الدرس في آداب المزاح 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل ضوابط المزاح في الإسلام، مشيرًا إلى أهمية اختيار الوقت والمكان المناسبين، ويحذر من الإكثار منه. كما يشدد على أن المزاح يمكن أن يكون محمودًا إذا تم بطريقة مناسبة.
يُنبه هذا الفصل إلى خطورة الاستهزاء بالدين وشعائره وأحكامه، ويعتبره كفرًا، ويحذر من التهاون في هذا الباب. كما يشير إلى أن الاستهزاء بأهل الدين يعد كفرًا إذا استهدف الاستهزاء بدين الله.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان البدء في ذكر القيود والضوابط التي ينبغي أن يتقيد بها كل مسلم ومسلمة في وقت مزاحه مع غيره. وكان أولى هذه الضوابط أن لا يكون المزاح إلا حقًا، فيكون بصدق، فيبتعد ويجتنب الكذب. وثانيًا أن يكون قليلًا، وأشرنا إلى المواطن التي ذم فيها الشرع الإكثار من الضحك، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تكثروا من الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب». ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله: «المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، هذا هو المنهي، لكن إذا كان أحيانًا فهذا ليس فيه شيء». ومما يذكر، إخواني في الله، من ضوابط وقيود المزاح، أن يكون هذا المزاح في الوقت والمكان المناسب. لابد من اختيار الأوقات المناسبة للضحك والتضاحك، فليس من العقل وليس من حسن الطبع أنك يا عبد الله تخبط خطة عشواء في هذا الباب. فلو ربما تمازح في وقت ما ينبغي فيه المزاح. صحيح قد مر معنا أن المزاح مشروع، وأن المزاح يكون بحق، وأن يكون كذلك بمقدار. كذلك راعي متى يكون هذه المداعبة منك. ولهذا يقول إمام المناوي رحمه الله تعالى في «فيض القدير»: «المداعبة محبوبة، لكن في مواطن مخصوصة، فليس في كل آن يصلح المزاح». فلا تجعل يا عبد الله الأمور هكذا سبهللا، لا تضحك متى ما شئت أن تضحك وتضحك غيرك. الأحيان الوضع ما يحتاج إلى ضحك، الوضع والزمان والمكان ما يحتاج فيه إلى الضحك والتضاحك. فقد مر معنا أثر بكر بن عبد الله المزني في أوائل درس المزاح، عندما وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم يتمازحون، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال. كانوا يتمازحون يضحكون، لكن في أوقات الضحك. قال: «فإذا كانت الحقائق، أي عند الوقائع والأحداث والأمور العظام، كانوا هم الرجال». فلا تأتي هذه المسائل المهمة والمدلهمة الذي يحتاج إلى قوة ويحتاج إلى صرامة، فإذا بك تضحك، هذه مهزلة، وضعف وخور. ولا ينبغي أن تستدل بأدلة المزاح في هذا المكان وفي هذا المقام. ومما يؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: «إني لا يعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، فإذا بغي منه حاجة وجد رجلا». هذا المطلوب، فأنت في بعض المواطن كن يا عبد الله سليسًا سهلا لينًا ضحوكًا ممازحًا. كما قال عمر: «إني لا يعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي». تضحك مع أولادك، مع أهلك، مع قرابتك وأرحامك، تمازحهم تضاحكهم. وهذا الذي أثر عن كثير من السلف يمازحون أولادهم وصغارهم، هذا ليس شيء لأن هذا موطنه وهذا موضعه. قال: «فإذا بغي منه حاجة وجد رجلا»، لكن عند الحوائج والاحتياجات تكون رجلًا شهمًا. ليس المقام مضحك وممازح في هذا المقام. ومن هنا لما قيل لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: قال رجل: «المزاح هجنة»، أي مستنكر. رجل يرى أن هذا هو حكم المزاح. فقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «بل هو سنة، بل هو سنة، لكن لمن يحسنه ويضعه في مواضعه». ولهذا، إخواني، في الأحيان تجد أماكن ما تحتاج إلى ماذا؟ إلى مباسطة. مثل ذهب رجل مع أصحابه في رحلة في سفر يكون فيها التعب والضنك، فلا بأس من الممازحة والمضاحكة ومن تبادل أطراف الأحاديث التي تسلي. أو يكون كذلك المزاح والمضاحكة في تطيب الخواطر، كمن وجد شخصًا قد أصيب بأمر ضيق حاله، فلا بأس أن تطيب خاطره بمزاح ومازحة. وقد مر معنا لما مر نبينا على ذلكم الصبي الذي كان مهمومًا لطائر مات عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» تطيبًا لخاطره، مداعبة منه حتى يسلي عما هو فيه، وإدخال السرور في مثل هذه الأماكن من الأعمال المحمودة والمحبوبة. