الدرس في آداب المزاح 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية أن يكون المزاح مبنيا على الصدق وتجنب الكذب، مستشهدا بأحاديث نبوية تشجع على الصدق وتوعد بالعذاب لمن يكذب في مزاحه. من يترك الكذب في مزاحه ينال الأجر الكثير.
يجب على المسلم أن يتجنب الكذب في مزاحه وأن يقتصد في المزاح ولا يبالغ فيه، لأن المبالغة في المزاح قد تؤدي إلى الضحك الكثير. عليه أن يكون قليل الضحك كثير البكاء لما يعلمه من أهوال الآخرة.
يجب على المسلم أن يتحلى بالجدية في حياته مع القليل من الضحك والمزاح، حيث أن كثرة الضحك تميت القلب. بينما طلاقة الوجه والابتسامة تعتبر من حسن الخلق وصدقة.
يختتم الدرس بالتأكيد على أن هناك ضوابط أخرى للمزاح سيتم التطرق إليها في الدرس القادم، ويدعو الله أن ينفع بما قيل في الدرس. تم التأكيد على أهمية تطبيق ما تم تعلمه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في الدرس السابق، إخواني في الله، كان العروج والدخول إلى موضوع آداب المزاح، وأشرنا إلى ما يتعلق بتعريفه والتمهيد لمسائله وأحكامه. ومن أهم مباحث آداب المزاح التعرف على الضوابط التي ينبغي أن يتقيد بها كل مسلم ومسلمة إذا أراد أن يطرق هذا الباب، فيمازح غيره. ومن أولى هذه الضوابط والقيود، إخواني في الله، أن يكون المزاح حقا، ومعنى حقا أن يكون صدقا، فلا يجوز بحال أن يكذب الرجل في سبيل إضحاك غيره، هذا لا يجوز. وقد مر معنا في درس أمس ما يتعلق بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عندما قال الصحابة: يا رسول الله، إنك تداعبنا -أي تمازحنا- فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لا أقول إلا حقا». فدل هذا الوصف على أن من ضرورة المزاح لابد أن يكون مبنيا على الصدق، فلا يجوز الكذب، وذلك أولا: ائتساء برسول الله عليه الصلاة والسلام. أضف إلى ذلك أن من وفق لهذا الأدب، بأن جعل مزاحه مبنيا على الصدق، فقد نال الأجر الكثير، وأن من حرم هذا القيد، فقد توعد بالعذاب الشديد. أما ما يتعلق بالأجر الكثير والثواب الوفير لمن حرص على أن يكون مزاحه حقا، ما جاء عند أبي داود من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم -زعيم بمعنى ضامن وكفيل- أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه ضامن ببيت، وما أدراك ما بيوت الجنة، وهذا البيت قد أعده الله لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، أي في حال مزحه وضحكه لا يكون كاذبا. فاحرص، يا عبد الله، على هذا، وهذا سهل ميسور. فإذا جئت إلى باب المزاح والضحك، فليكن قائما على أمر حدث، على واقعة حصلت، أما أنك تكذب، لا، حتى تنال هذا الأجر. وبالمقابل، من حرم هذا الأدب، ومن حرم هذا القيد، فقد توعد بالعذاب الشديد، ودليله ما رواه أبو داود من حديث معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له». فهذا وعيد شديد في حق من وصفهم نبينا بقوله: «للذي يحدث فيكذب»، لماذا يكذب في حديثه؟ قال: «ليضحك به القوم». فالضحك هذا الذي توعده نبينا بهذه الكلمة «ويل»، قيل: إنها كلمة تهديد، وقيل: إنها واد في جهنم، عذاب شديد لهذه الخصلة الزميمة. لكن تأمل، يا عبد الله، في حياة الناس، وفي واقع الناس في مزاحهم، تجد أنهم يستخدمون هذا الأسلوب كالكلام العذب الزلال، لا يجدون أي حرج، تفتح وسائل التواصل الاجتماعي وتجد ذاك يقول: والله فلان محشش فعل كذا، وفلان مخز قال كذا، وفلان كذا، وكل ذلك من نسج الخيال، وهذا مثل ما يسمى في هذه الأزمان بالنكتة والطرائف، المبنية على الكذب وعلى نسج الخيال، أحاديث مفتراة. بل حتى أصبح من حال بعض الناس أن توضع له المنصات، فيتكلم ساعة كاملة، وكل حديثه يقوم على الكذب، كان يا ما كان واحد ذهب إلى هنا، وكان يا ما كان واحد فعل كذا، ثم بس قصة من هنا وقصة من هناك، وكلها نكتة على نكتة، وكلها كذب على كذب، وهو قد دخل في هذا الوصف: «يحدث فيكذب ليضحك به القوم». وبهذا نعلم، إخواني في الله، أن هذا الباب يعتبر من أعظم القيود في باب المزاح. إن أردت أن تمزح، فامزح، يا عبد الله، لكن بحق وبصدق، لا تسجل عليك كذبة، فالمسلم يكون صادقا في جده وفي هزله، في أي وقت من أوقاته، وفي كل حديث من أحاديثه. فهذا القيد الأول. القيد الثاني، إخواني في الله، مما أشير إليه في هذا المقام من آداب المزاح، أن المزاح لابد أن يكون بقدر، بمعنى أن يكون قليلا. فنبينا عليه الصلاة والسلام قد مضى معنا أنه كان يمازح أصحابه، صلوات ربي وسلام عليه، لكن هذه الوقائع والحوادث التي سطرت في شمائله عليه الصلاة والسلام، ستجدها قليلا في حياته، تجدها قليلا في حياته عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال الإمام المباركفوري رحمه الله تعالى: «كان رسول الله يفعله -أي المزاح- على الندرة»، بمعنى أنه على النادر كان يصدر منه المزاح عليه الصلاة والسلام، لمصلحة تطيب نفس المخاطب ومؤانسته، أي لمصلحة كان يفعل ذلك. وقد مر معنا شيئا من نماذج مزاحه عليه الصلاة والسلام لأصحابه، وقد ذكر الصحابة في وصفهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام بأن هذا كان من طبعه عليه الصلاة والسلام، أنه لا يمازح كثيرا. ولهذا قال جابر بن عبد الله، كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده: «كان طويل الصمت، قليل الضحك»، وهذا الذي ارتضاه نبينا لنفسه هو الأمر الذي أراده لأمته، وهذا الذي هو عليه، وهو أنه طويل الصمت قليل الضحك، أراده لنفسه وأراده كذلك لأمته. ولهذا كان من قوله عليه الصلاة والسلام: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا»، فأرشد إلى الخلق الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، وهو كثرة البكاء مع إقلال الضحك. فالمسلم، إخواني في الله، ينبغي أن يعلم هذه الحقيقة، المسلم يقل من الضحك، لماذا؟ لأن هذه ليس نهاية المطاف، نحن لازمنا في أول المطاف، الدنيا هي المطاف الأول، هناك عندنا بعد عالم الدنيا عوالم ستأتي، هناك عوالم عندنا بعد ذلك عالم البرزخ، الله أعلم بحياتنا كيف ستكون، عمر كامل، تأمل من مضى من آبائنا وأجدادنا، كم لهم من مئات السنين، آلاف السنين، هل ذهبوا لهم في حياة برزخية؟ هل انتهى ذلك؟ هناك عالم بعد ذلك القيامة ستأتي، القيامة بأهوالها وكرباتها، وهو كذلك عالم آخر طويل، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، خمسين ألف سنة، عمر أعمار ليست بشيء أمام القيامة، ثم بعد ذلك المطاف الأخير إما إلى جنة وإما إلى نار. فهناك عوالم ستأتينا، فعلامة الضحك وكثرة الضحك هذا الذي ينبغي أن يكون عليه كل مسلم ومسلمة، بخلاف الكافر، الكافر لا يعترف بهذه الأمور، ولهذا الكافر حياته الأولى والأخيرة الدنيا، ولهذا يضحك ويكثر من الضحك، لأنه ما عنده شيء يبكي عليه. أما المسلم لا يعرف مآلات الأمور، وأن الحياة ما انتهت هنا، بل هناك من الأهوال ومن الكربات ما الله بها عليم، ولهذا يخاف المسلم، عنده خوف ووجل، وهذا الذي ينقص عليه حياته الدنيوية، فحينها يقلل من ضحكه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». لهذا، إخواني في الله، يقول العلماء: إن مقدار الضحك والمزاح في حياة المسلم يكون كالملح في الطعام، ما معنى أنه لو زاد الملح في الطعام كيف سيكون؟ مؤذ، أفسد الطعام، وهكذا المزاح إذا زاد في حياة المسلم فإنه يفسده. فالمسلم في حياته لابد أن يكون جادا، لا يكون كل ساعاته ضحك في ضحك، ضحك في ضحك، في ليله ونهاره، في صبحه ومسائه، في مدخله ومخرجه، يكون كالمهرج، ما ينبغي هذا، هذا لا يليق بأهل الإسلام ولا بأهل الإيمان. وكثرة الضحك ذمت شرعا وعقلا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب». وجاء في رواية عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب». وهنا، إخواني في الله، أختم هذا المقام بتنبيهين اثنين حول هذا القيد بأن يكون الضحك قليلا. التنبيه الأول: نعلم من خلال هذه النصوص أن القصد من هذا أنا لا نلغي مسألة الضحك تماما، فنقول بأنها ممنوعة جملة وتفصيلا، لا، من حيث المشروعية جائز، لكن يفعل ذلك أحيانا وعلى قلة وعلى ندرة. والذي يعاب في هذا الباب الإكثار، الإكثار يعاب على المرء إن كان كثير المزاح كثير الضحك. التنبيه الثاني: ألا وهو لا يفهم من هذا الباب إذا علمت، يا عبد الله، بأن كثرة الضحك منتقد عليك، وأن كثرة المزاح ما ينبغي، هل معنى هذا أنك في سائر يومك تكون عبوسا قمطريرا، تكون غضبان، تكون منقبضا في تعاملك مع الناس؟ فإن سئلت عن ذلك يقول: نعم، يا أخي، أنا قد بلغني أن ما ينبغي أن نكثر من الضحك، ولا ينبغي أن نكثر من المزاح، إذا ماذا؟ معنى هذا أن تجعل وجهك مغضبا. لا، انتبه، من قال بهذا، إخواني في الله، النصوص دلت على الذي يذم كثرة الضحك، لكن ما يتعلق بمعاملة الناس بالطلاقة الوجه، هذا لا بد منه، فرق، يا عبد الله، ولا تجعل هذا مع هذا. وهذا من ضيق الأفق ومن الأخطاء الكاسدة الفاسدة التي ما فهمت منها النصوص، حتى فهم بعض الناس أن هذه حياة المستقيمين أنه مغضب دائما، لا، من قال بالغضب دائما الذي يذم. لا تكثير من الضحك، لكن بالمقابل ينبغي أن تكون عليك من الطلاقة ومن البشاشة في ملاقات الناس، وهذا من المعروف، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وفي رواية: «بوجه طليق». هذا الذي ينبغي، فرق، تكون منشرحا مبتسما، هذا ما فيه يذم، بل هذه صدقة، صدقة تعطيها لخلق الله جميعا. يقول جرير بن عبد الله البجلي: «ما رآني رسول الله إلا وتبسم»، عليه الصلاة والسلام. فكونك تتبسم وتبش وتهش وتطلق سراري وجهك أمام عامة الناس، مع أهلك وجيرانك وأحبابك، هذا أمر مطلوب، بل إن من العلماء من جعلوا لأهمية طلاقة الوجه ركنا ركينا وأصلا أصيلا من حسن الخلق، حتى جاء في تعريف حسن الخلق: «بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه». فطلاقة الوجه هذا لابد، واعتبرها صدقة تمشي، تهش وتبتسم في وجوه الناس، هذا ليس فيه شيء، بل هذه الصدقة، وهذا من حسن خلقك في تعاملك مع الخلق، هذا لا يذم. وإنما الذي يذم الضحك وكثرة المزاح، فما ينبغي، إخواني في الله، أن نجعل هذا مع هذا. فهذا مقامه آخر، وهذا الذي أنبعت عليه في هذا القيد، وهناك ضوابط أخرى تترك إن شاء الله في درس غد، بإذن الله، حول ما يتعلق بضوابط المزاح. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.