الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 5

الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ترجيح أسانيد الحديث واختلاف الحفاظ في أصحها

يستعرض المقطع آراء أئمة الجرح والتعديل كالأحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والبخاري، ووكيع في ترجيح بعض الأسانيد على أخرى، مبينًا علل الترجيح كصحة الإسناد، وجلالة الرواة، وكون الرواية فقهًا عن فقه. كما يذكر سلسلة الذهب (مالك عن نافع عن ابن عمر) وإضافة الشافعي وأحمد إليها، مع توضيح سبب ندرة رواية أحمد عن الشافعي.

منهج العلماء في ترجيح الأسانيد وأصح الروايات عن الصحابة

يبيّن المقطع أن الإمام أحمد لم يحتج للشافعي في الحديث بل في فقهه، ويناقش نقد العلماء لمسألة "أصح الأسانيد" المطلقة، موضحين أن الترجيح يكون نسبيًا بحسب الصحابي أو البلد. ويذكر أمثلة على أصح الأسانيد لرواة معينين كابن مسعود وأبي هريرة.

أصح الأسانيد للصحابة وأول من جمع الصحيح المجرد

يبيّن المقطع كيفية ترجيح رواية منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود لكونها فقيه عن فقيه، ويذكر أصح الأسانيد عن ابن عمر وأبي هريرة. ثم ينتقل إلى فضل البخاري كأول من جمع الصحيح المجرد الخالي من الضعيف، وردّ الاعتراضات على ابن الصلاح، ومتابعة مسلم له مع اجتهاده في إخراج أحاديث بقوته بأسانيد مستقلة، مع رجحان صحيح البخاري على صحيح مسلم.