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، سرور تدخله على مسلم». هذا من أحب الأعمال. تجد أن أخًا لك قريبًا لك وقع في بلية وفي مدلهمة كدرت حاله وضايقت عليه خاطره، فتطيب لخاطره، تضحك أخي يضحك، يا رجال خلها بالسهالة، فتضحك حتى يبتسم. هذا السرور الذي أدخلته على قلب صاحبك تغفر عليه. لكن في مواطنه، هذا في مواطنه. ليس رجل في مكان جد وأمر يحتاج إلى أصارام، وأنت تأتي بالنكتة في هذا المقام، لا، إيش هذا الكلام؟ نحن في حقائق الآن، في أمور عظام، تضاحك في هذا ما ينبغي، ما يليق. رابعًا مما أذكر في هذا المقام، أختم به مجلسي من آداب المزاح، أن لا يكون فيه شيء من الاستهزاء لا بالدين ولا بشعائر الإسلام. أحيانًا بعض الناس في باب المزاح يتوسع ويتوسع حتى يصل به المجال والمقام إلى التطاول والاستهزاء والضحك على أركان الإسلام وعلى شعائره العظام. وهذا لا يجوز، بل هو من أعظم المحرمات، لأنه أولًا من صفة أهل النفاق الذين كرسوا أوقاتهم وأعمالهم في الاستهزاء والسخرية من الدين وأهله. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ هذا من صفة المنافق يستهزئ بالدين وبأهل الدين، فلا تقع في الذي وقعوا فيه. زد على ذلك أن هذا الفعل إن صدر منك يعد كفرًا، يعد كفرًا. كونك تتطاول على دين الله بالضحك والتضاحك سخرية واستهزاء يكفر به صاحبه. قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. كفر، والمقام مقام استهزاء، ضحك، الاستهزاء. نعم، أنواع المزاح، لكن إذا تطاول به الحد فيصل المقام. ببعض الناس أن يستهزئ بالله وبآياته وبرسوله. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه». يكفر به صاحبه بعد إيمانه. هذا إذا وجدت من نفسك أو سمعت من غيرك أنه جعل آيات الله، وجعل رسل الله، وجعل ما كان من شعائر الدين، وهذه مسألة، إخواني في الله، ننبه عليها لأنها وللأسف قد انتشرت في أوساط المسلمين، شعروا بذلك أو لم يشعروا. أن وجد يجد أحدهم من نفسه أنه يجد الانبساط إذا مر على شيء من دين الله بالتطاول والضحك والممازحة، إما أن يضحك على الاقطاعات والعبادات، وإما أن يضحك على شعائر الله من أحكامه، أو يضحك على الثواب والجزاء. يأتي بالنكتة على الجنة والنار. قد سمعت هذا، أذكر قديمًا في بعض الإذاعات، فإذا بهذا المذيع أتى بنكتة كما تسمى، لكنها تتعلق بالجنة. لكن ما جاء اليوم الثاني إلا واعتذر، قال: سمعت هذا بنفسي، اعتذر عن ما بدر منه، وأن هذا ما ينبغي، لا بأس، وأنه اعترف بخطأه، وأن هذا ما ينبغي. وهذا الذي ينبغي، لن يجوز أن يسترسل بك المقام يا عبد الله أن تستهزئ بأنبياء الله، برسل الله، بالملائكة، بشعائر الدين، بالصلاة، بالصيام، ما يكون من النكت في أيام رمضان، في عيد الأضحى، في عيد الفطر، التضاحك على الأضاحي، والنكت على الأضحية، ما يجوز. هذا يجعله يا عبد الله خطًا أحمر. الدين وما حوى من مسائل وأحكام وطاعات وعبادات وقربات وثواب وجزاء، كل ذلك ما يحل في قلب المؤمن الإجلال والاحترام والإعظام. هذا الذي ينبغي، هذا المؤمن. أما أنك تمسك هذه الأبواب العظيمة محل استهجان وتضاحك واستهزاء، هذا لا يجوز، بل هذا هو الكفر. وأدخل العلماء كذلك من هذا الكفر من الاستهزاء، الاستهزاء بأهل الدين، بحملته، بحملة الدين، كالذي يستهزئ بالمستقيمين، يستهزئ بالمصلين، يستهزئ بالعلماء، يستهزئ بالدعاة، يستهزئ بطلبة العلم، يستهزئ بهم، ويستهزئ كذلك بما كان من تمسكه بدين الله، كالذي يستهزئ باللحية، أو الذي يستهزئ بتقصير الثياب، أو الذي يستهزئ بالحجاب والجلباب. كل هذا كفر، إن كان المقصود من هذا الاستهزاء التوصل إلى دين الله، كما نبّه على ذلك العلماء. ما يجوز يا عبد الله أنك تقوم بهذا الفعل، والاستهزاء بأصحاب الدين كما يقول العلماء ينقسم إلى قسمين. وأذكر هذه القسمة حتى تعلموا أن ما يجوز التهاون في هذا الباب. الاستهزاء بأصحاب الدين كما أشار إلى ذلك جماعة من العلماء، كما في كتاب «سبيل النجاة والفكاك»: أن منها ما هو الصريح، كما سمعت رجل يتكلم ويلفظ ويستهزئ بأهل الدين والمستقيمين بالأخيار والصالحين. هؤلاء كفر، هذا يضحكون، وبعدين يبحث خمر، يبحث، يبحث، يبحث. هذا كفر من باب الاستهزاء بدينهم، كفر. هذا الصريح الذي هو اللفظ المنطق. لكن منه الخفي، وهذا الذي عبر عنه جماعة من العلماء، قال: وهذا بحر لا ساحل له. ما هو الاستهزاء الخفي؟ قالوا: مثلًا بتحريك العين، بغمزة طرف العين، بإخراج اللسان، هكذا، يعني يمر أهل مصلين، مر المصلون أمامك، فإذا بك تقول، تهز الرقبة بمعنى أهل الكذب جاءوا مروا. هذا كفر، يسميه العلماء هذا استهزاء غير صريح، بين قوسين استهزاء خفي. قالوا: إشارة الأصبع، أو تحريك رمش العين، أو تحريك الرقبة، هذا أشياء سهلة جدًا، لكنها جاءت استهزاء بشيء من دين الله، هذا عند العلماء يعدونه كفر. فانتبه يا عبد الله، انتبه لهذا الباب، فباب المزاح ما ينبغي أخذها قاعدة، ليس كل ما يدعو إلى الضحك تضحك، لا، ليس كل ما يدعو إلى الضحك تضحك، لأن من الضحك ما يكون كفرًا. ولهذا جعل العلماء من نواقض الإسلام الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من الكفر. فالآن في هذا الأزمان، مثلًا أذكر مسلسلًا تلفزيونيًا يبث الإعلام وتابعه كثير من الناس للأسف، ولا داعي لي ذكر اسمه، وهذا المسلسل المعروف كلامه كله على أهل الاستقامة، على أصحاب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على المستقيمين، استهزاء واستهتار. ولهذا رفع سؤال للجنة الدائمة للإفتاء حول هذا المسلسل، ما حكمه؟ قال: «لا يجوز مشاهدته، لا يحضر ولا يتابع»، لأن كما قلنا ليس كل ما يدعو إلى ضحك تبحك. ومن هنا قال ربنا جل وعلا مبينًا خطورة هذه المجالس: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. أحيانًا أنت ما تأتي بالنكتة، حاشاك حاشاك، لكن تعرف أن المجلس الفلاني أول ما يبدأ كل ما يكون فيه حول الاستهزاء بالدين، يوجد هذا. وأنبه إخواني، في الآن نحن في هذا البلد الإسلامي والوطن الإسلامي، لا تظن أن الناس كلهم على جادة مستقيمة، لا والله، هناك من أهل النفاق، هناك ملاحدة، هم بيننا، ملاحدة يعيشون بيننا، نعم، في البطاقة، في الجنسية، في الجواز، اسم عربي مسلم، عبد الله، محمد، سالم، كذا كذا، أهل بني فلان، مسلم، لكنه في قلبه وفي عقله وفي صدره الكفر البواح. رب رب ما يعتبر بشيء اسمه الله. أنا ما أقول هذا تطاولًا. مواقع اسمها مواقع باسم ملاحدة العرب، ليست ملاحدة العجب والشرق والغرب، لا، ملاحدة العرب، مواقع يستهزئون بالدين، القرآن استهزاء، السنة استهزاء، بعثة الرسول من محمد؟ رجل ما شاء الله ذكي، استطاع أن يخضع هؤلاء. هذا يتلطّف به أناس. فأولًا بعضهم يصرح، بعضهم لن يصرح، لكن في مجالسهم يخرجون مثل هذه استهزاءات، أو ما يكون في بعض الأماكن هنا وهنا، جلس ناس تكلموا على أهل الإسلام، تكلموا على أهل السنة، وحك واستهجان. انتبه: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وإلا كمثلهم، إذن مثلهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. فإخواني في الله، هذه المسألة، وأن أطلت فيها النفس، لكن لأهميتها، ألا وهو أن باب المزاح، وإن جاءت الأدلة على جوازه، وأنه يكون بحق وبصدق، ويكون كذلك بمقدار، ويكون في أوقات كذلك، لا يكون فيه هذه المزلة، أن لا يكون فيه التطرق لدين الله تطاولًا واستهجانًا واستهزاء، لأن هذا مؤدى للكفر. دين الله هو دين الله، يكون له الإجلال والاحترام والإعظام والتوقير والمهابة والإجلال في النفوس. أما تتناوله كما سمعت هذا من فعل أمناء الله وكما قلنا، وهذا الباب يطول ويطول جدًا. ولست في مقام السرد وذكر المقالات في هذا الباب، لكن حسب ما يتعلق بأن فحوى هذه المسألة أن المزاح في دين الله تطاولًا لا يجوز. هناك قيود أخرى تترك إن شاء الله في درس غد، متعلقة بآداب المزاح. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.