما ينبغي إخواني في الله أن تجعل المزاح ينبني على هذه القضية، على قضية الاستهزاء والاستهتار والسخرية بالآخرين، سواء كان بقولك ولفظك، أو كان بحركاتك، كأن تضحك على مشية فلان، تقلده بحركاته، تقلده بفعله، بركوبه، أو بطريقة كلامه، وتريب ذلك الضحك عليه والاستهزاء بفعله وسلوكه، كل هذا حرام. فالمزاح يا عبد الله لابد أن ينضبط، فلا يكون المزاح على حساب أن تؤذي غيرك بأن تضحك عليه وأنت تطاول عليهم. ويدخل في هذا الباب مما أود أن أشير إليه ما هو أعم من هذه المسألة، وخاصة مع وجود هذه النعرات القبلية والنعرات العصبية والإقليمية، حتى أصبح بعض الناس يأتي بالنكت على قرية وعلى قبيلة. أنا من آل فلان، وتلك القبيلة من آل فلان، وبينهم ما بينهم من الحسد ومن العراك، فإذ به يستغل باب الضحك في تأليف النكت عليهم، هذا في باب القبائل، أو قول كذلك على مستوى الدول، للأسف على هذه الخدعة التي أوقعها الاستعمار بين أهل الإسلام، هذه دولة بحدود، وهذه دولة بحدود، وهذه دولة بحدود، وهذه خدعة استعمارية فرقت بين المسلمين. وإذ بعض الناس تنطلع عليه هذه الخدعة، ويرى أنه دولة ذات سيادة، فإذ به يكيل العداوة على البلد الأخرى، فيأتي بالنكت، كان يا ما كان في رجل من آل فلان، أو من قبيلة فلان، أو من بلد فلان، ويأتي بالنكت ويضحك عليه، وهذا هو والآخر في البلدة الثانية بالمثل يأتي بالنكت على البلدة الأخرى، وهكذا الكل يتضاحك على الآخر، وهذا مبني على الاحتقار والاستصغار وهذه السخرية، وهذا لا يجوز. الضحك ولا التضاحك في هذا الباب، فإن هذا من المزاح المحرم الذي لا يجوز. كذلك مما يذكر إخواني في الله من آداب المزاح حتى ينضبط: أن لا يكون في هذا المزاح شيء من أنواع الترويع، والترويع بمعنى التخويف. المزاح الشرعي هو المزاح الذي فيه تطيب الخواطر، هذا الذي لأجله شرع المزاح، تطيب الخواطر، إذهب السآمة والملل من النفوس. تجد أن المزاح يعتبر كعامل نفسي لإراحة النفس والصدر، أهم شيء أن يجعل المزاح على عكس ما شرع له، فجعل المزاح مسألة إدخال الخوف والفزع والقلق في قلوب الخلق، هذا ما يجوز، هذا ليس بمزاح أصلًا. ولهذا جاءت الأدلة على تحريم هذا النوع من أنواع المزاح. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن من يحدثه من أصحاب رسول الله، قال: أنهم كانوا أي الصحابة يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم أي في سفر، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع. القصة واضحة، فعلًا يفعلها بعض الناس، يعني هذا وجد نائمًا فجاء بعض إخوانه بحبل وجعلهم مدلى عليه يشعر أنه ماذا؟ أنها حية، وأنها عقرب، أو أنها أفعى، ففزع هذا الرجل، وحق له أن يفزع، وإي واحد يفزع إذا وجد شيء يعني يسير عليه وهو في سفر يتوقع أنه وهو خاص يشبه يشبه في سيره سير الأفعى، فظن الرجل أنها أفعى حقًا ففزع. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا»، هذا لا يحل، مع أن هذا الرجل ما أراد إلا الضحك والدعابة والملاطفة والمؤانسة مع أخيه ومع منهم معه في سفر، لكن على هذه الطريقة، على طريقة الترويع والتخويف، هذا لا يحل. قال العلماء: والترويع هو التخويف، وهذا الباب إخواني في الله تدخل فيه عدة مسائل أبتلي بها كثير من الناس عند إرادة الضحك والتضاحك مع الغير، وكلها تدخل في مسألة الترويع والتخويف، منها حمل السلاح، تجد بعض الناس يتضاحك وجه الضحك السلاح، سبحان الله، تجد إما يحمل نبل سهم عنده رمح أو سكين ويحاول أن يناوط على أخيه سأطعنك، وذلك مسكين خائف. وهذا يضحك لأن يعرف أن الذي يريد هو التخويف فقط ما يريد أن يطعن أخاه، حاشا أنا ما أرد قتله، هو لا أرد شيء، لكن مداعبة، فيأتي بسكين يأتي بسيف ويحاول هنا وهنا وهنا ويخوف صاحبه. ومثله إخواني في الله في هذا الزمن المسدسات، ربما يدخل على أصحابه يأتي بالسلاح، فالناس يخافون من هذا الفعل. ولهذا حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا النوع من أنواع المعاملة، ولو كان الغرض من ذلك الضحك والممازحة. ولهذا ثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار»، لا يفعل هذا. وأنتم تعلمون وقد علم بعضكم نهاية المطاف لمثل هذه الدعابات، وأنا قد علمت من بعض الناس هكذا مع أخيه يحاول أن يمزح يأتي بالمسدس ويظن أن هذا المسدس غير محشو، غير محشو، فإذ برصاصة تنطلق كما حدث عن بعض الناس يلاعب يلاعب أخاه فضغط ويظن أنها ستأتي بصوت لأنه ليس بمحشي، فإذا هو محشو فتنطلق رصاصة تدخل بين عينيه فيرى أنها قطرة دم فيزيل قطرة الدم فإذا بالدماء قد لصقت في الجدار قتله مداعبة ما كان يظن. ويدخل الشيطان في هذا الباب، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده». وكم من رجل معه سهم مثلًا ويرى أنه فنان في إصابة الهدف فيضرب يرمي بالسهم ويريد هذا السهم أن تكون بجانب أخيه، فإذا به تأتي في أخيه في قلبه وفي صدره فيقتله، هذا كله لا يجوز. أصل المزاح بالسلاح لا يجوز، لأن فيه نوع تخويف، ابتعده عبد الله عن هذا، وإلا كم من دعابة قامت على هذا الفعل فكان أمره بكاء، بكى الكثير من الناس. ومثل ذلك السيارات ومثله الدراجات، يحاول أنه ماذا معه سيارة أو دراجة يحاول أن يخوف أخاه فيأتي بقربه ويفحط تفحط في هذا على سيارة كاملة تأتي عند قدمي أخيك ويريد تخويف. ثم ما يدري عبد الله أن السيارة تخونك مع هذه السيارات الصيني أو هذه الدراجات التقليدية، الأمر ليس بيدك ينفلت الأمر عن يدك، فإذا ثواني أو خطوة تتقدم عن أخيك تقتله. وقد صار كم من قتل قد وقع بين الرجل وأخيه بباب الممازحة يمازح في سيارة الاعتراض بالدراجة فكان المؤدي وفاته. فلا تعبث يا عبد الله بالمزاح في باب التخويف، ما يكون تخويف مزاحًا أصلا، التخويف ترعيب. إذن هذا وجه من أوجه التخويف ما يكون بالسلاح وما كان حول ذلك، أو ما يكون من كذلك من استغلال الفجأة. وهذا كذلك نوع من أنواع المزاح، من يستغل مسألة الفجأة فكان يختبئ، وهذا نجده كثيرًا بين الأولاد ونحو ذلك، يختبئ وراء الباب يختبئ وراء السارية. فإذا ظهر ينقب عليه فيرتعب، ما تريد من هذا خوفته، المزاح تخويف، أو مثله كذلك الفجأة ما يكون في الليل، من يستغل الليل في بيته يعني يختبئ خلف غرفة فيخوف إخوانه أو داخل محل أو في شارع أو في طريق ويعلم أن أحدًا يمر يقول الآن سأفعل