إرجاء استكمال البحث إلى درس قادم

يُعلن المتحدث عن تأجيل مواصلة الكلام في الموضوع الحالي إلى درس لاحق أكثر أهمية، معلقاً البحث ريثما يحين وقته المناسب إن شاء الله تعالى. ويؤكد على أهمية استكمال البحث في الوقت المناسب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد. قال الحافظ رحمه الله: وهو متفاوت، وهو متفاوت في نظر الحفاظ في محل، ولهذا أطلق بعضهم أصح الأسانيد على بعضها. فعن أحمد وإسحاق: أصحها الزهري عن سالم عن أبيه. وقال علي بن المديني والفلاس: أصحها محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي. معنى يقول: أصحها للسناد: الزهري عن سالم عن أبيه. زهري معروف، وسالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر. واختار علي بن المديني والفلاس - الفلاس هو عمر بن علي الفلاس الصيرفي من تلاميذ يحيى بن سعيد القطان - وقال: أصحها محمد بن سيرين عن عبيدة. عبيدة هو السلماني، وهو المخضرم، عن علي. قالوا: عن يحيى بن معين: أصحها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. وقال: أصحها الأعمش عن إبراهيم، أي النقعي، إبراهيم بن يزيد النقعي عن علقمة بن يزيد النقعي كذلك، وهو قال: إبراهيم عن عبد الله بن مسعود. وهذا صح إسناده للكوفة. وقال وكيع لأصحابه مرة: أيهما أفضل؟ رواية الأعمش عن أبي وائل عن أبي سعيد - أقصد عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود - أم رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود؟ قال لهم: أيهما أفضل؟ رواية الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، أم رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله المسعود؟ فقالوا: نظروا إلى العلل. قالوا: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله المسعود. فقال وكيع: رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن المسعود أصح؛ لأنها رواية فقه عن فقه. يعني يقول وكيع: يريد أن يبين لهم أن رواية إبراهيم عن علقمة رواية فقه عن محدث وفقه أيضًا. وكذلك أيضًا رواية علقمة معلومة، أن علقمة كان أفقه من أبي وائل، أنه كان علقمة يكون بعد عبد الله المسعود في الفتوى وفي غيرها، فهو أكثر منهم فقهاً من أبي وائل. فلهذا يقول وكيع: أن الحديث الذي يدار عند الفقهاء أعظم. يعني يريد الفقهاء هنا فقهاء الحديث، معناهم عندهم حديث وعندهم فقه، فهذا يكون أولى وأفضل؛ لأن علماء الفقه أو علماء الحديث الذين عندهم فقه يكونون أضبط للحديث من غيرهم. فلهذا قال: أن هذه رواية أفضل من رواية الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله المسعود. قالوا: عن البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر. مالك إمام دار الهجرة عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر. هذا يقول البخاري: أنه أصح إسناد. وسُميت هذه السلسلة سلسلة الذهب. وزاد بعضهم وهو عبد القاهر التميمي: ذكر الشافعي عن مالك، إذ هو أجل من روى عنه، عن أجل من روى عن مالك. الشافعي. بعضهم اعترض بعبد الله بن يوسف أنه أحفظ من روى عن مالك. وهذا ليس صحيح، وهذا ليس اعتراضًا صحيحًا؛ لأن عبد القاهر التميمي إنما ذكر أجل من روى عن مالك، ولا شك أنه لا أحد أجل من الشافعي ممن روى عن مالك. وأيضًا كذلك الشافعي رحمه الله ما كان يخطئ في الحديث كما ذكر أبو داود وغيره. فمن ناحية الجلالة وأنه إمام وفقيه، لا شك أن الشافعي أجل من روى عن مالك في هذا الصدد. وبعضهم أيضًا ذكر بعض الحنابلة ذكروا أيضًا: إذا رووا عنهم أحمد، فإن أحمد أيضًا أجل من روى عن الشافعي. وهذا الإسناد: أي أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، لم يروِ به أحمد إلا مرة واحدة في المسند. أن المسند كله ليس في هذا الإسناد إلا في حديث واحد، جعله أربع حديث، معناه هي أربع أحاديث ذكرها في مكان واحد بإسناد واحد. الإمام أحمد ذكر عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر. مع كبر هذا المسند الكبير، لماذا؟ لأن الإمام أحمد ما كان يأخذ الحديث من الشافعي. الإمام أحمد ما كان يأخذ الحديث من الشافعي، وإنما كان يأخذ علم الأصول وفقه الحديث، هذا الذي كان يأخذه من الشافعي. وأما الحديث فهو يروي عن من هو أرفع من الشافعي، وقد روى عن جماعة أدركهم الإمام أحمد، جماعة كثيرون ممن رووا عن مالك، وهم من حفظة الموطأ. فلهذا لم يحتج، أو لم يحتج أحمد رحمه الله للشافعي في الحديث، وإنما احتاجه في فقه الحديث. ولهذا قال إسحاق إبراهيم: لما قال له إسحاق: قال الإمام أحمد: تترك سفيان وعلم الحديث لأجل هذا الفتى؟ يعني: كيف تركت حديث سفيان لأجل أنك تجلس عند الشافعي تتعلم الفقه أو تتعلم مسائل؟ فقال له الإمام أحمد، قال إسحاق: لو فاتني حديث سفيان بعلو أدركته بنزول. يعني: أصحاب سفيان كثير، الذين رووا عن سفيان، سأدرك حديث سفيان. لكن قال: لو فاتني عقل هذا الفتى لعلي لا أدرك مثله. يعني: قال لو فاتني مثل هذا الرجل وهذا الفقه العظيم الذي عنده قد لا أجد مثله. فلهذا فالإمام أحمد ما كان يروي الحديث عن الشافعي، بل الشافعي كان يذعن للإمام أحمد في الحديث، كان يقول: يا أحمد، إذا صح الحديث عندكم فأخبرونا. إذا صح الحديث عندكم فأخبرونا. وبعضهم يروي أيضًا عن الشافعي: لكن الظاهر ليس صحيحًا، وإنما جاء عن غيره أنه كان يقول: أنه يقول: يا أحمد، أنتم الصيادلة ونحن الأطباء. لكن الظاهر لم يثبت عنه، وإنما جاء عن بعض أهل الحديث يخاطب بعض أهل الفقه بذلك. فالمهم: هذه المسألة، مسألة تفاوت الحديث الصحيح، ومعنى اختيار إسناد معين أنه صح الحديث، انتقدها كثير من العلماء. انتقدها كثير من العلماء: أن هذه الطريقة غير صحيحة؛ لأنه ما يستطاع أن يرجح مثلاً بين رواية الزهري عن سالم عن أبيه، ورواية مثلاً مالك عن نافع عن ابن عمر. أنا كيف يرجح بين هذه الروايات؟ لكن قال العلماء: أنه يقال مثلاً أصح حديث بالنسبة للصحابي، بالنسبة للصحابي، وكذلك بالنسبة للبلد. أنا أصح حديث الكوفيين مثلاً، أصح حديث للكوفيين مثلاً: حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله المسعود، هذا أصح حديث للكوفيين. أصح حديث مثلاً لأهل المدينة: مالك عن نافع عن ابن عمر، أو الزهري عن سالم عن أبيه. فلهذا الأفضل أن يقال مثلاً: أصح حديث لأهل بلد، وكذلك أصح حديث للصحابي؛ لأن بعض الصحابة هم من أهل بلد واحدة. مثلاً المدينة فيها عدة صحابة، وقد أكثروا. أكثر الصحابة الذين كانوا من المكثرين كانوا جلوس في المدينة: أبو هريرة، وأبو سعيد، وجابر، وعائشة، وكذلك أيضًا هؤلاء الأربعة. وأما أنس فهو في معنى أكثر، وقتي كان في البصرة، أكثر من روى عنه الحديث لما كان في البصرة. فهؤلاء كانوا أكثر الناس حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أبو هريرة، وعائشة، وكذلك أبو سعيد، وجابر بن عبد الله، وأنس. لكن أنس كما قلنا في البصرة. فهؤلاء قد روى عنهم كثيرون من أهل المدينة ومن غيرهم. مثلاً عندك رواية الناس عن أبي هريرة: كم روى الناس عن أبي هريرة؟ وكم من التابعين لزموا أبا هريرة على ما يستطيع؟ مثلاً يقال: رواية فلان أفضل من رواية فلان عن أبي هريرة. هناك كثير من طلبة أبي هريرة ممن لزمه: سعيد بن المسيب وهو أفقههم وأعلمهم، أبو سلمة بن عبد الرحمن، أبو صالح السمان، وكذلك أيضًا محمد بن زياد، وكم ستعددهم؟ كثيرون جدًا الذين رووا عن أبي هريرة رضي الله عنه. كذلك عن أبي سعيد، كثير عن جابر، عن عائشة. فلهذا لا يستطيع أن يحصر هذا الأمر مثلاً في فقيه، أو أقصد في صحابي، أو صحابي يعني. لكن يقال مثلاً: أصح أحاديث هذا الصحابي، هذا أقل شيء أن يحصر شيء من هذا. يقال: أصح أحاديث عن فلان، عن أبي هريرة، يعني يقال: أصح الأحاديث، أما أصح شيء فهذا غير صحيح. فخلاص الأمر كما قلنا: أن يقال أصح أحاديث أبي هريرة مثلاً، ما رواه الزهري عن سعيد المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، هذا أصح أسانيد أبي هريرة. كذلك أصح أسانيد عبد الله بن مسعود: هذا إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، سواء كان رواه الأعمش أو منصور. سواء كان رواه الأعمش أو منصور. وقلنا أن وكيع اختار رواية منصور. عن وكيع فقلنا أنه الأعمش، ليس الأعمش وإنما منصور. فقال: من تختارون؟ فرواية الأعمش عن أبي هريرة عن عبد الله بن مسعود، أو رواية منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود؟ فذكر لهم أن رواية منصور عن إبراهيم: فقيه عن فقيه عن فقيه. أيضًا كذلك حديث عبد الله بن عمر: نقول أنه صح الرواية عن عبد الله بن عمر: مالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه. هذا صح، هذا صح. ما جاء عن أبي هريرة: هذا صح. ما جاء عن أبي هريرة أو عن عبد الله بن عمر من الأسانيد: الزهري عن سالم عن أبيه، ومالك عن نافع عن ابن عمر. وهكذا في كل صحابي يذكر أصح الأسانيد عنه. قال: فائدة: أول من اعتنى بجمع الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه تلميذ أبو الحسين محمد بن مسلم بن الحجاج النيسابوري. فهما صححا كتب الحديث، والبخاري أرجح. طيب، الآن ذكر فائدة أخرى من فوائد الحديث الصحيح: أنه أول من اعتنى بجمع الصحيح، بجمع الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. فبعض العلماء انتقد على ابن الصلاح هذه العبارة، قال: قد جمع الحديث من هو أقدم من البخاري، كمالك في الموطأ، وأحمد في المسند، وأيضًا غيره من المسانيد التي ألفت قبل البخاري. لكن رد العلماء على هذا الانتقاد بأن تُزاد كلمة "المجرد": أول من جمع الصحيح المجرد عن جرده وعن غيره. لأنه لو قال: جمع الصحيح، قد جمع الناس الصحيح وغيره. لكن إذا قال: المجرد الذي ليس فيه ضعيف، فهذا يصح أن يقال: أن محمد بن إسماعيل أول من جمع هذا، أي الصحيح المجرد. الصحيح المجرد، المجرد، فهذا معنى يحتاج إلى عبارة المجرد: أول من جمع الناس الصحيح المجرد. قال: وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، أن اقتفى أثره، أثره. والظاهر أن الإمام مسلم رحمه الله أراد أن يخرج كتابًا مثل كتاب البخاري من غير طريقه، أنا حتى لا يقال أنه أخذه عن البخاري. ويقال أن مسلماً إنما فعل ذلك للفتنة التي حصلت. لكن هذا قد يكون بعيد؛ لأن مسلم لم يترك البخاري، صحيح ترك محمد بن يحيى الذهلي وقام من مجلسه وأرسل له كتبه، لكن البخاري لازمه، لازم البخاري ولم يتركه حتى مات. فهذا يدل على أنه ما ترك البخاري لأجل تعمدًا، معنا أقصد أنه مثلاً يتعمد تركه لأجل الفتنة التي حصلت؛ لأن مسلماً كان يعظم البخاري وأيضًا يجله، وكذلك دافع عنه. لكن الظاهر كما قال بعض العلماء: أن الإمام مسلم أراد أن يخرج كتابًا مثل كتاب البخاري، لكن ما روى شيء عن البخاري حتى لا يقال أنه أخذه عن البخاري. أراد أن يظهر هذا العلم أيضًا مثل ما فعل البخاري، فألف صحيحًا، وما هي... وبعض العلماء يقول: أن مسلماً كأنه جعل مستخرجًا على البخاري. مستخرج معنا: يأتي بالأحاديث التي هي مثل أحاديث البخاري ويخرجها بأسانيد غير أسانيد البخاري. لكن لو كان مثلاً كل هذا الكتاب هكذا لقلنا: هذا مستخرج، مثل ما فعل مثلاً أبو عوانة الإسفرايني في صحيح مسلم، أو أبو بكر الإسماعيلي في البخاري: استخرج، استخرج. كيف يستخرج؟ سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على المستخرجات: أنه يأتي حافظ ويأتي إلى مؤلف من المؤلفات هذه المشهورة، ويخرج نفس الأحاديث لكن بأسانيد أخرى، بأسانيد ليست أسانيد معنا، ليست من طريق صاحب الكتاب، فهذا يسمونه مستخرج. فلهذا كان بعضهم كالدارقطني وغيره يسمى صحيح مسلم مستخرجًا على البخاري: أنه استخرج حديث البخاري وجعلها لنفسه، معنا بأسانيده، خرجها بأسانيده. والمهم: سواء كان هذا أو ذاك، فالإمام مسلم رحمه الله اجتهد وأخرج هذه الأحاديث التي تشبه حديث البخاري في قوتها، لكن لا شك أن حديث البخاري أقوى. ولهذا سيأتي الكلام معنا: أن البخاري أرجح من عدة وجوه، أن البخاري أرجح من مسلم من عدة وجوه. ونسيء إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك، فنتركه إن شاء الله تعالى في درس لا أهم.