شرح العقيدة الواسطية 6

شرح العقيدة الواسطية 6

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الإيمان بأسماء الله وصفاته

يتناول شرح الإيمان بأسماء الله وصفاته وأهمية هذا الباب في العقيدة الإسلامية. يشير إلى أن المؤلف اختار هذا الموضوع لشدة الانحراف فيه في زمنه.

مبادئ التعامل مع أسماء الله وصفاته

يتناول أربعة مبادئ أساسية للتعامل مع أسماء الله وصفاته، وهي عدم التحريف، عدم التعطيل، عدم التكييف، وعدم التمثيل. يُوضح معاني هذه المبادئ وأمثلة على مخالفتها.

تقسيم صفات الله وشرح الصفات الثبوتية والسلبية

يناقش تقسيم صفات الله إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية، ويشرح مفهوم كل منهما ودله الشرعية. يبين أن الصفات السلبية تنفي النقص عن الله مع إثبات كمال ضدها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، في درس الواسطية إخواني في الله، كان الكلام في درس أمس حول مجمل الكلام في مسائل الإيمان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت وبالقضاء والقدر خيره وشره، وعلمنا مجمل الاعتقادات في هذا الباب والذي ينبغي أن يعتقده كل مسلم. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. بدأ الآن المؤلف رحمه الله تعالى بالتفصيل، بدأ الآن ذكر الإيمان إجمالا بالله والملائكة والكتب والرسل، ثم رجع وقال: ومن الإيمان بالله. مر معنا إخواني في الله أن الإيمان بالله يكون بعدة أمور: الإيمان بوجوده، وإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. قد مر معنا هذا في درس أمس. تلاحظ أن المؤلف رحمه الله تعالى ماذا اختار من هذه الأمور الأربع؟ الأمر الأخير: الإيمان بأسماء الله وصفاته، من الإيمان بالله الإيمان بأسمائه وصفاته. ولماذا اختار المؤلف رحمه الله تعالى هذا النوع من أنواع الإيمان بالله؟ الجواب أن الوضع في زمنه كان ملحا عليه، وذلك لشدة الانحراف في هذا الباب، لشدة الانحراف في هذا الباب. وهنا تعلم يا عبد الله، يا أيها الداعي، ويا طالب العلم، أنك أحيانا في بعض الأماكن لربما ينبغي أن تساير الوضع الموجود، تساير الوضع الموجود. لما كان أئمة السلف ابتلاهم الله بالمبتدعة، وخاصة في باب الأسماء والصفات، كانت الحرب سجالا في هذا الباب، أكثر أهل السنة من الكلام في مسألة الأسماء والصفات، وجعلوا فصولا خاصة متعلقة بهذا الباب. لكن انظر، عندما تقادم العهد في مثل هذه الأزمان، أصبح أهل السنة الآن إن تكلموا عن ماذا تكلموا؟ من أنواع الإيمان: الإيمان بألوهية الله، في هذه الأزمان، وخاصة في زمن علماء الدعوة، لماذا ركزوا على الألوهية خاصة؟ ولم يعرجوا على باقي المسائل؟ لعلمهم أن الآن في أزمانهم كانت الحرب في مسألة ماذا؟ صرف العبادة والطاعة لله أم لغير الله؟ لما رأوا من الشر المستطير وظهور ظاهرة الشرك في هذه الأزمان، ناسب أن يتكلم علماء العقيدة والتوحيد في هذا القسم، في الإيمان بالله الإيمان بألوهيته. قديما كان الأجدر بهم الإيمان بالله الإيمان بأسماء وصفاته، فيختارون الذي يناسب الواقع، يناسب الواقع. فأحيانا تجد أن بعض الأئمة يتكلم عن مسألة دون غيرها من المسائل، لأن الواقع محتاج إلى ذلك، لكثرة الفهم الخاطئ، لكثرة المخالفين في هذا الباب، لوجود الخلط واللبس في هذه القضية. فتجد أن العلماء يركزون على بعض المسائل دون بعضها. فانظر الآن شيخ الإسلام، إنما عرج الكلام على هذا النوع من أنواع الإيمان، لم يتكلم عن ربوبية الله ولا عن ألوهيته، لأن هذه المسائل مسلمة عندهم، مسلمة عندهم. لكن لما أتى الخلوف بعد ذلك، ظهرت مسائل الشرك والكفر في حينها، قام العلماء وخلصوا الكلام، بل وألفوا الكتب الخاصة المتعلقة بألوهية الله سبحانه وتعالى. