الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 65، ألقاها
يتحدث هذا الفصل عن أئمة الحديث وأصولهم، ويشرح حديثا عن لعن شاربي الخمر، مع التركيز على شرح الإمام الترمذي وتوثيق شبيب بن بشر. يبين أهمية علم الحديث وأصول الرواية.
يفصل هذا الفصل في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يلعن فيه عشرة أشخاص متعلقين بالخمر، ويوضح أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والتعاون على الإثم محرم، مع الرد على من ينكرون تحريم الخمر.
يشرح هذا الفصل تدرج الإسلام في تحريم الخمر، بدءًا من الإشارة إلى إثمه ومنافعه حتى التحريم الكامل في سورة المائدة، مع بيان امتثال الصحابة لأمر الله وحديث النبي صلى الله عليه وسلم حول لعن شارب الخمر وغيره.
يتناول هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يذكر فيه لعن عشرة أشخاص متعلقين بالخمر، ويشمل اللعن كل من يشارك في بيع أو شراء الخمر، موضحًا شمول اللعن لكل من يتعامل معها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال شيخنا محمد الهاد الوازع رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله، وهو محمد بن عيسى بن سويرة الترمذي رحمه الله تعالى. وترمذ منطقة من مناطق خرسان، وغالب هؤلاء الأئمة، بل أصحاب الكتب الستة كلهم من خرسان. لكن بعضهم أصولهم عربية، مثل الإمام مسلم؛ الإمام مسلم قشيري، وبنو قشير عرب من العرب، لكن سكن أجداده نيسابور، فبخارة ونيسابور. وكذلك أيضًا الإمام أبو داود، كما ذكرنا بالأمس سنجستاني، أو ذكرنا في الدرس الذي مضى سنجستاني أصله من خرسان، لكنه عربي أصله عربي، لكن سكن أهله سنجستان، ثم إنه نزل بعد ذلك بغداد وسكن فيها. وقال بعضهم: إن السنجستان هذه منطقة في بغداد تسمى سنجستان، وهذا ليس بصحيح، بل أكثر أهل العلم على أن أبا داود إنما هو من خرسان، من منطقة سنجستان في خرسان، ثم جاء بعد ذلك إلى بغداد. وأما الإمام أبو داود النسائي، فهو من نساء، أيضًا منطقة من مناطق خرسان، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله، أيضًا. وكذلك الإمام ابن ماجة، محمد بن ماجة القزويني، من قزوين، وهي أيضًا من مناطق خرسان. فكلهم أصحاب الأمهات الست من خرسان، إلا أنهم كما قلنا بعضهم عربي أصله عربي، مثل الإمام مسلم وأبو داود، وقيل أيضًا كذلك النسائي: أن النسائي هو أصله من نساء، لكنه سكن مصر، سكن في مصر. قال رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن منير، وهو البخاري حافظ من حفاظ الحديث، وهو ثقة. قال: سمعت أبا عاصم، وأبو عاصم هو النبيل، أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد رحمه الله. أبو عاصم النبيل، وابنه محدث، وهو عمر، وابنه أيضًا محدث، صاحب «السنة»؛ كتاب «السنة» لابن أبي عاصم، هو أحمد بن عمر بن أبي عاصم، أحمد بن عمر بن الضحاك بن مخلد. وظهر كتاب «السنة» لابنه أبي عمر، ولهذا قال الإمام ابن القيم: «ذاك النبيل وابن النبيل، وكتابه أيضًا نبيل». وأنا يريد ابن ابن أبي عاصم، وأباه ذاك النبيل، ابن النبيل، وكتابه أيضًا نبيل. وأبو عاصم من حفاظ الحديث ورجال الحديث، وإن كان وهم في بعض الأشياء التي رواها عن ابن جريج أو عن غيره، لكن الأصل فيه أنه ثقة، وكذلك من حفاظ الحديث. قال عن شبيب بن بشر، وشبيب بن بشر بصري، سيأتي ذكره في كلام الشيخ رحمه الله، قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها، وبايعها، وأكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترات له». قال: هذا حديث غريب من حديث أنس. