الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1437هجرية، ألقاها
يوم العيد يوم عظيم للمسلمين، يجب عليهم الاستمرار في الأعمال الصالحة بعد رمضان. هناك مواسم عديدة للخير مثل الصلوات الخمس.
ينبغي على المسلم الاستمرار في الطاعات بعد رمضان، مثل الصلاة والصيام، وعدم قطع العلاقة مع الله. يجب اتباع الحسنة بالحسنة مع الخوف من عدم قبول العمل.
ينبغي على المؤمن الاستمرار على الطاعات بعد رمضان وعدم الرجوع إلى المعاصي. يجب المداومة على الأعمال الصالحة مع الحفاظ على الحجاب الشرعي.
يوصي الخطيب بالدعاء لإخواننا المتضررين، مثل إطعام الجائع وستر العاري وشفاء المريض. الله يستجيب للدعاء.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن هذا اليوم يوم عظيم من أيام المسلمين، إنه يوم عيد ويوم فرح وسرور، قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجدهم يلعبون في يومين، فسأل عنهما فأخبر أنهما يومًا كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: «لقد أبدلكم الله عز وجل خيرًا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى»، هذا اليوم عباد الله الذي يجزل الله جل وعلا فيه للصائمين جوائز البر والإكرام. يوم تمتلي به القلوب فرحًا وسرورًا، يوم يخرج فيه المسلمون لأداء صلاة العيد، وهم مؤملين من الله جل وعلا أن يأجرهم وأن يثيبهم على ما قدموا من أعمال صالحة في شهر رمضان المبارك، نعم عباد الله يخرجون سائلين الله جل وعلا أن يتقبل أعمالهم وأن يتجاوز عن سيئاتهم وأن يعيد عليهم مثل هذا اليوم، وهم في أمن وإيمان واجتماع على الحق والعبادة وابتعاد عن الباطل والمعصية. عباد الله، كنتم في شهر رمضان المبارك تتقربون إلى الله جل وعلا بالأعمال الصالحة طمعًا في ثوابه وخوفًا من عقابه، فانقضت تلكم الأيام، ولن يبقى لكم إلا ما أودعتموه فيها من خير أو شر، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا منكم ويتخذ منكم شهداء. نعم عباد الله، إن أيام العمر مراحل يقطعها العبد في هذه الدنيا في طريقه إلى الآخرة، فهي تنقص من عمره وتقربه من أجله، ويقطع بها شوطًا من حياته، ويحفظ له ما عمل فيها، ويجازى به في الدار الباقية، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. تمر بنا الأيام تترى، وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر، فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى، ولا زائل هذا المشيب المكدر، أقبل عليكم شهر رمضان المبارك لتقبلوا على الله جل وعلا بالتوبة والأعمال الصالحة، وتتربوا على فعل الطاعات وترك المنكرات، وتأخذوا منه دروس الصبر والتغلب على النفس الأمارة بالسوء، فلا ينقضي هذا الشهر إلا وقد ألفتم الطاعة وكرهتم المعصية وتربيتم على الأخلاق الفاضلة. إذا انقضى شهر رمضان عباد الله لم تنقض مواسم الخير ومواسم البر، فإن هناك مواسم عديدة وأوقات للأعمال الصالحة كثيرة، فهذه صلوات الخمس التي تمر على العبد في كل يوم وليلة موسم عظيم من مواسم الخير ومكفرات الذنوب، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وهكذا في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا»، وهكذا يوم الجمعة فهو موسم عظيم من مواسم الخير، وغيرها من الأوقات المباركة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، ألم تروا ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه»، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فيا من أقبلت في هذا الشهر على طاعة الله جل وعلا، يا من أقبلت على كتاب الله قراءة وتلاوة وسماعًا، فلا تقطع علاقتك به، واجعل لك نصيبًا منه ووردًا من كتاب الله جل وعلا تقرأه أو تسمعه في سائر أيامك وشهورك، ولا تكن ممن قال الله جل وعلا فيهم: «وقال الرسول يا رب إن قومًا اتخذوا هذا القرآن مهجورًا». يا من أقبلت على قيام الليل وتضرعت بين يدي ربك جل وعلا وتذللت له بهذه العبادة العظيمة، اجعل لك نصيبًا منها ولو شيئًا يسيرًا في جوف الليل تسجد بين يدي ربك وترفع إليه حاجاتك، فتكون ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يا من صمت رمضان، اجعل لك نصيبًا من عبادة الصيام، فإن الصيام يستحب في أيام عديدة وكذلك أيضًا في سائر أيام السنة، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم أيامًا فاضلة يستحب صيامها كيوم عرفة ويوم عاشوراء أو كذلك صيام أيام البيض أو الاثنين والخميس، وقد شرع لكم صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان، ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر». وهكذا إذا انقضى شهر رمضان فلن تنقضي عبادة الله ولم تنقضي طاعة الله جل وعلا، فأنت مأمور بعبادته ما دمت تحيا في هذه الدنيا، والله جل وعلا يقول: ﴿اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، ويقول جل وعلا حاكيًا عن عيسى عليه السلام: «وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا». فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تحرص على هذه الأعمال