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى، واختار من الإيمان بالله الإيمان بأسماء الله وصفاته. وخلاصة هذا الباب إخواني في الله هو أن تؤمن، وأن تعتقد بأن لله جل وعلا أسماء حسنى وصفات علا. المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب أشار إلى قاعدة مهمة جدا، حيث قال: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله. هذه القاعدة تعتبر من القواعد العظام في باب الأسماء والصفات، وهي أنك إذا أردت أن تثبت لله اسما أو صفة، فلا تتعدى القرآن والسنة. كما قال إمام أحمد رحمه الله تعالى: لا نتجاوز القرآن والحديث. إذا شئت أو أردت أن تسمي الله جل وعلا باسم أو أردت أن تضيف صفة، فينبغي أن تنطلق من الكتاب والسنة. وهذا الذي عبر عنه العلماء بقولهم: الأسماء والصفات توقيفية. هذا الباب باب توقيفي، عليك أن تقف حيث وقف بك الشرع، فلا تزيد، فلا تزيد من عندك. وهذا الذي أشار إليه المؤلف بقوله: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به محمد رسول الله. فلا تتجاوز القرآن أو الحديث. فليس هذا محل اجتهاد بأنك تبتكر لله جل وعلا أسماء كما تفعل الفلاسفة، ويفعل بعض المعاصرين، هذا لا يجوز، هذا وسئة، هذا معنى أنه من صور الإلحاد، من صور الإلحاد. والدليل على هذه القاعدة، على أن أسماء الله وصفاته توقيفية، قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾. فلا يجوز أن تقول من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. هذه قيود يضبط بها هذا الباب. إذا أردت أن تؤمن بأسماء الله وصفاته، مع أنها مأخوذة من كتاب الله ومن سنة رسوله، فليكن التطبيق الفعلي لهذه المسائل أن يكون مقيدا بهذه القيود الأربعة: لا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وسيأتي معنى إخواني في الله ما معنى هذه المصطلحات الأربع بشيء من الإيجاز. قوله رحمه الله تعالى: من غير تحريف. التحريف في اللغة بمعنى التغيير والتبديل. التحريف في اللغة يأتي بمعنى التغيير والتبديل. أقول لبعض الناس: أخي لا تحرف كلامي، أي لا تغير ولا تبدل في كلامي. فالتحريف في اللغة يأتي بمعنى التغيير والتبديل. وأما اصطلاحا، وهذا الذي يهمنا، قال العلماء: هو تغيير النص لفظا أو معنى. تغيير النص، أي النص الذي جاء في اسم الله أو صفته، تغيير النص لفظا أو معنى، لفظا أو معنى. وهذا التحريف يكون على قسمين، كما أشار إلى ذلك جماعة من العلماء، كابن القيم رحمه الله تعالى، إذ أنه فصل في التحريف: يكون لفظيا ويكون معنويا. التحريف اللفظي هو أنك تأتي إلى هذا النص القرآني أو إلى صفة من صفات الله، فتغير في هذه الكلمة، تغيير في هذه الكلمة. مثل ما وقع لليهود أخزاهم الله، عندما أمرهم ربنا جل وعلا بأن يدخلوا القرية وأن يشكروا الله على ما من به عليهم، فيقولوا: حطه يا رب، حطه يا رب، أي حط عنا من ذنوبنا، حط عنا من ذنوبنا، فيسألون الله المغفرة، فيقولوا: حطه. فلكن ما الذي فعلوا؟ غيروا، حرفوا، بدلوا، فقالوا: حمطه، حمطه يا رب، حمطه يا رب، استهزاء وتطاولا واستخفافا. هذا ماذا يسمى؟ يسمى تحريفا لفظيا. بمعنى أنك جئت إلى النص القرآني أو إلى الأمر الرباني، فغيرت من شكل الكلمة: حطة، حمطة. وهذا يقع كذلك عند المبتدع، أنهم يتصلطوا على بعض النصوص الشرعية القرآنية، فيحاولوا أن يغيروا فيها. مثاله ما وقع لعمر بن العلاء، وهو أحد القراء، أتى إليه مبتدع وطلب منه أن يقرأ هذه الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فعرض عليه أن يقرأها: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا. وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى. ما الذي ستفعل؟ فقط فتحة، اجعل فتحة على لفظ الجلالة. هذه الفتحة هل ستغير المعنى؟ نعم، سيتغير المعنى جذريا. على الوجه الأول: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، أي أن الله هو الذي كلم موسى سبحانه. وعلى القراءة الثانية: إن قرئت وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى، بمعنى أن موسى هو الذي كلم الله، فالله ما تكلم، وهم يريدون هذا، يريدون نفي الكلام عن الله، وأن الله ما يتكلم. فماذا طلبوا؟ أرادوا أن الفعل ينتقل إلى موسى، بماذا؟ بهذا الحرف: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى. فلفظ الجلالة إذا يكون منصوبا على المفعولية مقدم، وموسى فاعل مؤخر: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى، أي كَلَّمَ مُوسَى اللَّهَ. هكذا سيكون تقديره. فهذا ماذا يسمى؟ تحريفا لفظيا. أنهم يتصلطوا على الآيات القرآنية، فيغيرون من شكلها. إلا أن هذا الإمام رحمه الله عليه قال: هب مثلا أني قلت هذا، وأني جعلت هذه الآية على ما تريد من الهوى. قال: فأين أنت من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ أين أنت من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ هذا واضحة، كيف ستغير فيه هذا الآن؟ ما يمكنك، يعني إذا استطعت أن تغير في آية واحدة، عندك آيات كثيرة ما تستطيع أن تغير فيها، ما تستطيع. فبهت هذا المبتدع. فالحاصل أن هذا نوع من أنواع التحريف، يسميه العلماء بالتحريف اللفظي: تغيير وتبديل. وهناك التحريف الآخر، وهو التحريف المعنوي، وهو أنك تبقي النص، تبقي النص على ماهيته، إلا أنك تغير المعنى المراد. يد الله مبسوطة، يد الله بمعنى قدرة الله، هذا تغيير وتبديل، لكن أين؟ هل في لفظ الكلمة؟ لا، في معناها. هو يقرأ، يقول: يد الله مبسوطة، بمعنى: بل يداه مبسوطتان، أي قدرتاه، قدرتاه. وهكذا يأتون إلى أي نص من نصوص الأسماء والصفات، فيثبتون اللفظ، أما المعنى يغيرونه ويبدلونه. هذا يسميه العلماء بالتحريف المعنوي. فالتحريف هو التغيير والتبديل للنص القرآني، إما لفظا أو معنى. هذا التحريف. الأمر الثاني، قال: ولا تعطيل. إذن المبدأ الأول أن تثبت أسماء الله وصفاته من غير أن تغير فيها، ولا أن تبدل. الأمر الثاني أن لا تعطل. والتعطيل مأخوذ من العطل، التعطيل مأخوذ من العطل، وهو الخلو والفراغ. العطل، ومعنى العطل، وما تفرع عن هذه الكلمة، من مادة عين طاء لام، تدل على الخلو والفراغ: الخلو والفراغ، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وبئر