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن. شبيب بن بشر وثقه معين، وقال أبو حاتم: حديثه حديث الشيوخ. ولفظة الشيوخ عند أبي حاتم هو الرجل المستور الذي لم تعرف عدالته. وأيضًا يطلقه العلماء، علماء الجرح والتعديل: الشيخ، أي ليس بحافظ. يريدون أنه ليس بحافظ، فلهذا لفظة الشيخ تطلق على عدة معانٍ، لكن أبو حاتم غالبًا إذا أطلق الشيخ فأراد به أنه دون ثقة، دون ثقة، إما لأنه لم تعرف عدالته، وإما أنه لم يوصف بالحفظ. فقد يكون لم يوصف بالحفظ، أو أنه لم تعرف عدالته، فلهذا يقول: شيخ، فقد تحتمل هذه الكلمة الجرح، وقد أيضًا تحمل على أنها من أنواع التعديل، من نوع التعديل، لكنه أقل ما يقال بالتعديل. وبعض العلماء يطلقون الشيخ ويريدون به كما قلنا ما دون الحافظ، قد يكون ثقة، لكنه ليس بحافظ. وقد يكون هذا أيضًا بحسب إمام الأئمة، هناك عند بعض أهل العلم الحديث، كأحمد والمعين وغيرهم، يقولون: هذا في طبقة الشيخ، ويريدون بطبقة الشيخ أي ليس من أصحاب أصحاب هذا الإمام الحفاظ. هناك طبقات تكون مثلًا عندنا: الزهري، أو قتادة، أو لعمش، هناك أصحاب على الطبقات، طبقة هي أكبر طبقة، أو أعلى طبقة، وهي طبقة حفاظ أصحاب، وتأتي دونها الملازمين لهم، وإن كانوا لم يوصفوا بالحفظ، ثم تأتي بعد ذلك طبقات يسمونها طبقة الشيخ، هم ثقات، لكنهم ليسوا بمنزلة الحفاظ، وليسوا ممن كان ملازمًا لهذا الإمام أو هذا الحافظ، فيسمونهم طبقة الشيخ. وأيضًا أحيانًا أبو حاتم يطلق على هؤلاء. قال: فقال حديثه حديث الشيخ، فظاهر أن حديثه لا ينزل عن الحسن، والله أعلم. هذا الآن الحديث قد جاء عن عدة من الصحابة رضي الله عنه، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة، أو من عن عدة من الصحابة، فهو حديث صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة. وهذا يدل أيضًا على أن الوسائل لها أحكام المقاصد. فقال هنا: عاصرها ومعتصرها، والأصل أن الحرام هو شرب الخمر، لكن عاصرها أيضًا يدخل في الحرمة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. فقال: عاصرها ومعتصرها، الذي يعصر هذه الخمر، ولو لم يشربها، بل إنه قد ثبت، أو جاء في حديث أنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، لكنه لا يصح من ناحية إسناده. لكن من ناحية المعنى صحيح، أنه لا يعين من يعرف أنه يتخذ هذا عصير العنب يتخذه خمرًا. وعنده مثلًا من الفواكه الفاسدة الآن، تجد كثيرًا من كان خاصة قديمًا، والله أعلم، الآن بعضهم ممن يفعل هذا الخمر البلدي كما يقولون، فيأتي إلى السوق ويأخذ بعض الأشياء الخائسة، طباط وغيرها من هذه الأشياء، أو الفواكه الخائسة التي انتهت أو قد نتنت، يأخذها ويعصرها ويعمل هذه الخمر، أو يطرحها في النار ثم تكون خمرًا. فهنا إذا كان البايع هذا يعلم أن هذا شخص يأخذها لأجل الخمر، فلا يجوز له أن يبيع له هذه الفواكه، أو يعطيها إياها؛ لأنه من التعاون على الشر، التعاون على الباطل، والتعاون على الإثم والعدوان. قال رحمه الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عاصرها ومعتصرها». لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها. وهذا هو أصل أصل النهي، وهو شرب الخمر هذا، ومعلوم أن الخمر حرمت في الشريعة تحريمًا قطعيا، وأصبحت من الضرورات التي تعرف في دين الله جل وعلا تحريم الخمر؛ لأن كثيرًا من أهل الإلحاد والعقلانيين وغيرهم ينشرون أن الخمر ليست محرمة في الشريعة. قالوا: لأن الله قال: «اجتنبوه»، وما قال حرام. فبعضهم يقول: الله ما قال حرام، أنتم لا تقولون أن الخمر حرام، والله قال: «اجتنبوه». فهذا جهل، ما يعرفون الشريعة، وهم يريدون فقط أن يبرروا لأنفسهم، يبرروا لأنفسهم عند الناس. وكان قديمًا أصحاب الحزب الاشتراكي يقولون مثل هذه الكلمات، فيقولون: أن الله لم يحرم الخمر، وإنما معنى الذين يواكبون العصر هنا، معنى يواكبون الناس، وإلا الأصل أن الشيوعية ما يؤمنون بالشريعة أصلًا، لكن تجد بعضهم يدخل في هذا المنهج وهو لا يعرف أصله، فينكر بعض الأشياء في الشريعة، ومن ذلك الخمر، فيقولون: أن الخمر ليست محرمة. ومعلوم أن الاجتناب أعظم من الحرمة؛ لأن الاجتناب أي اجتنبوها، أي كل ما يتعلق بها، اجتنبوا كل ما يتعلق بهذه الخمر. ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة. وأيضًا كذلك ربنا سبحانه وتعالى، من فضله سبحانه وتعالى، ومن رحمته جل وعلا، أنه لم يحرم على الناس من أول وهلة؛ لأن العرب كانوا عندهم الخمر هذه شرابهم، أن من شرابهم الخمر، ولما انتشرت في قريش حتى أصبحت عندهم أفضل شراب. فهذا الخبر لما حرمها الله عز وجل تدرج معهم تدرج، ربنا سبحانه وتعالى معهم، فقال: يسألونك عن الخمر والمنسق، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما. فهذه قال أنها أول آية، وبعض العلماء يقول: أن أول آية هي آية النحل، عندما ذكر ربنا جل وعلا أنه جعل للناس رزقًا خمرًا ورزقًا حسنا، أو سكرًا ورزقًا حسنا، سكرًا شيء يذكرون به، وشيء أيضًا من الرزق الحسن. فبين الله عز وجل أن هذا الذي يذكر الناس من النبي وغيره هو ليس من الحسن، ثم ذكر أنه وإن كانت له منافع، لكن مضاره أكبر من منافعه. وثم بعد ذلك أنزل الله عز وجل آية النساء: «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنوبًا إلا عابر السبيل حتى تقتسلوا». ثم بعد ذلك أنزل آية المائدة، وهي التي فيها القطع بالتحريم: «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون». قال الصحابة رضي الله عنهم: «انتهينا يا رب، انتهينا». وجاء في حديث جابر في مسلم: أن الناس صبوا الخمر التي معهم حتى جرت شوارع المدينة، وهكذا ذكره الشيخان نحوه عن أنس رضي الله عنه، وعن جماعة من الصحابة، فامتثل الصحابة رضي الله عنهم أمر الله عز وجل، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي في الناس على أن الخمر قد حرمت، فسكبت الناس الخمر التي معهم. فقال: «وشاربها وحاملها والمحمولة إليه»، وهو كان يعلم أن في هذا الذي يحمله خمر. وأما إن كان لا يعلم، مثلًا أعطيه شيئًا، فقيل له: وصله إلى فلان، فهو لا يعلم أن هذا فيه خمر، أو فيه مخدرات أو كذا، وهو لا يسمع عليه، لكن ينبغي أن يتحرى من مثل هؤلاء. أو إن كان مثلًا يعلم أن هؤلاء يتعاملون مثل هذه الأشياء، ثم يقول: أنا ما سأكشف هذا الشيء، معنى ما لي دخل في كشفه، ويقوم ويتعاون معهم، مثل ما يفعل بعض المغفلين في مسألة المخدرات. تجد مثلًا يأتي بمخدرات من القارب الكبير، وينزلوا بالساحل، وإذا قيل له: أشمعهم هؤلاء؟ يقول لك: ما أدري، أشمعهم معهم شيء في الصناديق خرجوا، وهو يعلم أن هؤلاء يتعاملون بالمخدرات، فهذا ليس له عذر؛ لأنه يعلم أن هؤلاء يتعاملون بمثل هذه الأشياء، وغالبًا ينزلون هذه المخدرات، ويقوم يتعاون معهم، ويقول: ما أدري، أشياء ينزلون. حتى السعر مثلًا من السعر الذي يعطونه يعطونه سعرًا باهرًا، معنا لو اشتغل سنة ما سيأتي بهذا السعر الذي يعطونه، يعطونه سعرًا أو ثمنًا لخروج خروجه فقط، أنه ينزل شحنًا إلى الساحل، يعطونه كذا وكذا، فهذا أيضًا حامل لهذه المخدرات، وهو داخل في هذه اللعنة، والمخدرات أعظم من الخمر. قال: «وحاملها والمحمولة إليه»، أيضًا المحمولة إليه، إذا كان ليس هو شاربها، وإنما سيأتي من يشربها، مثلًا يجعل الناس يأتون عنده، أو يأتون عنده إلى بيت، أو إلى بيت آخر، وهو لا يشرب، لكن يحملها إليه، أو ينزلها لهم، ثم يأتون يأخذونها، فهذا أيضًا محمولة إليه، فهو داخل في اللعنة. قال: «وساقيها»، أيضًا الذي يسقيهم الخمر، وإن لم يشرب، «وبايعها وآكل ثمنها»، وهو يعلم أنه ثمن خمر، «والمشتري لها»، الذي يشتري هذه الخمر، ولو لم يشربها، «والمشترات له»، أيضًا كذلك، إذا كان وكل إنسانًا بأن يشتريها، وهذا الذي وكله ليس هو الذي يشربها، وإنما اشتراها لغيره، فهو أيضًا داخل في اللعن. فلعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة. هذا ما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.