الإحسان في العشر الأواخر من رمضان

الخطبة بعنوان الإحسان في العشر الأواخر من رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 رمضان 1440 ﻫ ألقاها

فضل ليلة القدر وخصائصها

ليلة القدر ليلة عظيمة أنزل فيها القرآن وهي خير من ألف شهر، العبادة فيها تعادل عبادة ثلاث وثمانين سنة. الله يقدر فيها مقادير الخلائق للسنة القادمة.

تحري ليلة القدر واجتهاد النبي في العشر الأواخر

يستحب تحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان خصوصًا في الليالي الوترية، وكان النبي يشد مئزره ويوقظ أهله ويحيي ليله بالعبادة. يحذر من البدع والمحدثات في هذه الليالي.

دعاء في العشر الأواخر من رمضان

دعاء يطلب فيه المتكلم من الله أن ينزل عقابه باليهود والنصارى وأعوانهم، ويطلب الخير في الدنيا والآخرة والنجاة من النار. الدعاء ينتهي بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نعيش في هذه الأيام في أيام مباركة وليالي فاضلة وموسم عظيم من مواسم الخير ومواسم المغفرة والرحمة، موسم تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين. موسم فرض الله جل وعلا صيامه، وشرع سبحانه وتعالى فيه القيام وغير ذلك من أعمال البر وأعمال الخير والطاعات التي هي سبب عظيم في تكفير الذنوب والخطايا والسيئات. وها نحن في هذه الأيام نستقبل العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك، التي هي أفضل أيامه؛ لأن فيه ليلة هي خير ليالي السنة، ألا وهي ليلة القدر، التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. أخبر الله جل وعلا أنه أنزل القرآن في ليلة القدر، وهي في رمضان بلا شك ولا ريب؛ لقوله سبحانه: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن»، فخص الله جل وعلا إنزال القرآن في هذه الليلة المباركة يدل على عظم هذه الليلة عند الله سبحانه وتعالى. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أنزل الله جل وعلا القرآن جملة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزله على النبي صلى الله عليه وسلم على حسب الوقائع والأحداث»، إن أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر؟ أي: ما أدراك ما فضلها وما أدراك ما عظم شأنها وعظيم منزلتها عند الله جل وعلا. قال ابن عيينة: «ما قال الله عز وجل فيه: ما أدراك؟ فقد أعلمه، وما قال فيه: ما يدريك؟ فإنه لم يعلمه»، ليلة القدر سميت بذلك؛ قال أهل العلم: لعظيم قدرها وعظيم فضلها وعظيم منزلتها عند الله جل وعلا. فهي ليلة لها قدر عظيم ومنزلة عظيمة، وقيل: لأن العامل فيها يكون ذا قدر عند الله جل وعلا، وقيل: سميت بذلك؛ لأن الله جل وعلا يقدر فيها مقادير الخلائق التقدير السنوي، ما يكون في تلك السنة من إحياء وإماتة، ومن كذلك غنى وفقر، وصحة ومرض. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولا مانع من حمل اللفظ على شائر هذه المعاني. فهي ليلة القدر لعظم قدرها وعظم منزلتها، وهي كذلك ليلة قدر لعظم قدر العامل فيها، وهي كذلك ليلة القدر لما يقدره الله جل وعلا فيها من التقدير السنوي، إن أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر؟ ليلة القدر خير من ألف شهر، أي: العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، وهذا ما يقدر بنحو ثلاث وثمانين سنة عبادة ليلة واحدة. والطاعة في ليلة واحدة خير من عبادة وطاعة ثلاث وثمانين سنة، وهذا لا شك أنه يقدر بعمر إنسان عمر إلى هذا العمر والسن، وهذا لا شك أنه يدل على عظم العبادة والطاعة في هذه الليلة المباركة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ومن عظيم قدرها أن الملائكة تتنزل فيها، ويتنزل بالرحمة، قال الله جل وعلا: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، والروح وجبريل عليه السلام خصه بالذكر لعظم شأنه وعظيم منزلته عند الله جل وعلا. بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر، أي: أن هذه الليلة ليلة سلام، سالمة من الشرور، وسالمة كذلك من الآفات إلى أن يطلع الفجر، منذ غروب شمسها إلى طلوع فجرها، فما أعظمها من ليلة، وما أعظمها من كذلك زمن معظم عند الله جل وعلا. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: «أنه قال عليه الصلاة والسلام عند أن ذكر قدوم شهر رمضان: قال فيه ليلة هي خير ليالي السنة، من حرمها فقد حرم، من حرمها؟ أي: حرم إدراكها وحرم فضلها وخيرها، فقد حرم أي: حرم خيرًا عظيمًا». هذه الليلة، عباد الله، ليلة باقية لم ترفع إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها، وإنما رفع تعيينها وتحديد هذه الليلة؛ كما جاء في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليخبر الناس بليلة القدر، فتلاحى رجلان -أي: تخاصما- قال النبي صلى الله عليه وسلم: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في تاسعة أو سابعة أو خامسة». فأخبر عليه الصلاة والسلام برفع تعيينها، وأن تعيينها قد رفع، لكنها موجودة في إحدى ليالي العشر، فلذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على تحريها؛ كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة، ومن حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، وقال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، فإن أحرى ما تكون ليلة القدر في العشر الأواخر، وأحرى ما تكون في أوتار العشر؛ أي: في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين». فلذلك يستحب للمسلم أن يتحرى هذه الليلة، وذلك بقيام سائر ليالي العشر؛ فإنه لا يكون مدركًا لها إلا إذا قام العشر كلها، فإن من حكمة الله جل وعلا عن أخفى تعيينها؛ حتى يجتهد العبد المؤمن في طاعة الله وعبادته في سائر الليالي، فيعظم له بذلك الأجر، ويعظم كذلك له الثواب. وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتكف في العشر الأواخر؛ حتى ينال فضل هذه الليلة، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده»، وجاء بنحوي من حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف، فيلزم المسجد طاعة الله جل وعلا؛ حتى يتفرغ لعبادة الله وطاعته، ويدرك فضل هذه الليلة المباركة، وهذه الليلة العظيمة التي من أدركها ومن نال فضلها؛ فقد نال خيرًا عظيمًا. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره من الأيام، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره»، أي: أنه إذا دخلت العشر زاد اجتهاده عليه الصلاة والسلام على ما كان في أول رمضان من اجتهاد في العبادة والطاعة؛ لعظم هذه الليالي، ولوجود هذه الليلة العظيمة في هذه الأيام المباركة. وبوب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا قال: «باب العمل في العشر الأواخر من رمضان»، ثم ساق بإسناده من طريق أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله». هكذا تخبر عائشة رضي الله عنها بإجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليالي: أنه إذا دخلت العشر شد مئزره، وهو كناية عن اعتزال النساء وعدم قربهن؛ تفرغا للطاعة والعبادة، كما قال القائل: «قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بأطهاري»، أو أن المراد بشد المئزر هو التفرغ للعبادة، وكذلك الجد فيها؛ كما يقول القائل: «شدد لهذا الأمر مئزري إذا جد فيه». ولعل كلا المعنين مقصود؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يجد ويجتهد في العبادة والطاعة، ومن ذلك اعتزاله للنساء وعدم قربهن؛ تفرغا لطاعة الله جل وعلا وعبادته، شد مئزره، وأيقظ أهله؛ حتى يدركوا فضل هذه الليالي المباركة بطاعة الله وبالقيام والصلاة وذكر الله جل وعلا. وقد جاء عند الإمام الترمذي ومحمد بن نصر المروزي عن زينة بنت أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يبق من رمضان إلا عشرة أيام أيقظ أهله من كان يطيق القيام ليقوم»، نعم، عباد الله، هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في نفسه ويعين أهله على طاعة الله جل وعلا والاجتهاد في هذه الليالي المباركة. قالت: «وأحيا ليله»، أحيا ليله بطاعة الله وبالصلاة والقيام وذكر الله سبحانه وتعالى، وللأسف أن كثيرًا من الناس في هذه الليالي لربما يحييها باللعب والله بأنواع من اللعب، والله بالورق أو الظمنة أو كذلك بكرة القدم أو كرة السلة، أو أحيا ليلة بالجلوس تحت شاشات التلفاز والنظر فيما يعرض فيها من أفلام، وربما أحيا ليلة بالتسكع في الأسواق من غير حاجة ولا كذلك ضرورة. أو ربما أحيا ليلة بالبدع والمحدثات كما يفعل من يفعل ذلك في بيوت الله جل وعلا بما يسمى بالختاميات التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي بدعة محدثة منكرة مخالفة لدين الله ولشرع الله جل وعلا، وما يقع فيها من منكرات، وكذلك استهانة ببيوت الله جل وعلا من قبل ورقص وغير ذلك من أعمال المنكرة. والله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق عليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من أحدث في دينه وفي شرعه أمرًا من العبادات والطاعات لم يشرع عليه الصلاة والسلام؛ فهو مردود على صاحبه غير مقبول. هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يحيي ليلة فيعتكف عليه الصلاة والسلام في بيوت الله، يحيي ليلة بطاعة الله جل وعلا وبالصلاة والقيام وبذكر الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا جل وعلا على الجد والاجتهاد في إدراك ليلة القدر، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر المبارك. اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر المبارك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم سد رميهم، وثبت قلوبهم، واجمع كلمتهم، اللهم وتقبل موتاهم، واشف مرضاهم يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود والنصارى وأعوانهم، اللهم انزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على