معطلة﴾، عطلت، ما أحد يأتيها، أصبحت فراغا. ومنها كذلك في اللغة المعاصرة: عطلة يوم الجمعة، عطلة، أي ترك، متروك، فراغ، خالي، ما عندك شيء، ما أنت ملزم بشيء، عطلة. هذا معنى في اللغة. لكن شرعا، الذي يهمنا في هذا الباب، قال العلماء: هو إنكار ما يجب لله، إنكار ما يجب لله من الأسماء والصفات، إنكار ما يجب لله من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضه، أو إنكار بعضه. فالتعطيل وإنكار، إنكار ما يجب إثباته لله من اسم أو صفة. وهذا مذهب التعطيل، أحيان يكون كليا، وأحيان يكون جزئيا. ويدخل في ذلك جماعات من المبتدعة، كالجهمية والأشاعرة والمعتزلة. فمنهم من ينكر الأسماء والصفات جملة وتفصيلا، ومنهم من يثبت الأسماء وينكر الصفات، كالمعتزلة. ومنهم من يثبت بعض الصفات دون بعض، ينكرها، كالأشاعرة. هذا أنواع من الفرق الضالة التي تنوعت حكمها في مسألة التعطيل. فهم ينكرون ما يجب لله، ينكرون ما يجب لله، فيتجرؤون على أن هذا الاسم لا يثبت لله، أو أن هذه الصفة لا تثبت لله. فإنكارهم تعطيل، إنكارهم تعطيل. والمسلم إخواني في هذا الباب لا يعطل شيئا لله، اسما أثبته الله لنفسه، فيثبت له، لا تغير، ولا تبدل. وأيضا لا تعطل، ولا تلغي، أو هكذا، ما جاء الرسول الله أنه ذكر اسما لربنا عز وجل، فأنت لا تستدرك، لا بتغيير وتبديل، كالمذهب الأول، ولا بالتعطيل، وذلك بأن تنفي هذا الاسم لله، هذا لا يجوز، هذا التعطيل. الأمر الثالث: التكييف. قال: ولا تكييف. والتكييف هو تعيين كنه الشيء، أو قل هو طلب كيفية الشيء، هو طلب كيفية الشيء، أنك تطلب كيفية هذه الصفة. وهذا لا يتأتى في باب حق الرب سبحانه وتعالى، لا يمكنك أن تتعرف على كيفية الصفة، فهي من الأمور الغيبية، من الأمور الغيبية. والفائدة في هذا الباب إخواني في الله نذكرها، على أن الإنسان يستطيع أن يتعرف على كيفية الشيء، بأمور ثلاثة: إما برؤية الشيء، إما برؤية الشيء، حينها سيعرف الكيفية الحقيقية التي هو عليها. أو برؤية نظيره، برؤية نظيره، له نظير، من خلال النظر إلى نظير الشيء، ستتعرف على الشيء، على كيفيته. أو بخبر الصادق، بخبر الصادق، يخبرك بحقيقة الصفة. بهذه الأمور الثلاثة تستطيع أن تتعرف على كيفية الشيء. مثل يأتيك واحد يقول: أخي هل سمعت بآخر جوال هواوي هذا؟ آخر ما خرج، تعرف كيف يكون فيه صفات؟ فأنا الآن أريد أن أعرف على كيفية هذه الصفات. إما أن يعطى لي هذا الجوال أمامي، فستعرف عليه، فحين تعرفت على كيفية هذا الجهاز، لما رأيته بعيني. أو ما أستطيع أن أرى نفسي الجهاز، لكن أرى النظير، قل مثل هذا الجهاز، مثل هذا. فلما أرى النظير، علمت كيف حقيقة الشيء الأول بنظيره. وإذا لم يمكن للأول ولا الثاني، فلا أقل بأن يأتي لي رجل صادق، فيذكر لي الصفات، صفة صفة، بحيث يجلي عن ناظري هذا الغيب، فكأن الجهاز حاضر أمامي. بهذه الأمور الثلاثة، حينها تتعرف على كيفية الشيء، إما برؤيته، أو برؤية نظيره، أو بخبر الصادق. نأتي الآن إلى صفة الله سبحانه وتعالى، لله الصفات العلا، كيف هي صفات الله؟ تكون بأمور الثلاثة؟ برؤيتنا لربنا، برؤية هذه الصفة، وهذا مستحيل. أو برؤية النظير لله، وربنا ليس له نظير، ولا كفة سبحانه وتعالى. أو بخبر الصادق، ومن هذا الصادق الذي يأتي لنا بصفة الرب؟ ما عندنا أحد، فنبينا صلوات ربي وسلام عليه، ما نطق بشيء حول حقيقة صفة الله، وكيف هي؟ إذن هذا الباب يغلق، فيقال: من غير تكييف. فتثبت هذا الاسم وهذه الصفة، ولا تجعل في مخيالتك شيئا من التكييفات، لا يجوز. بعض الناس يثبت الأسماء، يثبت الصفات، ومع ذلك يثبت هذا الباب، باب التكييف، فيترك الأمر لخياله، بأنه ماذا يكيف الله كيف شاء؟ وهذا لا يجوز، وهذا محرم. الأمر الأخير، قال مؤلف رحمه الله تعالى: ولا تمثيل. والمقصود بالتمثيل: إثبات مماثل لله، إثبات مماثل لله، أي تجعل للأسماء والصفات مثيل. ويقول علماء التمثيل على نوعين: إما أن تجعل الله يشبه خلقه، أو أن تشبه خلق الله بالله، هذا كله من التمثيل، ومن التشبيه. بأن تجعل المخلوق مماثلا لله، أو أن تجعل الله مماثلا للمخلوق. فمثل أن تجعل المخلوق مماثلا لله، ما عليه اليهود والنصارى، حين جعل عيسى عليه السلام بمنزلة الرب، فأعطوه من صفات الربوبية، بأنه يغفر، وأنه يدخل الجنة، وأنه يرحم، وأنه يطعم من شاء يطعمه، فهذا نوع من أنواع التمثيل والتشبيه، أن شبه الخلق بالخالق. أو العكس، من صورة التشبيه والتمثيل، أن تشبه الخالق بالخلق، وهذا الذي نحن بصدده، أن تجعل الله كذا، حتى أن بعضهم يقول: بأن الله كذا، حتى أن بعضهم يقول: بأن يد الله كيدنا، وأن الله عز وجل وجهه كوجه كذا، يصرحون هذا، أولا مبتدع، بل من أهل السنة من كفر هؤلاء، من أهل السنة من كفر هؤلاء، من شبه الله بخلقه، فيجعلون أن الله مثل الإنسان الكبير، هؤلاء ممثلة، هؤلاء ممثلة. إذن هذه إخواني في الله القيود الأربع، قد يقول: قال: وما الفرق بين التكييف والتمثيل؟ الكل جعل لله صفة، لا. الفرق بينهما أن التمثيل، أن تجعل لله مماثلا موجودا، تقول: أن الله مثل كذا، شيء موجود عندك، هذا التمثيل. أما التكييف، أعم، التكييف، أنك تجعل صورة خيالية لله، أن تجعل صورة خيالية لله في ذهنك، وذلك مثال الصنم الموجود عندكم في آسيا، هناك اسمه بورما، صنم كبير، فيه أذرع، هذا مثل هذا، عند الكفار، ملاحدة من عباد الأصنام، يظنون أن إلههم عبارة عن إله له أيدي كثيرة. فهذا تكييف، وعندنا في عند أهل الإسلام، صورته أن يأتي مسلم مثلا، ويتخيل في كيفية من كيفيات الله، يتخيل لها صفة غير موجودة، بأن الله كذا، وأن الله كذا، وأن الله سميع سمع الله كذا وكذا، فيتخيل أشياء. فإن كان التخيل ألجأه إلى وجود مماثل في الدنيا، هذا تمثيل. وإن كان خياله أوجده إلى لا وجود، وإنما خيالات وهواجس، هذا أدخله في مسألة التكييف. وهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. فهذه إخواني في الله الأمور الأربع التي صرح بها العلماء على عدم جوازها، جواز فعلها، عندما تتكلم عن أسماء الله وصفاته، فلا تحرف، ولا تعطل، ولا تكيف، ولا تمثل. قال رحمه الله تعالى: بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فائدة إخواني في الله، منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، يقوم على أصلين عظيمين: الأصل الأول: تنزيه الله سبحانه، بأن ينزه عن التشبيه، وعن التمثيل، بشيء من صفات المخلوقين. وهذا الأصل يدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، وقوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾. ويدخل هذا الأصل تحت قوله جل وعلا: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾. فهذا