كتاب الإجارة 2

الدرس في كتاب الإجارة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الاستئجار على تلاوة القرآن والرقية

يتناول حكم الاستئجار على تلاوة القرآن والرقية، حيث يجوز الاستئجار على الرقية بقراءة القرآن. نهى النبي عن أخذ أجر على قراءة القرآن المجردة دون علة.

أحكام أخذ الأجر على قراءة القرآن وتعليمه

يناقش حكم أخذ الأجر على قراءة القرآن وتعليمه، حيث لا يجوز أخذ الأجر على القراءة المحضة، ويجوز على تعليم القرآن إذا لم يشترط المتعلم ذلك.

تأجير العين والأرض وأحكام الأجرة

يشرح أحكام تأجير العين مدة معلومة بأجرة معلومة، وكراء الأرض، حيث يجوز إذا كانت الأجرة معلومة، ونهى النبي عن كراء الأرض بشطر ما يخرج منها إذا كان غير معلوم.

النسخ في الحديث الشريف وتطبيقاته

يناقش صحة نسخ حديث معين ويستند إلى القواعد العلمية في التعامل مع الأدلة، حيث يرى أن الحديث ليس منسوخا ويجوز العمل به.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال رحمه الله: ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن لا على تعليمه. قال الشيخ والإمام الشوكاني رحمه الله: يجوز أن يستأجر على تلاوة القرآن، والمراد بتلاوة القرآن -مثلا- الرقية. أراد هذا؛ لأن الاستئجار على القراءة المجردة -أي ليس لعلة رقية ولا شيء- قد جاء فيها النهي. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقرأ القرآن قبل أن يأتي أقوام لا يقيمونه إلا كما يقام القدح، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه». وأنه يريدون به الأجر، حمل هذا الحديث على أنهم يريدون الدنيا. وحمل كذلك على القراءة المجردة أنه لا يأخذ عليها أجر. وأما كان لرقية أو تعليم فهذا شيء آخر. واستدل العلماء بجواز الاستئجار على تلاوة القرآن -أي لعلة الرقية- بما جاء في حديث ابن عباس في الصحيحين: أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بماء، فيه لدغة. والمراد بالماء هو مجمع الناس؛ لأن الناس كان العرب يتجمعون عند المياه. أحيانا يسكنونها، وأحيانا -غالبا- يكونون عابرين فيه أو ماررين فيه، ليس هم من أهلها لكن يمرون لأجل البهائم. فيأتون إلى هذا الماء، أو يكون هذا الماء لقرية قريبة، فيأتون بإبلهم ويأتون بمواشيهم لكي تشرب من هذا الماء. فمروا الصحابة رضي الله عنهم على هذا الماء، وكان فيه لدغة. وجاء في رواية: سليم، واللديغ هو الذي لدغته حية أو عقرب أو ما يشبههما. ويسمى سليما من باب التفاؤل. يسمونه العرب سليم؛ من باب التفاؤل، سليم معنى أنه سليم اللدغة، لكنه سيسلم من هذه اللدغة. يسمونه سليما. فانطلق رجل من أولئك الصحابة رضي الله عنهم -مع أنهم أولى لم يستضيفوهم، استضافوهم، وما أضافوهم، أن طلبوا منهم الضيافة فلم يستضيفوهم- لكن لما لدغ رئيس الحي أو مثول الحي، هذا جاءوا إلى الصحابة رضي الله عنهم، وقالوا: هل منكم من راق يرقي؟ فقال أبو سعيد: نعم. فجاء في رواية: أن أبا سعيد هو الذي رقى، وقرأ الفاتحة عليه. قال: «فكأنما نشط من عقال»، أي كأنه كان مربوطا، ثم قاب أن لما قرأ الفاتحة لم يجد شيئا من ألم اللدغة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لهم لما جاءوا إليه: «إن حق ما قلتم عليه أجرا كتاب الله»، إن حق ما قلتم عليه أجرا كتاب الله. وجاء في رواية: «أصبتم وقسموا واضربوا لي معكم سهما»، أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أنه حلال. وجاء في رواية: «خذها، فلعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق». لكن في هذه الرواية ضعف. فالآن هذا الحديث يدل على جواز أخذ الأجرة على الرقية وعلى قراءة القرآن. قال: لا على تعليمه؛ أنه إذا كان تعليم القرآن لا يأخذ عليه أجرا. واستدلوا بحديث أبي بن كعب قال: «علمته رجلا قرآنا، فأهدى إلي قوسا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخذتها