التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 17

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 17

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقارنة بين المنافقين والمؤمنين

يتم مقارنة المنافقين والمؤمنين كما ورد في القرآن الكريم، حيث وعد الله المنافقين بالنار والعذاب المقيم بينما وعد المؤمنين بالجنة والرضوان. يشمل العذاب المقيم للمنافقين آلام نفسية في الدنيا والآخرة.

حلاوة الإيمان وذوقه

يناقش مفهوم حلاوة الإيمان وذوقه، حيث تأتي الراحة الحقيقية للقلب من ذكر الله، بينما تبتعد الموسيقى بالقلب عن الله. يجد المؤمنون حلاوة الإيمان وانشراح الصدور بالإسلام والعلم والعمل الصالح.

تفسير "كالذين من قبلكم" وتوجيهاتها النحوية

يناقش تفسير الآية "كالذين من قبلكم" وتوجيهاتها النحوية المختلفة، حيث يتناول معانيها المحتملة وتوجيهات إعرابية متعددة وفقًا لآراء النحويين. يبين أن الله يوضح تشابه فعل الأمم السابقة مع الآخرين في العذاب والعمل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعض المقارنة في قول الله جل وعلا: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾، وأيضا كذلك عقد شيخ الإسلام رحمه الله مقارنة بين ما ذكره الله عز وجل عن المنافقين وما ذكره عن المؤمنين، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، فذكر هذه المقارنات التي ذكرها الله عز وجل، وأن أهل الإيمان أهل صلاة وعبادة وذكر لله جل وعلا. ثم ذكر ما أعده الله عز وجل للمنافقين والكفار من النار ومن اللعنة ومن العذاب المقيم، وبإزائه -أي بمقابله- ما وعد المؤمنين من الجنة والرضوان ومن الرحمة. قال: «وقد قيل إن قوله جل وعلا: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة -أي في المنافقين والكفار- قال: من الآلام النفسية غما وحزنا، أن هذا العذاب ليس في الآخرة فقط، بل حتى في الدنيا هذا العذاب المقيم؛ لأن الله عز وجل وصف أهل النفاق، قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾». فلهذا قال شيخ الإسلام: «إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية غما وحزنا وقسوة وظلمة قلب وجهلا؛ فإن الكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم». ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل العقل -معنى لا يرتاحون- ولا أيضا يطيب لهم العيش إلا بما يزيل العقل، معنى الخمر والسكر والمخدرات وهذه الملهيات حتى يطفئوا ما في قلوبهم من الظلمة والغم والحزن والضيق. فلهذا يلجأون إلى هذه المحرمات التي تزيل العقل وتلهي القلب، من تناول مسكر أو رؤية ملهية أو سماع مطرب ونحو ذلك. ولهذا الكفار اخترعوا شيئا سموه «الموسيقى الهادئة»، حتى دخلت على المسلمين على أنها تريح القلب، ولا يريح قلب أهل إسلام إلا ذكر الله جل وعلا. وأما هذه فهي تنبت النفاق في القلب، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ولا تريح القلب». فلهذا تجد الموسيقى هذه حتى دخلت مع المقاطع الوعظية -معنى يدخلها بعض الإخوان المسلمين وغيرهم ممن لا ينتبه لمثل هذه الأمور- فيدخل الموسيقى في المقاطع الوعظية عن الموت أو كذا، فيدخل المقطع حزين وموسيقى. ولهذا تجد البعض من يرسل في هذه التواصل الاجتماعي يرسل مقاطع يظن أنها نافعة، وهي قد تكون نافعة في الموعظة في كذا، في كلام في بر الوالدين في عدم العقوق وغيرها، لكن يجعل لها مقطع موسيقى -موسيقى حزينة- ويظن أن هذا أيضا يريح القلب في سماعها، وهذا كله من الباطل الذي أدخله هؤلاء أهل النفاق وأهل الكفر، وقالوا: إن هذه الموسيقى تريح القلب، ولا يريح القلب المؤمن إلا ذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. وأما هذا فهو يبعد القلب عن الله، وهو أيضا من صفات ليس من صفاته الإيمان. قال: «وبإزاء ذلك قوله في المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾، عن أولئك قال لهم عذاب أليم، وبالمقابل أهل الإيمان قال: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾، أي فإن الله يعجل المؤمنين من الرحمة في قلوبهم وغيرها، بما يجدونه من حلاوة الإيمان ويدوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور بالإيمان والعلم والعمل الصالح، بما لا يمكن وصفه». وهذا كلما كان العبد أطوع لله جل وعلا كان أيضا قلبه أطيب وأصلح وأريح. وأيضا كذلك يجد هذا الحلاوة -حلاوة الإيمان- وذوق الإيمان في الدنيا قبل الآخرة، ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبيا، فهذا ذاق طعم الإيمان؛ لأنه رضي بدين الله عز وجل، ورضي أيضا بحكم الله -سواء كان في الشرع أو في القدر- وعمل به. فلهذا فهو على طمأنينة