الصالحة التي أقبلت بها على الله جل وعلا في تلكم الأيام، وذلك بأن تتبعها بالأعمال الصالحة، فإن من علامات قبول العمل إتباع الحسنة بالحسنة بعدها، قال علي رضي الله تعالى عنه: «كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل»، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. إن من علامة أهل التقوى والإيمان أنهم يعملون الأعمال الصالحة ويتقربون إلى الله بالطاعات وقلوبهم خائفة ووجلة ألا يتقبل منهم، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ۞ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۞ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ۞ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ۞ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها كما في المسند: «يا رسول الله أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي ويخاف الله جل وعلا»، وعند الترمذي: «يخاف ألا يتقبل منه»، هذا فعل المؤمن وهذا فعل المتقي. قال الحسن البصري رحمه الله: «المؤمن جمع إيمانًا وجمع خوفًا وإحسانًا، والمنافق جمع إساءة وأمنًا»، المؤمن جمع خوفًا وإحسانًا خوفًا من الله وإحسانًا في العمل، والمنافق جمع إساءة وأمنًا أساء في عمله وأمن من مكر الله جل وعلا. فلذلك ينبغي عليك أيها المؤمن أن تكون متصفًا بصفات المؤمنين ممن يخافون الله جل وعلا ويتقربون إلى الله بفعل الطاعات، فلذلك لا ينبغي عليك أن ترجع بعد رمضان أن ترجع إلى القهقرة وأن تترك ما كنت عليه من الخير وما كنت عليه من البر، فترجع إلى فعل المعاصي والذنوب وتنقض ما قد فعلته وبنيته في شهر رمضان، فيكون حالك كحال التي تغزل الغزل حتى إذا أتمته وأكملته رجعت تنقضه وتفسده، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. فلذلك ينبغي أن تكون على حذر عظيم من معصية الله، نعم إذا وفقت لعمل صالح ينبغي أن تلتزم به وأن تعتني به وأن تحافظ عليه، فلا تدري لعل الله جل وعلا أن يقبضك على عمل صالح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله»، قالوا: «وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه»، رواه الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه. نعم يستعمله في طاعته وفي التقرب إليه، فيداوم على طاعة الله ويواضب على فعل ما يحب الله، فيقبضه الله جل وعلا على عمل صالح داوم على العمل ولو كان عملًا يسيرًا، لكن مع المداومة والاستمرار، فيكون له الأثر البالغ والانتفاع العظيم. وعائشة رضي الله عنها تقول: «سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أحب العمل إلى الله، قال: أدومه وإن قل»، أي وإن كان قليلًا مع المداومة والاستمرار، رواه مسلم. وأنتن معاشر النساء اتقين الله جل وعلا وقمنا بما أوجب الله جل وعلا عليكن من طاعته وعبادته، وعرفنا حقوق الأزواج والأولاد، والله جل وعلا يقول: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، احرصنا على الالتزام بشرع الله جل وعلا والمحافظة على ما أمر الله سبحانه وتعالى به من أداء الواجبات والفرائض، ومنها الالتزام بالحجاب الشرعي الذي هو عفة المرأة والذي هو كذلك عزها. ينبغي أن تحرصنا على الحجاب الذي أمر الله جل وعلا به وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فاحذرنا من تقليد أهل الشرق والغرب ولبس العباءات المزخرفة والعباءات الضيقة التي تظهر المفاتن والتي كذلك لا تؤدي المقصود من التستر والعفة، وهكذا كذلك احرصنا على الألبسة العفيفة واحذرنا من الألبسة الضيقة والشفافة، وهكذا كذلك مرنا بناتكن بذلك واحذرنا من التساهل في هذا الأمر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صنفان من أهل النار لم أرهما، وذكر منهما نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها»، إن المرأة إذا قامت بما أوجب الله جل وعلا عليها كان ذلك سببًا في دخولها الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا صلت المرأة خمسها وأحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت الجنة من أي أبوابها شاءت»، رواه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وقراءتنا ودعاءنا وسائر أعمالنا، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر المبارك، اللهم اجعلنا ممن خرج عليه رمضان فبدل سيئاته حسنات وغفر له ما تقدم من ذنبه يا ذا الجلال والإكرام. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولاة أمورنا من خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره، اللهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله، لا تنسوا إخوانًا لكم في الإيمان لربما يعانون في مثل هذا اليوم ما يعانون من ألم الحروب وألم كذلك الفتن والمصائب التي أصابتهم، فلا تبخلوا عليهم بالدعاء لهم أن يرفع الله جل وعلا ما أصابهم من المحن وأن يطعم جائعهم وأن يستر عاريهم وأن يشفي مريضهم وأن يرفع البلاء عن مبتليهم، إنه سميع مجيب الدعاء. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.