الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 6

الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ترجيح صحيح البخاري على مسلم في شرط الاتصال

يرجح الحافظ ابن كثير صحيح البخاري على مسلم لاشتراط البخاري سماع الراوي من شيخه وثبوت اللقاء، بينما يكتفي مسلم بالمعاصرة وإمكان اللقاء فقط، وتعد قوة شروط الصحة الخمسة في البخاري أقوى منها في مسلم بدءاً من شرط الاتصال.

مقارنة قوة الرجال والعدالة والضبط بين الصحيحين

يتميز رجال البخاري بعدالة وضبط أقوى من رجال مسلم، حيث قلّ من نُقد من رواة البخاري وكان معظمهم من مشايخه المعروفين، بينما كثر المطعون فيهم في مسلم من غير مشايخه، ونسبة الأحاديث المنتقدة في البخاري أقل وغالباً ما يكون الصواب مع البخاري في خلافه مع النقاد، كما أن البخاري أعلم بالعلل من مسلم تلميذه وأحاديث الشذوذ والعلل في مسلم أكثر.

مقارنة الصحيحين من حيث القوة والترتيب وعدم الاستيعاب

صحيح البخاري أرجح من صحيح مسلم في الصحة، بينما يتفوق مسلم في الترتيب ودقة الألفاظ، ولم يلتزم الإمامان بإخراج كل حديث صحيح بل انتقيا منه، لذا لا يلزمهما ما استدركه عليهما الدارقطني أو الحاكم، وينوي المتحدث الكتابة في هذا الموضوع مستعيناً بالله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولا. ما بعد: قال الحافظ رحمه الله تعالى: الحافظ بن كثير والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة. ومن هنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور، خلافاً لأبي علي النيسابور الشيخ الحاكم وطائفة من علماء المغرب. هذا الكلام يبين الشيخ أو الحافظ بن كثير مسألة، وهي مسألة الترجيح بين صحيح البخاري وبين صحيح مسلم. وهذه المسألة قد حصل فيها شيء من الخلاف، وإن كان الخلاف ليس واضحاً في تفضيل مسلم على البخاري. وكلام بعض المغاربة، وكلام أبي علي النيسابوري، لا يدل على تفضيله على البخاري، وإنما أرادوا أن مسلماً يفضل كتابه بما يكون من وضع الحديث في مكان واحد من ناحية الترتيب والتنسيق. فلا شك أن مسلماً كتابه أسهل من البخاري، مع أن البخاري مبوّب، لكن مسلم لم يبوّب صحيحه، لكنه سهل؛ لأن كل شيء وضعه في موضعه. ولهذا جاء النووي وبوّب أبواب مسلم، وكذلك المنذري جعلوا أبواباً؛ لأن الكتاب كأنه مبوّب لكنه لم يبوّبه الإمام مسلم، لكن سرد الأحاديث. فلهذا بعض العلماء يقولون بهذا السرد، كما ذكر ابن حزم رحمه الله فقال: «ما رأيت كتاباً أفضل من كتاب مسلم، إنما هو سرد أحاديث». من هذا القبيل فإنه يقول أنه أفضل؛ لأنه أحاديث كله، ليس كالبخاري فيه فيه منقطعات، أو أقصد فيه مقطوعات، وفيه أيضاً تراجم، وفيه كذا. لكن مسلم أحاديث. فهذا من هذا القبيل. وبعضهم جعله خلافاً، بعض العلماء جعله خلافاً؛ لأن بعض المغاربة يقولون إنهم مصرحون بأن صحيح مسلم أصح من حديث، من صحيح البخاري. لكن الصحيح أن البخاري هو أرجح، وأرجح من عدة أوجه. الآن عندنا هذه الشروط الخمسة: الاتصال، والعدالة، والضبط، وكذلك عدم الشذوذ، وعدم العلة. إذا جئنا ننظر في هذه الشروط الخمسة للحديث الصحيح، نجد