الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتحدث الإمام ابن القيم عن تحويل الهوى إلى طاعة الله، ويوضح أن الهوى يمكن صرفه إلى ما ينفع الإنسان في طاعة الله. هذا يتطلب قطع العلائق التي تدعو إلى موافقة الهوى.
يجب على العبد مجاهدة نفسه وهواه في طاعة الله، ويجب صرف الهوى إلى ما يحبه الله لأن النفس أمارة بالسوء. هذا يتطلب مجاهدة كبيرة لقطع العلائق التي تصرف النفس إلى الباطل.
المقطع يحذر من عواقب اتباع الهوى في الدنيا والآخرة، ويشير إلى أن مخالفة الهوى تجلب الشرف والعزة. بينما متابعته تؤدي إلى الذل والضعة، ويؤكد على أهمية مجاهدة النفس.
ينتهي المقطع بدعاء الله بالتوفيق لطاعته وتجنب أسباب سخطه، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا يعبر عن الختام والتضرع إلى الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الثالث عشر من بواعث الخلاص من الذنوب، قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى. وليس المراد أن لا يكون له هوى، يعني ما من إنسان إلا وله هوى، شيء يهواه ويميل إليه ويرغب فيه، قد يكون ما يهواه ويميل إليه شيئا شرعيا، وقد يكون شيئا مباحا، وقد يكون أمرا محرما، وهذا هو المقصود في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله. قال: بل يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى، فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معصية الله، يعني يجعل هواه منقادا لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا يكون هواه في معصية الله وفي مخالفة أمر الله جل وعلا. قال: فإن كل شيء من الإنسان يستعمله لله، فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان، وما لا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد، أي من ذلك، إن لم يستعمل هذا الأمر في طاعة الله فإنه -ولا شك- أنه سيستعمله في مصلحة نفسه وهواه، وربما أيضا كان في طاعة الشيطان. قال: فالعلم إن لم يكن لله كان للنفس والهوى، العلم إن لم يكن لله -يعني يطلبه الإنسان لرضى الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه سبحانه والرغبة في الثواب والأجر من الله- كان هذا العلم للنفس، يتزين به ويرائي به، وكذلك ربما أراد من العلم شيئا من مقاصد الدنيا ومتاعها الفاني. وكذلك أيضا يكون لهواه. قال: والعمل إن لم يكن لله كان للرياء والنفاق، عمل الإنسان إن لم يكن خالصا لله، صلاته وصيامه وزكاته وحجه وسائر طاعاته، إن لم تكن لله -المراد منها رضى الله جل وعلا- كانت للرياء والنفاق، يكون عمله رياء يرائي به الناس حتى يثنون عليه ويمدحونه، أو يكون نفاقا، يكون نفاقا كحال المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فأعمالهم كلها لأجل الناس، كما قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: والمال إن لم ينفق لله أنفق في طاعة الشيطان والهوى، إذا لم ينفق الإنسان ماله الذي أنعم الله عز وجل به عليه في طاعة الله، في إخراج الزكاة الواجبة والصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة، كان إنفاقه للمال في طاعة الشيطان والهوى، كم من أموال يبذلها أصحابها في طاعة الشيطان، في شراء المعاصي والذنوب والأمور المحرمة، كشراء الخمور والمسكرات والمخدرات، أو شراء القات أو التدخين، أو شراء الغناء ونحو ذلك من أمور كثيرة محرمة، هي في طاعة الشيطان، ليست في طاعة الرحمن سبحانه وتعالى. قال: والجاه إن لم يستعمل لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه، يعني إذا كان الإنسان عنده جاه ومنزلة عند الناس، إن لم يجعل هذا الجاه في طاعة الله جل وعلا، ويعين الناس، يعين الضعيف الذي يحتاج إلى من يعينه في أخذ حقه أو التوصل إلى حقه، ويحتاج إلى واسطة، فيستغل هذا الجاه في إعانة من يحتاج إلى إعانة، هذا من الخير، إن لم يفعل هذا وجعل هذا الجاه في حظوظ نفسه، فهو بهذا يقع في اتباع الهوى. قال: والقوة إن لم يستعملها في أمر الله استعملها في معصيته، فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، إذا عود الإنسان نفسه العمل لله، أعماله كلها لله، هو حريص على إخلاص العمل لله، في عباداته، في طاعاته، في نفقاته، وفي أقواله، وفي أفعاله، في سائر شؤون حياته، فكونه يصرف هذا العمل لغير الله يجده أمرا شديدا عليه وأمرا ثقيلا عليه. قال: فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا عكس الأول الذي يعود نفسه على العمل للهوى، لهوى نفسه وحظوظ هذه النفس، هو يبذل نفسه ويبذل رغبته ويبذل ما معه إلى سبيل ماذا؟ إعطاء هذه النفس ما تريد من الشهوات وملذات الدنيا، ولو كان في ذلك سخط الله جل وعلا، فيرى أن إخلاص الأعمال لله ثقيل عليه وشديد عليه. قال المصنف -فقه الله- في التعليق: الأمر الثالث عشر من موانع ترك الذنوب، صرف الهوى إلى ما يحبه الله سبحانه وتعالى. قال: فإن في الدنيا أسبابا وعلائق تصرف هوى النفس إلى الباطل والمحرمات، فيجب على العبد أن يحرص كل الحرص على قطع هذه العلائق، وأن يجتهد أعظم الاجتهاد في صرف هواه إلى ما يحبه الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل: «أي الجهاد أفضل؟ قال: أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله عز وجل»، وهذا الحديث خرجه أبو نعيم في الحلية، وصححه علامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة. سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أي الجهاد أفضل؟ قال: أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله»، هذه النفس والهوى، أي ما يميل إليه الإنسان، يحتاج إلى مجاهدة، يحتاج إلى مجاهدة أن يجاهد نفسه في ميل هذه النفس وما تشتهي وتهوى، وأن يجعل ذلك في طاعة الله سبحانه وتعالى، وهو أمر شديد لا شك، لأن النفس في طبيعتها تحب الكسل والخمول والميل إلى الشهوات والملذات، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، فكيف تنهى عن ذلك؟ وكيف تمنعها من الميل إلى هواها؟ وكذلك السعي للوصول إلى لذاتها وشهواتها، هذا يحتاج منك إلى مجاهدة، أن تجاهدها، لا تعطي نفسك كل ما تهوى، لا تعطي نفسك كل ما تهوى، إذا اشتهت نفسك أمرا محرما لا تنقاد لها ولا تبذل لها هذا الأمر، فتكون كالبعير الذي يقوده صاحبه، فلا يذهب يمينا وشمالا إلا على رغبة قائده، وهكذا تجعل الهوى يقودك، يقودك من ذنب إلى ذنب، ومن معصية إلى معصية، ومن سيئة إلى سيئة، هذا حال من يتبع هواه، هو كالبعير المنقاد الذي ينقاد على رغبة قائده وصاحبه، لا لا تكون كذلك، جاهد هذه النفس، إن طلبت ذاك الأمر المحرم لا تعطها إياه، جاهدها في تركه وفي اجتنابه وفي البعد عنه، وفي كذلك عدم الوقوع فيه، إن أردت أن تبلغ بنفسك إلى المراتب العالية. قال: وقد ذم الله عز وجل من انقاد لهواه مطلقا، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، هذا ذم لمن جعل إلهه هواه، جعل إلهه هواه، كل ما أمره به الهوى إن قاد له وأطاع له، كأنه هو الإله الذي يأمره وينهى، أفرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ هذا لا شك أنه يعني قد ضل ضلالا عظيما. قال قتادة في بيان المراد من اتخاذ الهوى إلها: «لا يهوى شيئا إلا ركبه، لا يخاف الله عز وجل»، كل ما هوته نفسه فإنه يفعله، ما يبالي، ما يبالي، لا يخاف من الله ولا يستحي من الله سبحانه وتعالى أن يرتكب هذا الذنب وهذه المعصية. قال: وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه «روضة المحبين» فصلا في ذم الهوى، وأورد فيه خمسين أمرا تعين المسلم على التغلب على هواه، وكيف يجعل هواه تابعا لشرع الله وموافقا لما يحبه الله ويرضاه. وقال رحمه الله في أواخر هذا الفصل: «إن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا وشرف الآخرة، وعز الظاهر وعز الباطن، ومتابعته -أي الهوى- تضع العبد في الدنيا والآخرة، وتذله في الظاهر وفي الباطن»، هكذا يقول رحمه الله. إن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا وشرف الآخرة، فيقول الإنسان شريفا عظيما، كريما مبجلا عند الناس، وهكذا أيضا يكون يوم القيامة شريفا عظيم المنزلة، كذلك كريم المقام. قال: «وعز الظاهر وعز الباطن»، فهو عزيز في ظاهره وفي باطنه. وأما متابعة الهوى، قال: «تضع العبد في الدنيا والآخرة»، تجعله وضيعا ذليلا حقيرا، ليس له قيمة وليس له منزلة، فمن يرضى بنفسه بهذه المنزلة؟ أن يكون حاله بهذا الحال، أن يكون ذليلا حقيرا وضيعا في الدنيا وفي الآخرة. فلذلك حري بالمسلم إذا أراد أن يسلم نفسه من الوقوع في الذنوب والمعاصي أن يجاهد هوى نفسه، وأن لا ينقاد لنفسه لكل ما تريد وتطلب، فإنها بذلك توقعه في المهالك في الدنيا وفي الآخرة. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا جل وعلا أسباب سخطه وعقابه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.