أصل أصيل، احرص يا عبد الله على التنزيه، على أن تنزه الرب جل وعلا من هذا، من تشبيه، من تمثيل، من حلول النقائص فيه سبحانه. الأصل الثاني: الإثبات، وهو الإيمان بما وصف الله به نفسه. ليس معنى التنزيه الأول أنك تعرِّي الله عن أسمائه وصفاته، لا تجرده، لا. بل التنزيه مع إثبات، تنزيه مع إثبات، فتثبت لله عز وجل الإسم والصفة الذي أثبته الله لنفسه، ونبينا في سنته. والدليل على هذا الأصل، قوله سبحانه وتعالى: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾؟ لماذا لا يستدرك بهذه الآية؟ لأن من الذي وصف نفسه هو سبحانه، هو سبحانه جل في علا، هو الذي سمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه سبحانه بصفات، فكيف أنا وأنت نستدرك على ربنا؟ كيف هذا؟ نقول: لا، يا رب، لا هذا ليس لك، لا يا رب، أعوذ بالله، فنقول: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾؟ ربنا أعلم سبحانه بنفسه. كما أنت يا عبد الله ولله المثل الأعلى، كما أنت أعلم بنفسك، تقول: أنا أعلم بنفسي، أنا أستحق الذي من الثنائم، أستحق لنفسي، أنا كذا، أنا كذا، أنا كذا، قلها بحق. فكل واحد منه أعلم بنفسه، وربنا جل وعلا أعلم سبحانه بما يستحقه من أسماء وصفات. فهذا الأصل هو أصل إثبات، يدل عليه هذه الآية: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾، وهكذا في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾، كونك تتجرى وتمنى عن الله، هذا التجرع، تجرع على أنك تتقول على الله بغير علم، صفات الله. صفات الله إخواني في الله تنقسم إلى قسمين، نشير هنا إلى مسائل مهمة، ونحن في صدد الدخول إلى هذا المقام العظيم، مقام الأسماء والصفات، ننبع على بعض القواعد والتفاصيل العامة التي ينبغي أن نتفهمها. صفات الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين: إلى صفات ثبوتية، وإلى صفات سلبية. صفات ثبوتية، ثبوتية، وصفات سلبية، من السلب، سلبية. نبدأ بالقسم الأول، فإن من صفات الله ما هي صفات ثبوتية، وهي التي حقها أن تثبت لله، هذه حقها أن تثبت لله، فسميناها ثبوتية، لأنها ثابتة لله، ثابتة لله سبحانه وتعالى. أسماء: الرحيم، الرحمن، السميع، البصير، الملك، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، هذه أسماء الله، حقها إثبات، ثبوتية، نثبتها. الصفات كذلك لله صفات، فهو يسمع، وهو يعلم، فهذه من الصفات التي نثبتها لله. طيب، هذا الباب، صفات الثبوتية، تنقسم إلى قسمين، الصفات الثبوتية، والتي حقها أن تثبت لله، هي تنقسم أيضا إلى قسمين: إلى صفات ثبوتية ذاتية، ذاتية، معنى ذاتية، أي متعلقة بذات الله، متعلقة بذات الله، فهي لا تنفك عن ربنا سبحانه، فهي لا تنفك عن الله، فالله دائما متصفا بها، فالله دائما متصفا بها. هذه الصفات الثبوتية الذاتية، فهي ثابتة لله، لكن دائما يعبر العلماء: لا تنفك عن الله سبحانه، لماذا لا تنفك عن الله؟ لأنها صفات ذات، مثل العلم، مثل القدرة، مثل الحياة، فهو الحي سبحانه، هذه صفات ثبوتية ثابتة، وهي ذاتية، متعلقة بذات الله، أي لا تنفك عن الله أبدا. والقسم الثاني من الصفات الثبوتية، الصفات الفعلية، الصفات الفعلية، وهي ما يتعلق بفعل الله عز وجل، ما يتعلق بفعل الله سبحانه وتعالى، من أفعاله سبحانه وتعالى، الثبوتية الفعلية، كمسألة الإتيان، مسألة المجيء، مسألة النزول، هذه كلها من صفات الله الفعلية. ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل، الإتيان في يوم القيامة لفصل القضاء، المجيء، إلى غير ذلك من صفات الأفعال، فهي أفعال تسمى أفعال ثبوتية. فهذه القسم الأول، إذن القسم الأول عندي صفات ثبوتية، وهذه الصفات الثبوتية تكون إما ثبوت ذات، متعلقة بذات الله، أو ثبوت أفعال، أي أنها من فعله سبحانه وتعالى. ننتقل القسم الثاني، وهي الصفات السلبية، الصفات السلبية، وهي الصفات التي تُنفى عن الله، الصفات السلبية، وهي الصفات التي تُنفى عن الله سبحانه وتعالى. لماذا تُنفى عن الله؟ لأن فيها نقص، بخلاف صفات الثبوتية، فإن فيها صفة كمال لله، الثبوتية فيها صفات كمال. وأما الصفات السلبية، فإنها صفات نقص في حق الرب عز وجل، فحقها أن تُنفى، وأن تُلغى عن ربنا عز وجل، مثل صفة الموت، مثل صفة العجز، مثل صفة النوم، وصفة الجهل، هذه الصفات، صفات نقص، نقص، حقها أن تُنفى عن ربنا سبحانه وتعالى. وهذا جاء القرآن بنفيها عن نفسه سبحانه وتعالى: ﴿لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾. فهذه الصفات السلبية حقها أننا ننفيها عن ربنا عز وجل، لأنها تحتوي على نقص. فائدة أخرى أنبع عليها في هذه الصفات السلبية، ألا وهي: ليس المقصود من الصفات السلبية أنك تنفي فقط، لا، ليس هذا المقصود، المقصود عند أهل السنة والجماعة من الصفات السلبية، أنك تنفيها مع إثبات كمال ضدها. عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الصفات السلبية، لا القصد والغرض منها أنك تنفي هذه السلبيات، أو هذه النقائص، بل الغرض منها أنك تنفي هذه الصفة، صفة النقص، مع إثبات كمال ضدها. فعندما تنفي عن الله العجز، تنفي عن الله العجز، ما الذي ينبغي أن تفعله؟ تنفي هذه الصفة، مع الإقرار والاعتقاد بأن الله يتحلى بكمال ضدها، وما هو ضد العجز؟ القدرة، فتنفي صفة العجز، وتعتقد بأن لله القدرة الكاملة، القدرة الكاملة. تنفي عن الله النوم، ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، السنة كما قيل: مقدمات النوم، مقدمات النوم، والنوم هو الغشية التي تحل في الإنسان، فتنفي عن الله جل وعلا النوم، فعندما تنفي صفة النوم، هل مراد أنك تنفي النوم فقط، مجرد؟ لا، تنفي النوم مع إثبات كمال ضدها، وهي القيمومية، لأن الله قائم على خلقه، لا يغب عنه شيء سبحانه، لا يغب عنه شيء سبحانه وتعالى. وكما قال الله عز وجل: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾، فنفى ربنا جل وعلا عن نفسه الموت، لكن بماذا؟ مع إثبات كمال ضدها، وما هو ضد الموت؟ الحياة، بل الحياة الكاملة، هي لله، الحياة الكاملة، هي لله. ففي باب الصفات السلبية إخواني في الله، عندما تقوم بنفي عن ربنا، انفها مع إثبات كمال ضدها، وحينها يتجلى لك عظم هذا الباب، باب الأسماء والصفات. وليس المقصود النفي المجرد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. هذه الآية من أعظم الآيات التي يقوم عليها هذا الباب من أبواب الدين، الأسماء والصفات، حتى أن أهل البدع ضاقوا، ضاقوا، ضاقوا زرعا من هذه الآية. حتى وصل الحال ببعضهم، كما نقل هذا في كتب التاريخ، عن أحمد بن أبي دؤاد، رأس المعتزلة، الذي هيج الأمراء على أهل السنة، قام أحمد بن أبي دؤاد، وكتب، وأمر بأن يكتب على أستار الكعبة: يكتب على أستار الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم. وما هي الآية؟ وهو السميع البصير. لكن لما ضاق ذرعا من هذه الآية، لما فيها من إثبات صفات الله، أمر بتغييرها. وهذا ماذا يسمى؟ من التحريف اللفظي. قال: أمر بكتابة على ستار الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، حذف: السميع البصير. فهذه الآية من أشد الآيات إرهاقا على المبتدعة، بل حتى يقول بعض العلماء من المعاصرين، كما قال ذاك الهراس: قال: هذه الآية دستور لأهل السنة، دستور لأهل السنة، لعظيم فائدتها، وهي ترد على جميع المبتدعة. هذه الآية إخواني في الله احتوت على عدة فوائد، هذه الآية احتوت على عدة ما سنذكرها. أولا: أنها جمعت بين الأصلين العظيمين في باب الأسماء والصفات، ألا وهو التنزيه، وهو النفي، والإثبات. قد مر معنا في أول الدرس، أن منهج أهل السنة يقوم على التنزيه وعلى الإثبات. وهذا موجود في هذه الآية، فقال سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء﴾، هذا تنزيه، وهذا تنزيه، وهو النفي. ﴿وهو السميع البصير﴾، هذا إثبات. فهذه الآية جمعت بين النفي، أي التنزيه، مع الإثبات. وهذه هي الأصول التي يقوم عليها باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والجماعة، في هذه الآية إخواني في الله فائدة في باب الأسماء والصفات. قال العلماء: أن أنت الآن قد درست الصفات الثبوتية والصفات السلبية، عرفت ما هي، وما عرفت ما كنهها. في باب التطبيق الفعلي، أنك إن أردت أن تذكر الصفات السلبية، حاول أنك تذكرها إجمالا، إجمالا. وإن جئت إلى الصفات الثبوتية، لك يا عبد الله أن تفصل فيها. في باب الصفات السلبية، إذا أردت أن تنفيها عن ربها، فانفيها إجمالا، لا تفصل في الصفات السلبية. فلا تأتي عند الله، تقول: الله جل في علاه ليس بكذا، وليس بكذا، وليس بكذا، وليس بكذا، ليس بكذا، ليس بكذا. هذا عليه المتكلمة من الباطنية والفلاسفة والمبتدعة، أن الله ليس داخل العالم، وليس بخارج عنه، وليس منفكا عنه، وليس مرتبط به، وليس في الأسفل، وليس في الأعلى، وليس، وليس، هذا ليس من الأدب مع الله، هذا ليس من الأدب. وليس هذا أدب القرآن، فمن معتقد أهل السنة والجماعة، أن الصفات السلبية إن نفيناها عن الله، ننفيها إجمالا، ننفيها إجمالا عن الله. لكن في باب الصفات الثبوتية، فصل يا عبد الله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿هو الخالق والبصور هو الخالق البارئ المصور﴾، ثبت عددا، عدد صفات الثبوتية، هذا كل لله أسماء وصفات، فصل فيها، ما في شيء. كما دل على ذلك نص القرآن. طيب، قال العلماء: وهذه الآية التي بين أيدينا تدل على هذه القاعدة. فماذا عند التنزيه؟ ماذا قال ربنا؟ ﴿ليس كمثله شيء﴾، أعم، فهذا لفظ عام، فيه نفي عن الله كل ما يكون من التنقص في حقه، من تشبيه، وتمثيله بغيره، ليس كمثله شيء، من الشيء؟ احسب يا عبد الله هذه الكائنات، فما هناك كائن قط، شابه الرب عز وجل، بل الله منتفي عن مشابه بخلقه، بهذه الجملة المجملة: ﴿ليس كمثله شيء﴾. لما في الإثبات، فصل، قال: ﴿وهو السميع البصير﴾، انظر، فاستفاد العلماء هذه القاعدة، على أن الإنسان في باب التنزيه، والصفات السلبية، إن نفى عن الله، ينفيها مطلق