له هذا شيء فيختبئ يظهر شيء يأتي أو يلبس القناع المخيف أو يلبس أشياء تذعر الناس، هذا لا يجوز. هذا كله من باب التخويف، ويدخل في هذا الحديث «لا يروع لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا»، فهذا كذلك لا يجوز لأنه من باب التخويف. وهكذا قل كما أن التخويف حرام بالفعل، كذلك حرام باللسان، حتى باللسان يحرم التخويف، مثاله أنك تأتي بأشياء أخبار مفزعة وأنت تريد من هذا الخبر المفزع أن ترى ردك فعل صاحبك فقط حتى تضحك. طبعًا أخي أخوفته، فإذا الرجل بعض الناس يصدق الأخبار، تأتي بخبر موهم بخبر قد يكون كذب وهو ما لا يجوز، لكن هذا كذب مع إثم آخر، وأنت تريد من هذا الخبر المفزع أنك تنظر إلى ردة فعل أخيك، تكشف أن أخاك جبان وأنه خواف، فتقول أصعب أنظر أسأفعل له مقلب أنظر كيف يكون وجهه كيف يكون ردة فعله، فتأتي بخبر مفزع حتى تنظر إلى ردة فعله، هذا لا يجوز. لأن هذا المزاح إنما قام على التخويف، فكل مزاح قام على التخويف قام على الترويع لا يجوز. مثله أيضًا مما يذكر في هذا الباب ما يكون من الخطف، خطف الأشياء، يأتي بعض الناس مثلًا يبحث عن مفاتيح الدراجة مفاتيح البيت ما يجده أو مبلغ من المال وضعه في محل مكان معين فلا يجده أو وضع سيارته في مكان فاختفت السيارة عليه، والرجل يخاف مال يذهب عليه خوف. فلربما انفعل لربما بحث لو مرأ أسأل الناس يتصل بالشرطة يا أخوة عندي بلاغ ضاع عليه سيارة ضاع عليه مال، فإذا به وإذا تكبر الموضوع، ثم يظهر في الآخر مطاف أن أحدًا من الناس أراد أن يبحك عليه وأن يبحك معه، يقول والله سيارة معي كيف معك والله وجدت القفل هنا أخذته يوم الأيام وطبعت القفل وعندي نسخة منه وأخذت السيارة لكي أفعل لك هذا الأمر. الأمر هذا لا يجوز، والنبي قد نهى عن ذلك نهيا شديدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لا عبا ولا جادا»، رواه الترمذي وهو في صحيح الترغيب، «لا يأخذن أحدكم» الأخذ والخطف لا تجوز بأي حال، قال عليه الصلاة والسلام: «لاعبا ولا جادا»، لاعبا الممازح الممازح هذا لا يجوز. أنك يا عبد الله تأخذ أشياء من إخوانك أو من أهلك أو من أولادك بقصد، بقصد الضحك والتضاحك عليه، فالنبي قد نهى وسد هذا الباب لما يجلب هذا على نفسية المسلم من الخوف والقلق. وكما قلنا المزاح إنما جاء لتطيب الخواطر لا لتعكيرها، لا لتعكيرها. وأكثر ما يعكر هذه الأنفس ما يكون من هذا النوع من أنواع المزاح، أن يكون قائم على الخوف والفزع. وللأسف مع هذه المسائل الواضحة في أدلة الشرع، لكن تجد الناس، ولا أقول عامة الناس، بل على مستوى وسائل الإعلام عندنا، هذه البرامج التي تخرج على الناس في التلفاز تحت ما يسمى مقالب أو ما يسمى بالكاميرا الخفية، وتقوم على هذه المنهيات، تقوم على هذه المنهيات على خطف، على فجأة، على سرقة أشياء، على أخبار مفزعة، كل ذلك حتى يضحك الناس على ردة الفعل، وهذا كله لا يجوز. فإذن إخوانا في الله، من هذا الدرس نفهم أن من الضوابط التي ينبغي أن يتقيد بها الممازح: أن لا يكون في مزاحه أذية، وذلك من باب التخويف والترويع. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.