خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1440هجرية

الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1440هجرية، وكانت بمصلى المنصورة الجديدة بالشحر ألقاها

فضل شهر رمضان والخطبة

الخطبة تذكر بفضل الله على المسلمين بإكمال صيام رمضان وتبرز أهمية الطاعة والتقوى. تشير إلى مرور الأيام وانقضاء العمر وتأثير ذلك على الإنسان.

أهمية قبول الأعمال الصالحة

ينبغي للمسلم أن يحرص على قبول الله لأعماله الصالحة وأن يستمر في فعل الخير. يبين الخوف الذي كان عند السلف من عدم قبول أعمالهم مع إقبالهم على طاعة الله.

الاستمرار في الطاعة بعد رمضان

يجب على المسلم الاستمرار في طاعة الله بعد رمضان وعدم الاغترار بالأعمال الصالحة. يستحب الاستغفار بعد الفراغ من العبادة والتوفيق للطاعة هو فضل من الله.

ختام رمضان والدعاء

يستحب الدعاء بطلب التوفيق لطاعة الله والاستمرار في الأعمال الصالحة وقبول الصيام والقيام. يدعى بإعادة رمضان بالصحة والعافية والإيمان.

التفريغ النصي الكامل

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين، إنكم في هذا اليوم العظيم من أيام أهل الإسلام، يوم عيد الفطر الذي يفرح فيه المسلمون بنعمة الله جل وعلا عليهم، أنعم عليهم بإكمال صيام شهر رمضان المبارك وإكمال عدته، فيخرجون إلى مصلاهم لأداء صلاة العيد مكبرين لربهم وحامدين وشاكرين له بما أنعم عليهم وتفضل به عليهم. قال الله جل وعلا: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾. ويقول سبحانه: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. عباد الله، كنتم في شهر رمضان المبارك تصومون نهاره وتقومون ليله وتتقربون إلى الله بأنواع الطاعات والقربات، ترجون ثوابه وتخافون عقابه، فمرت تلكم الأيام وانقضت تلك الليالي، ولن تعود إليكم، ويبقى لكم ما قدمتم فيها من أعمالكم. وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين. عباد الله، إن مرور الأيام والليالي لهي انقضاء من أعمار الإنسان وحياته، تنقص من عمره وتقربه من أجله، وتحفظ فيه أعماله خيرها وشرها ليجازى عليها يوم القيامة، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. ويحذركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد. معاشر المسلمين، حل عليكم شهر رمضان المبارك لترجعوا إلى ربكم وتنيبوا إلى خالقكم وتتقربوا إلى الله جل وعلا بأنواع الطاعات ومختلف العبادات، وتبتعدون عن معصية الله جل وعلا ومخالفة أمره، وتتربى فيه هذه النفس على طاعة الله جل وعلا ولزومها، وتتغلبون على النفس الأمارة بالسوء، فلا تنقضي أيام شهر رمضان المبارك إلا وقد ألفتم الطاعة وكرهتم المعصية وتربيتم على الأخلاق الفاضلة. فلذلك، عباد الله، ينبغي للمسلم الذي وفقه الله جل وعلا لهذا الخير ومن عليه بهذه الأعمال الصالحة أن يلزم فعلها وأن يستقيم على المداومة عليها، وأن يبتعد عن معصية الله جل وعلا ويكون في منأى بعيد عنها، فإن ذلك من علامات قبول العمل الصالح أن يتبع بعمل آخر، وأن يلزم المسلم طاعة ربه سبحانه وتعالى. فإن الغاية العظيمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلم وأن يحرص على تحقيقها أن يتقبل الله جل وعلا أعماله، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾. ولذلك كان السلف يخافون على أنفسهم غاية الخوف أن لا تقبل أعمالهم، مع أنهم من أشد الناس خشية لله وإقبالًا على طاعة الله جل وعلا. وفيهم يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. جاء في مسند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «يا رسول الله، أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟» قال: «لا يا عائشة، ولكنه المؤمن يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه». هذا هو حال المؤمن الصادق المخلص في أعماله المتقي لله جل وعلا. قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: «إن المؤمن جمع إحسانًا وخوفًا، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا، المؤمن يخاف ويخشى الله ما إحسانه للأعمال، والمنافق يسيء العمل ومع ذلك فهو في أمن من مكر الله جل وعلا». قال عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله: «أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه النفاق». ويقول إبراهيم التيمي رحمه الله: «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكذب». ويقول مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله: «أتمنى أو يقول اللهم تقبل مني صلاة يوم أو صوم يوم أو اكتب لي حسنة عندك». فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾. فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تحرص على أن يقبل الله جل وعلا عملك، فتأخذ بالأسباب التي تعينك على قبول الأعمال، ومنها أن تدعو الله جل وعلا بصدق وإخلاص وذل وتضرع بين يدي الله جل وعلا أن يتقبل أعمالك. قال الله جل وعلا: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. وقال الله جل وعلا عن امرأة عمران: ﴿قالت ربي إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم﴾. وهكذا أن تستغفر الله جل وعلا بعد فراغك من العمل والعبادة والطاعة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ثم ما افيضوا من حيث أفاض الناس واستغفر الله إن الله غفور رحيم﴾. وفي الصحيح من حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة استغفر ثلاثًا، ثم قال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تبارك يا ذا الجلال والإكرام». وهكذا أن تستحقر العمل الذي تعمله والعبادة التي تتقرب بها إلى الله، فلا تغتر بها، لا تغتر بصلاتك ولا بصيامك ولا بقراءتك وتلاوتك ولا بصدقك وإنفاقك ولا بغير ذلك من الأعمال والطاعات. واعلم أن الله جل وعلا هو الذي من عليك وهو الذي وفقك لفعل الطاعة والعبادة، ولولا توفيق الله ولولا فضل الله جل وعلا عليك لما وفقت لفعلها. قال الله جل وعلا: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت الطائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾. معاشر المسلمين، إنه إذا انقضى رمضان لم تنقض عبادة الله جل وعلا ولم تنقض طاعة الله، ولم تنقض الأعمال الصالحة، فأنت ملزم ومأمور بطاعة ربك حتى تلقى ربك جل وعلا. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ أي الموت. وقال حاكيًا عن عيسى عليه السلام: «وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا» أي مدة حياتي. والله جل وعلا يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. فاحذر أيها المسلم أن تنقلب على عقبيك وأن ترجع إلى القهقرة وأن تترك ما كنت عليه في هذا الشهر المبارك من طاعة الله ولزوم الأعمال الصالحة والابتعاد عن معصية الله جل وعلا. فاحرص على الاستمرار على هذا الخير الذي وفقك الله جل وعلا له، واسأل الله جل وعلا أن يثبتك وأن يعينك وأن يوفقك لزوم الطاعة والاستمرار عليها. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا جل وعلا على لزوم الأعمال الصالحة، ونسأله سبحانه أن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يعيد علينا شهر رمضان المبارك أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، ونحن بصحة وعافية وأمن وإيمان وسلامة وإسلام. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على