قوة هذه الشروط الخمسة في البخاري أقوى منها في مسلم. أولاً: الاتصال. قوة الاتصال في صحيح البخاري أقوى؛ لأن البخاري غالباً لا يخرج حديث الرجل إلا إذا سمع من شيخه. هذا الغالب: أنه لا يخرج حديث الرجل إلا إذا سمع من شيخه. إذا سمع من شيخه أخرج حديثه معنا. غالب يروي بالسماع معنا. إذا تأكد من أن فلان سمع معنا، التأكيد هذا سواء كان بالمعرفة أنه التقى به، أو مثلاً بالروايات يقول: سمعت فلان. فلا يخرج الله ما كان سماعاً من عن مشايخه. وأما مسلم فيكتفي بالمعاصرة. مسلم يكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقي. فلهذا صارت قوة السماع عند أحاديث البخاري أقوى من عند مسلم. أيضاً كذلك مسألة العدالة والضبط. فإن معنا في هذا الباب قوة رجال البخاري أقوى من رجال مسلم، وغالبهم معنا رجالهم معاً. لكن الذي يدل على قوة رجال البخاري: أن البخاري الذين انتقدوا عنه، عنهم، معنا الذين انتقدوا في كتابه وتكلم عليهم، الرجال الذين انتكلم عليهم في البخاري هم أقل من الرجال الذين تكلم عليهم في مسلم. وزد على ذلك أن أكثر من تكلم عليه في البخاري هم مشايخه ممن يعرف حديثهم، فلهذا انتقى من أحاديثهم، انتقى من أحاديثهم. وأما مسلم فكثير من من روى عنه، من من تكلم فيه، ليس من مشايخه، ليس من مشايخه. أيضاً كذلك مما يدل على ثقة أو قوة حديث الإمام البخاري: أن الأحاديث المنتقد على البخاري قليلة، بخلاف الأحاديث المنتقد على مسلم كثيرة. صحيح قد يقول قائل: أن أحاديث البخاري ليست كأحاديث مسلم. مسلم معناه حديثه تقريباً عند عدم التكرار ستكون أربعة آلاف حديث، والبخاري ألفان وسبعمائة. معناه من ناحية العدد. لكن أيضاً حتى لو جعلناه نسبة، فنسبة الأحاديث المنتقد في البخاري أقل من نسبة الأحاديث المنتقد في مسلم. وقال الحافظ ضمن حجر، وكذلك أيده شيخنا مقبل: أن أكثر الأحاديث التي انتقدها الدارقطني أو غيره من العلماء على البخاري، الصواب مع البخاري. أنا غالباً الصواب يكون مع البخاري. وأغلب الأحاديث التي انتقدت على مسلم، الصواب مع من، مع من انتقد كالدارقطني وغيره. وهذا أيضاً مما يدل على قوة أحاديث البخاري. وزد على ذلك أيضاً من هذا الباب: أن البخاري أعلم من مسلم في هذا الباب، وأعلم بعلل الحديث من مسلم. وكان مسلم خريجه وتلميذه. حتى قال الدارقطني رحمه الله: «لولا البخاري لما جاء مسلم». ولا راح معنا. كأنه يقول: أن مسلم مادته من البخاري. معنا أكثر الناس أخذ عنه العلم. مسلم هو البخاري أخذ عنه علم الحديث والعلل. فلهذا فالبخاري أعلم بهذا العلم، وبالأحاديث المنتقدة وغيره من مسلم. فهذه كلها تدل على قوة أحاديث البخاري من ناحية العدالة والضبط. كذلك حتى من ناحية الشذوذ والعلل. من ناحية الشذوذ والعلل، فالأحاديث التي في مسلم الشاذة أكثر بكثير من الأحاديث الموجودة في البخاري. كذلك العلل: العلل الموجودة عند مسلم، المعللة، كثيرة جداً. أقصد كثيرة بالنسبة للبخاري. ليست كثيرة جداً معنى، هي التي انتقدها البخاري على مسلم. البخاري قرابة مئتي حديث، قرابة مئتي حديث. وبعضها لم يصب فيها، وبعضها علتها ليست علة قادحة. فلهذا