أخذت قوسا من نار، فرددتها». وهذا الحديث أخرجه الإمام ابن ماجة، لكنه فيه ضعف؛ فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأيضا كذلك فيه انقطاع. والظاهر أنه لا يصح هذا الحديث، والقول بأنه حسن في الشواهد ليس صحيحا؛ لأن الإطراب في موضع واحد على الإطراب في نفس الحديث. وقد جاء النهي عن الاستئثار بالقرآن، كما ذكرنا: «تعجلون أجره ولا تتأجلونه». وجاء أيضا في حديث عبد الله بن شبل: «اقرأ القرآن ولا تغلو فيه، ولا تجفو عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكتروا به». دل على أن القرآن لا يتأكل به، لكن إذا كان لأجل الرقية فهي علاج. وإن كان لأجل -مثلا- تعليم، فبعض العلماء أجازه لعدم الدليل على تحريمه. وكما ذكرنا قبل أن القراءة المحضة قد قال كثير من العلماء أنه لا يجوز أخذ الأجر عليها. ومثل هذا قراءة القرآن، فمثلا لو أراد الإنسان أن يستمع القرآن، فجاء بإنسان يقرأ القرآن حتى يستمع، هل يعطيه أجرة؟ لا، لا يجوز أن يعطيه أجرة. وكذلك أيضا ما يكون من هذا القبيل مما يفعله معهم أهل التصوف الآن، يقرؤون لأجل الختمة كما يقولون، أو يقرؤون لأجل خلان كذا. هذا أيضا مما لا ينبغي أن يأخذ فيه مال؛ أولا لأنه بدعة، والأمر الثاني أنه قراءة قرآن. لكن إن كان هناك نفع آخر كما قلنا -كرقية أو تعليم- فظاهر أن التعليم يجوز، لكن لا ينبغي أن يشترط على المتعلم. لا ينبغي أن يشترط على المتعلم، لكن لو أخذها -مثلا- من السلطان، يعطيه الحاكم يعطيه مالا لأجل القراءة، لأجل التعليم مقصد، فهذا لا بأس به. وجائز عند أكثر أهل العلم، بل بعضهم يقول: إجماعا. أو إنسان تبرع له إنسان -تاجر مثلا- قال له: أريدك أن تقرأ لأهل الحارة، تعلمهم القرآن وأعطيك مالا، فهذا إن شاء الله ما في شيء. وخاصة لمن لم يكن عنده دخل، وإن كان عنده دخلا فالأولى له أن يترك هذا. وذهب إلى المنع جماعة من أهل العلم -أحمد وغيره- كما ذكرهم الشوكاني، لكن أكثر أهل العلم على جوازه إن كان للتعليم، لكن لا يشترط على المتعلمين، وإنما إذا أعطاه ما في شيء. حتى أحمد يرى جواز ذلك إذا أعطاه -أعطاه الحاكم- ما في شيء. قال: وجوز أن تكرى العين مدة معلومة بأجرة معلومة. تكرى العين -أي تؤجر العين- فالإجارة كما قلنا: لا بد أن تكون عين لها منفعة. وأما إذا كانت عين ليست لها منفعة -أي تستنفذ- فعند جمهور العلماء أن الإجارة لا تجوز فيها. مثلا الإنسان سيؤجر -مثلا- شمعا لإضاءة، يعطيه شمعا يكتب. معنى كان قديما هذا، أو مثلا يؤجر مصابيح، لكن المصابيح تدوم. معنى إيجارها ما فيه إشكال. لكن الإشكال عند العلماء إذا كان المؤجر ينفذ -معنى مثل الشمعة كما قلنا، مثل الطعام- فهم يرون أن الطعام لا يؤجر؛ لأنه ينفذ، فليس له منفعة وإنما تنفذ عينه. فكل شيء ينفذ عينه قالوا: لا يجوز أن يؤجر. وهناك رواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية أو ابن القيم: أن هذا الأمر جائز، ما فيه شيء. قد يكون صحيحا أنه ليس إيجارة، لكنه أمر جائز. أيش المانع أن الإنسان يستأجر شمع إضاءة للناس؟ أيش المانع فيه؟ ما فيه مانع. مثلا يستأجر أكل من جاء يأكل، لكن بكذا وكذا -مثل البوفيه المفتوح عندكم- هذا البوفيه المفتوح. بوفيه المفتوح معنى هذه المثلة حصل خلاف فيها بين المعاصرين. البوفيه المفتوح -البوفيه المفتوح كيف؟ لكن هذا من جهة أخرى- قالوا: أن فيه جهالة. البوفيه المفتوح معنى: مطعم تعال كل الذي تريده. معنى لكن بأجرة معلومة. معنى تريد كثير، تريد قليل، المهم بأجرة كذا. فبعضهم جعله من باب البيع، قال: لا يجوز هذا الباب. وبعضهم جعله أنه فيه جهالة، لكن الأجرة معلومة، فإدخاله من باب الإجارة معنى قال: أنه يجوز، وليس هناك ما يمنع منه. ولهذا الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أن هذه المعاملات وإن كانت ليست إجارة، لكن أجاز مانع منها؟ هل هناك مانع يمنع؟ فهنا ليس هناك جهالة في الطعام؛ الطعام سيكون محدودا؛ لأن الإنسان يأكل شيئا محدودا، ما سيستطيع يأكل كل الطعام الذي في المطعم، سيأكل شيئا محدودا. والمهم أن هذه المسألة كما تعلمون مختلف فيها. قال: فيجوز أن تكرى العين مدة معلومة بأجرة معلومة، ولو كانت هذه المدة طويلة؛ لأن بعض العلماء يمنع من المدة الطويلة التي قد لا يكون في هذه العين المؤجرة تستمر في هذا. لكن إن احتمل أن العين المؤجرة ستستمر لا بأس. وحتى ولو كان قد لا يعلم ذلك -مثل إنسان معه بيت قديم يريد أن يؤجره- أجره عشر سنوات. أجره عشر سنوات، هذا البيت ممكن أنه يكمل العشر، وممكن أنه لا يكمل. فهنا يقال: مثلا متى ما انتهت العشر سنوات خلاص انتهى العقد. لكن إن تكسر البيت أو انهد قبل العشر، فيعتبر أن العقد انتهى. معنى أقصد السنوات التي جلس فيها. معنى يأخذ أجرة خمس سنوات -مثلا- خمس سنوات يعطيه إياها، فلهذا فيجوز أن تكرى العين مدة معلومة بأجرة معلومة. ولا بد من الأجرة المعلومة عند جمهور العلماء، بل بعضهم يجعله إجماعا. وهو مثل البيع؛ حتى لا يكون فيه جهالة. أجره معلومة -مثلا- اجر لك هذا البيت بعشرة آلاف. خلاص أجره هذه معلومة. لكن لا يقول له: خلاص أنت ادخل في البيت، وإن شاء الله تعالى نتفق على سعر. هذا خطأ. إن كان الاتفاق على سعر معين معروف ومتداول عند الناس ما فيه شيء. لكن سعر مجهول -مثلا مثل ما يفعل الآن بعض الناس يؤجر، يقول له: أنا ما سأخذ منك أجرة، ولا سنتفق على الأجرة، لكن في اليوم الذي سنأخذ الأجرة سنرى كم الريال اليمني بالنسبة للعملات الأخرى. فهذا أيضا خطأ، هذا فيه جهالة جهالة السعر، وهذا لا يجوز. قال: فلهذا لا بد أن تكرى العين -أي تؤجر العين- كما جاء في حديث رافع بن خديج: «فكنا نكري الأرض»، كنا نكري الأرض، كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذا. أي نؤجر الأرض. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. كانوا يقولون: هذا الشق الشرقي هذا لنا، وهذا الشق الغربي لكم. معنا ما أنتج من الشق الشرقي هذا حقنا، وما أنتج من الشق الغربي هذا حقكم. هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها؛ لأنه قد يثمر هذا وقد لا يثمر هذا. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ورخص لنا في الورق. معنى أن نقول مثلا: هذا بكذا وكذا. مثلا يستأجر عامل، يقال لو: سنعطيك عشرين ألفا أو كذا. ويجوز مثلا أن يؤجر العرض بما يخرج منها. يكتمر معنا -مثلا- بالثلث، بالنسبة كلث الأجر ربع، نصف. هذا ما في شيء. لكن لا يعين شيء معين، يقول: هذا حقك وهذا حقي لا؛ لأن هذا فيه جهالة. وأيضا يكون الأجر معلومة. قال: هنا ذكر المسألة هذا لا يجوز: ذكر كراء الأرض بشطر ما يقرر منها من ثمر أو زرع. وكلام الشوكاني هنا فيه نظر. معنى الإمام الشوكاني هنا حمل الاستئجار في الثمر والزرع على حديث رافع، وقال: أن حديث رافع مقدم. وهذا ليس صحيحا؛ حديث رافع في شيء معين. صحيح جاء في بعض الرواية: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض، لكن ليس المقصود هذا. لأن رافع رضي الله عنه حكى الذي كان يعمل عندهم -المعمول عندهم في كراء الأرض- فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك المعمول الذي كان يتعاملون به. أيش كان يتعاملون به؟ يقولون: هذا لك وهذا لنا، هذا الشق حقك، وهذا الشق حقنا. ما أثمر في هذا الشق فهو لنا، ما أثمر في هذا الشق فهو لك. فهذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. أما شيء معلوم من الثمر فهذا لم ينه عنه النبي عليه الصلاة والسلام، بل أجازه. وقد عامل أهل الخيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. وهذا حديث صريح. كيف نقول أنه منسوخ؟ والقاعدة عند العلماء أن أعمال الدليلين قيروا من إهمال أحدهما. فلهذا فالصحيح أنه يجوز -لا كما ذكره الإمام الشوكاني هنا أنه لا يجوز-.