الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يفسر الإمام محمد بن عبد الوهاب سورة الفاتحة، موضحا معاني "الحمد لله" و"الله". يُبين أن الحمد كله لله وحده وأنه الإله المعبود الذي يستحق العبادة.
يشرح المقطع معاني الألوهية والربوبية، مبينا أن الله إله واحد يستحق العبادة، ويوضح معنى الربوبية العامة والخاصة وأن الله مالك الكون.
يشرح أن سورة الفاتحة والناس اجتمعتا على ذكر أنواع التوحيد الثلاثة. يُفصّل كيف تحمل آيات القرآن معاني لصفات الله، مما يزيد من خشية العبد ومعرفته.
تم اختتام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعبر عن انتهاء الشرح والانتقال إلى مرحلة أخرى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته في تفسير سورة الفاتحة: قال «والألف واللام في قوله ﴿الحمد لله﴾ للإستغراق، أي إدخال جميع أنواع الحمد كلها لله، لا لغيره. فأما الذي لا صنع للمخلوق فيه، مثل خلق الإنسان، وخلق السمع والبصر والفؤاد، وخلق السماوات والأرض والأرزاق، وغير ذلك، فواضح. أي فواضح حمد الله جل وعلا في هذه النعم؛ لأنه المتفرد بها سبحانه وتعالى، ولا اختيار للإنسان في هذه المخلوقات. وأما ما يحمد عليه المخلوق، مثل ما يثنى به على الصالحين، وعلى الأنبياء والمرسلين، وعلى من فعل معروفا، خصوصا إن أزداه إليك، فهذا كله أيضا لله، بمعنى أنه خلق ذلك الفاعل، وأعطاه ما فعل به ذلك، وحببه إليه، وقواه عليه، وغير ذلك من أفضال الله، الذي لو يختل بعضها لم يحمد ذلك المحمود، فصار الحمد كله لله بهذا الاعتبار. فقولك في قراءتك سورة الفاتحة ﴿الحمد لله﴾، فأل في الحمد للاستغراق، أي أن الله جل وعلا هو الذي يستحق أن يحمد جل وعلا، فجميع المحامد كلها لله، سواء ما كان الإنسان فيه اختيار من فعل الخير وفعل البر والإحسان، أو مما لا اختيار فيه للإنسان، كخلقه وخلق ما خلق الله عز وجل فيه من جوارح، من سمع وبصر إلى آخر ذلك، فكل ذلك يحمد الله سبحانه وتعالى عليه. والله عز وجل يحمد لأمرين، على جهة الإجمال: الأمر الأول لكماله جل وعلا، فهو الكامل سبحانه في ذاته وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والأمر الثاني يحمد جل وعلا لكمال فضله وإنعامه، فما من نعمة ينعم بها الإنسان فهي من فضل الله، ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، فالله عز وجل إذن يحمد لجميع النعم التي أزداها على هذا المخلوق، فهو المستحق جل وعلا للحمد. واللام في لفظ الجلال «لله» للاستحقاق، يعني أن الله عز وجل هو المستحق للحمد سبحانه وتعالى، فكل نعمة يتقلب فيها العبد فهي من فضل الله، والحمد فيها لله سبحانه وتعالى. قال «وأما قوله ﴿لله رب العالمين﴾، فالله علم على ربنا تبارك وتعالى، أي لفظ الجلال «الله» من أسماء الأعلام التي سمى الله جل وعلا بها نفسه، وهي من الأسماء الخاصة التي لا يجوز لأحد من الخلق أن يتسمى بها. ومعنى الإله، أي المعبود، أي لفظ الجلالة «الله» بمعنى الإله، فأصلها «الإله»، حذفت الهمزة، فالتقت اللامان، فأضغمت إحداهما في الأخرى، فصارت «الله»، فمعنى «الله» أي المألوه المعبود، ولهذا قرأ ابن عباس قول الله جل وعلا ﴿ويذرك وآلهتك﴾، «ويذرك وإلهتك»، أي معبوداتك أو معبودك. وسئل ابن عباس: هل تعرف العرب هذا المعنى أن لفظ الجلال «الله» بمعنى المعبود؟ قال: نعم، وذكر قول «روب من العجاج لله در الغانيات المدهي سبحنا واسترجعنا من تأله أي من تعبدي»، إذا معنى «الله» أي الإله المعبود الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه سبحانه وتعالى، قال لقوله تعالى ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾، أي المعبود في السماوات والمعبود في الأرض، أي يعبده أهل السماء ويعبده أهل الأرض. ومثلها قول الله جل وعلا ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾، أي إله من في السماء فيعبده من في السماء، وإله من في الأرض فيعبده من في الأرض. وليس معنى الآية أن الله في الأرض كما يقول بعض أهل الضلال، فهذا باطل ولا تدل عليه الآية، وإنما معنى الآية كما سمعتم: أنه جل وعلا معبود من في السماوات ومعبود من في الأرض، وإلا فالله جل وعلا مستو على عرشه بائن من خلقه سبحانه وتعالى، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، قال: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا﴾، الآيتين، أي في قوله جل وعلا ﴿لقد أحصاهم وعدهم عدا﴾، ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾، وهذا يؤكد معنى تفرده جل وعلا بالألوهية، وأنه الإله المتفرد جل وعلا بالعبادة الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه، فجميع المخلوقات تأتيه يوم القيامة فردا، وكذلك أيضا يحاسبها الله جل وعلا على أعمالها. قال «وأما الرب فمعناه المالك المتصرف»، الرب: الحمد لله رب، الرب: المالك المتصرف، فهو جل وعلا المتفرد بالربوبية بالخلق والملك والتجبير، فلا إله غيره ولا رب سواه سبحانه وتعالى. وربوبية الله جل وعلا على نوعين: ربوبية عامة، وربوبية خاصة. أما الربوبية العامة، فهو جل وعلا الذي رب جميع المخلوقات بالنعم والأرزاق وبتيسير معاشهم وحياتهم، وهذا