قال الإمام ابن الصلاح: أن العلماء تلقوا البخاري ومسلم بالقبول. حديث البخاري ومسلم تلقوها بالقبول، إلا أحرف يسيرة. أحرف، معناه حديث. إلا أحرف يسيرة انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره. فمن هذه الوجوه كلها يتبين أن كتاب البخاري أقوى من كتاب مسلم، وأرجح من كتاب مسلم من ناحية الصحة. أما من ناحية الترتيب وسهولة وجود الحديث، فلا شك أن مسلم هو أقرب. وكذلك الدقة التي اتبع الإمام مسلم، دقة الألفاظ. يعني مسلم يدقق في الألفاظ، ويروي الأحاديث بالألفاظ التي سمعها، ما يرويه بالمعنى، ولا يقتصر الحديث. وأما البخاري فهو يروي بالمعنى، وكذلك يقتصر الأحاديث. ممكن يقطع الحديث الواحد يجعله في عدة أماكن. يعني يقطع، يجعل جزء منه هنا، ويجعل جزء منه في مكان آخر. وأحياناً نذكره كله. انظر مثلاً على سبيل المثال: حديث أبي، حديث كعب بن مالك في حديث التوبة. تجد أنه في بعض المواضع مقطع، جزء منه، وبعض المواضع جزء آخر، وبعض المواضع يذكره يسرده كله. لكن تجد إذا كان طويلاً يسرده في موضع أو موضعين فقط. فكل هذا يدل على أرجحية البخاري على مسلم. قال: ثم أن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الحديث. فإنهما قد صح حديث ليست في كتابيهما. كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح حديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها. وهذا يدل عليه فعلهما من ناحية التصحيح خارج الصحيح. وكذلك جاء عن بعضهم قول: البخاري مثلاً قال: «انتخبت من مئة حديث هذا الكتاب». انتخبت من مئة حديث، على انتخب، أخذ، لم يترك، لم يذكر كل الحديث الصحيحة، وإنما انتخب منها. ومما يدل على ذلك أنه يصحح حديث ليست موجودة في صحيحه، ووجدت أيضاً حديث موجودة في كتب الأخرى، في الأدب المفرد، أو في التاريخ، أو في جزء القراءة، أو جزء رفع اليدين. وجدت حديث ليست موجودة في صحيحه، وهي على نفس الشرط. فلهذا لا يلزمه ما ذكره الإمام الدارقطني من الإلزامات، ولا أيضاً كذلك ما استدركه الحاكم عليهما. كذلك الإمام مسلم رحمه الله لما سأله بعض تلاميذه، فقال له: في حديث أبي موسى الأشعري: «وإذا قرأ فأنصتوا». قال: وحديث أبي هريرة، قال: حديث أبي هريرة صحيح. فقال له: لما لم تكتبه في صحيحك؟ قال: أنا لم أكتب كل حديث صحيح في هذا الكتاب. قال: لم أكتب كل حديث صحيح أكتبه. وإنما كأنه اختار بعض الحديث. فلهذا فلا يلزم البخاري ومسلم ما ألزمه، ما به الدارقطني. الدارقطني سما كتاب، سماه الإلزامات، الذي حققه الشيخ معناها، الشيخ حقق كتابين: الإلزامات والتتبع. الإلزامات هي الأحاديث التي يلزم الدارقطني البخاري ومسلم أن يخرجها لأنها على شرطهم، على شرطهما. والتتبع هو الأحاديث التي انتقدها على البخاري ومسلم. وأما أيضاً المستدرك، أيضاً لا يلزمهما استدراك. لكنه كتاب، كتاب نافع وعظيم، لكن لا يلزم البخاري ومسلم؛ لأنهما لم يشترطا أن يخرج كل حديث صحيح. فلهذا فهذا كلام من الصلاح. صحيح أن البخاري ومسلم لم يلتزم بإخراج جميع ما يحكم بصحتهم الحديث. طيب، إن شاء الله نكتب بهذا. الله أعلم. شكراً، شكراً، شكراً.