عظيمة، وجد حلاوة الإيمان وذاق طعم الإيمان، فالإيمان له حلاوة وله أيضا طعم وذوق يدوقه أهل الإيمان. بل أن الإيمان يدخل القلب إلى مشاشره -أي هذه الحلاوة وهذا الذوق يكون إلى مشاشر القلب- إلى داخله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مليء عمار إيمانا إلى مشاشر قلبه». قالوا: قال سبحانه في تمام خبر المنافقين: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾، قالوا: هذه الكاف -أي كالذين- قد قيل: إنها رفع خبر مبتدأ محذوف، أنا في موضع رفع خبر، والظاهر أن الشيخ هنا أراد الاختصار، فقال: «إنها رفع خبر مبتدأ، وإنما هي في موضع أو محل رفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أنتم كالذين من قبلكم. وقيل: إنها نصب، نصب بفعل محذوف، تقديره: فعلتم كالذين من قبلكم، على أن الكاف معناه في محل نصب مفعولا به». وهنا كما قلنا: الشيخ يختصر، وإلا المراد هو أنها في محل نصب، وليست نصب ما هو معلوم. قال: «فعلتم كالذين من قبلكم»، كما قال النمر بن توليب: «كاليوم مطلوبا ولا طالبا». والنمر هذا شاعر مخضرم، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، لكنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «لم أراك اليوم»، والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل -يعني إما على أنه مرفوع، أنتم كالذين من قبلكم، أو على أنه نصب: فعلتم كالذين من قبلكم- قال: في أعمال الذين من قبل. وقيل: إن التشبيه في العذاب، ثم قيل: العام المحذوف -أي لعنهم وعذبهم- كما لعن الذين من قبلكم. وقيل: وهو أجود، بل العام ما تقدم -أي وعد الله المنافقين- كوعد الذين من قبلكم -أنا أوعدهم- أي من الوعيد، والوعد هنا ليس الوعد، إنما من الوعيد؛ لأن الوعيد يقال له وعد كذلك. فوعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلهم -أي من الكفار وغيرهم- قال: «ولعنهم كلعن الذين من قبلكم، ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم، أو محلها النصب، ويجوز أن يكون رفعا -أي عذاب كعذاب الذين من قبلكم-». هذه كلها الأوجه ذكرها الشيخ في الكاف «كالذين من قبلكم»، والمراد معناه في القولين واحد، المراد أنه يخبر الله عز وجل ما فعله في الأمم المتقدمة، كذلك فعله في هؤلاء المنافقين، وعيده على أولئك أيضا وعيده على هؤلاء المنافقين. قال: «وحقيقة الأمر على هذا القول أن الكاف تناولها عاملان ناصبان، أو ناصب ورافع، من جنس قولهم: أكرمت وأكرمني زيد». والنحويون لهم في هذا -إذا لم يختلف العامل- كقولك: أكرمت وأعطيت زيدا، قولان: أحدهما -وهو قول سيبويه وأصحابه- أن العامل في الإسم هو أحدهما، وأن الآخر حذف معموله؛ لأنه لا يرى اجتماع عاملين على معمول واحد، وهذا على قول البصريين. وغالبا أهل البصرة هم أبصر بعلم النحو من أهل الكوفة، ومقدم هؤلاء البصرة: الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه. قال: «والثاني: قول الفراء وغيره من الكوفيين: أن الفعلين عملا في هذا الإسم، وهو يرى أن العاملين يعملان في المعمول الواحد». والذي مشى عليه أهل النحو أنهم لا يجتمع عاملان على معمول واحد. قال: «وعلى هذا معنى نصب مع رفع لا يعملان، وإنما نصب مع نصب». قال: «والثاني: وعلى هذا اختلاف في نحو قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ وأمثاله، فعلى قول الأولين يكون التقدير: وعد الله المنافقين النار كوعد الذين من قبلكم، ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم، أو كعذاب الذين من قبلكم، ثم حذف اثنان من هذه المعمولات لدلالة الآخر عليهما، وهم يستحسنون حذف الأولين». وعلى القول الثاني يمكن أن يقال: الكاف المذكور بعينها هي المتعلقة بقوله: «وعد»، وبقوله: «ولعن»، وبقوله: «ولهم عذاب مقيم»؛ لأن الكاف لا يظهر فيها إعراب. وهذا على القول بأن عمل الثلاثة النصب ظاهر، وإذا قيل: أن الثالث يعمل الرفع، فوجهه أن العمل واحد في اللفظ، إذا التعلق تعلق معنوي لا لفظي. وإذا عرفت أن من الناس من يجعل التشبيه في العمل، ومنهم من يجعل التشبيه في العذاب -أن المراد أن عذابهم كعذاب أولئك، أو أن المراد وعدهم أو توعدهم الله عز وجل مثل ما توعد أولئك- قال: «فالقولان متلازمان؛ إذ المشابهة في الموجب تقتضي المشابهة في الموجب، وبالعكس، فلا خلاف معنوي بين القولين، وإنما من ناحية الإعراب فقط، وإلا من ناحية المعنى واحد». والمراد أن هؤلاء كالذين من قبلكم كانوا -يريد الله عز وجل أن يبين أن فعلهم- أن وعد أو توعد هؤلاء مثل ما توعد الله عز وجل الأمم السابقة. قال: «وعلى القولين الأولين يكون قد دل على أحدهما لفظا، وعلى الآخر لزوما». قال: «وإن شاء الله نترك الباقي في درس لاحق».