يشمل جميع المخلوقات من إنس وجن، وكذلك حيوانات وحشرات وغير ذلك من المخلوقات. والنوع الثاني من أنواع الربوبية وهي الربوبية الخاصة، وهو تربية الله لعباده وأوليائه بالإيمان والهدى والعلم، فهذا أيضا مما اختص به جل وعلا أهل الإيمان به. قال «فمعناه المالك المتصرف»، أي فلا رب غيره سبحانه وتعالى يتصرف في هذا الكون ويخلق الخلائق ويتكفل بأرزاقهم وأمور حياتهم، فهو المتصرف ذلك سبحانه وتعالى وحده. قال «وأما العالمين فهو اسم لكل ما سوى الله تبارك وتعالى، فكل من سوى الله فهو عالم، فسوى كان ذلك العالم العلوي مما فيه من الملائكة، أو العالم السفلي مما فيه من أنواع المخلوقات من الإنس أو الجن أو الحيوانات، أو كذلك عالم البحار وما فيها من أسماك إلى آخر ذلك. قال: فكل ما سواه من ملك أو نبي وإنسي وجني وغير ذلك مربوب مقهور يتصرف فيه. نعم، فهو تحت تصرف الله سبحانه وتعالى، فالله ربه وخالقه ومالكه والمتصرف فيه سبحانه وتعالى، قال: فقير محتاج، كلهم صامدون إلى واحد لا شريك له في ذلك، صامدون بمعنى ملتجئون إلى الله جل وعلا في قضاء حوائجهم وفي طلب حاجاتهم، فإنهم يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا معنى الصمد، ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾، أي الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم وطلب قضائها من الله سبحانه وتعالى. قال: فقير محتاج، كلهم صامدون إلى واحد لا شريك له في ذلك، وهو الغني، الصمد هو الغني جل وعلا عن خلقه وعن عبادتهم وعن طاعاتهم وعن كذلك أيضا سؤالاتهم وحاجاتهم، الله عز وجل لا يحتاج إلى أحد من الخلق، ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾، فهو الغني سبحانه وتعالى عن سائر هذه المخلوقات، وهي التي تحتاج إلى الله وتفتقر إلى ربها وخالقها، ولهذا فإنها لا تستغني من طلب الحاجات وتفريج الكربات من ربها سبحانه وتعالى. قال: وذكر بعد ذلك «مالك يوم الدين»، وفي قراءة أخرى «ملك يوم الدين». قال: فذكر في أول هذه السورة التي هي أول المصحف الألوهية والربوبية والملك، كما ذكره في آخر سورة في المصحف «قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس»، أي أن أول السورة في القرآن وهي الفاتحة اجتمعت على ذكر أنواع ماذا؟ أنواع التوحيد الثلاثة التي هي الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، كما كذلك أيضا اجتمعت آخر سورة في القرآن على هذه المعاني الثلاثة. ففي سورة الفاتحة «الحمد لله» وهذا توحيد الألوهية، «رب العالمين» وهذا توحيد الربوبية، و«مالك يوم الدين» وهذا توحيد الأسماء والصفات، كذلك أيضا «الرحمن الرحيم» هو أيضا من توحيد الأسماء والصفات. وهكذا آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس «قل أعوذ برب الناس» توحيد الربوبية، «ملك الناس» توحيد الأسماء والصفات، «إله الناس» توحيد الألوهية، فأول القرآن اجتمع على التوحيد، وآخر سورة في القرآن اجتمعت كذلك على التوحيد وأنواعه، وما بين هاتين السورتين من القرآن فهو كذلك مجتمع على توحيد الله جل وعلا. قال: «فهذه ثلاثة أوصاف لربنا تبارك وتعالى ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر ما يطرق سمعك من القرآن»، ما يطرق سمعك من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذه المواضع ويبذل جهده في البحث عنها، يعني في معرفة أنواع التوحيد وما أخبر الله سبحانه وتعالى من ذلك في القرآن من تقرير هذا الأمر العظيم من الأمر بألوهيته وإفراده بالعبادة، وكذلك أيضا من بيان تفرده جل وعلا بالربوبية، وما له جل وعلا من الأسماء والصفات. قال: «ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن ثم في آخر القرآن إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها ومعرفة الفرق بين هذه الصفات، فكل صفة لها معنى غير معنى الصفة الأخرى، كما يقال: محمد رسول الله، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم، فكل وصف له معنى غير معنى الوصف الآخر». ويريد بذلك أن نتفكر العبد في أسماء الله وصفاته التي تدل على كمال الخالق سبحانه وتعالى، وتدل على جلالته وعظمته. وكلما ازداد العبد معرفة بربه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ازداد ماذا؟ علما، وازداد خشية من الله جل وعلا، ولهذا قال الله عز وجل ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، أي أشد الناس خشية لله هم أهل العلم لمعرفتهم بالله سبحانه وتعالى. فهذه الصفات التي وصف الله جل وعلا بها نفسه تختلف معانيها وتختلف مقاصدها، وإن كانت هي تجتمع في كونها صفة لله، لكن الصفات تختلف في المعاني، كما أننا نقول: محمد رسول الله، ونقول: محمد خاتم النبيين، ونقول: محمد سيد ولد آدم، هذه صفات للنبي عليه الصلاة والسلام تختلف معانيها، مع أن كلها من صفاته عليه الصلاة والسلام. وهكذا صفات الله جل وعلا، ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾، ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، وله جل وعلا الأسماء الحسنى والصفات العلا التي تدل على كمال الخالق سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.