الخطبة بعنوان أهمية اغتنام الفرص، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 شوال 1443هـ الموافق 6 مايو 2022م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد الخطيب على أن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، مستشهداً بحديث «اغتنم خمساً قبل خمس» وقصة الأعرابي الذي أضاع فرصة عظيمة، محذراً من الندم عند الموت ومبيناً أن استغلال الصحة والفراغ والشباب والغنى والحياة في الطاعة سبب للنجاة.
يسرد الخطيب قصصاً دالة على اغتنام فرص السؤال عن خير الآخرة، كطلب العجوز مرافقة موسى في الجنة وسؤال ربيعة بن كعب النبي صلى الله عليه وسلم مرافقته، واستغفار الأنصار حين أتيحت لهم فرصة الدعاء، دالاً على توفيق الله لمن يستغل الفرص لآخرته.
يختتم الخطيب بدعاء جامع يطلب فيه المغفرة والرحمة والعافية لموتى المسلمين، متوسلاً بأسماء الله وصفاته لتطهيرهم من الذنوب، ويختم بالصلاة على النبي محمد والتكبير والشهادة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، كما يعلم الجميع أن الله عز وجل خلق هذه الدنيا وجعلها دار عمل، وخلق الآخرة وجعلها دار جزاء، فاليوم عمل وغدًا نجاز على هذه الأعمال والنتيجة، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا ربنا عز وجل خلق هذه الدنيا وجعلها مليئة بالفرص، وخلق الآخرة وجعلها مليئة بالغصص، فمن اغتنم فرص الدنيا كان ذلك سببًا لسلامته ونجاته من غصص يوم القيامة. الدنيا فرص، والآخرة مليئة بالغصص، فمن اغتنم فرص الدنيا كان ذلك سببًا لسلامته ونجاته من غصص ذلكم اليوم. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أيها المسلمون، عباد الله، كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أصحابه خاصة وأمته على وجه العموم اغتنام الفرص واستغلالها، وخطورة إضاعتها، كما جاء عند الإمام الحاكم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوصى رجلًا فقال له: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ». اغتنم خمسًا، هذه الخمس الأولى هي تعتبر فرصًا، ولهذا عبر بالاغتنام، قال: «قَبْلَ خَمْسٍ»، والخمس الأخرى كم هي مليئة بالمتاعب! «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: فَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ». اغتنم يا أيها المسلم هذه الفرص، فإن الفرص لربما لا تتكرر، والفرص لربما لا تعود، ولهذا كان من الأهمية بمكان أن يكون المسلم حريصًا على اغتنام واستغلال هذه الفرص التي تعترضه في حياته الدنيا. أيها المسلمون، عباد الله، جاء عند الإمام أبي يعلى والحاكم وغيرهما من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أعرابي فأكرمه، أي أكرم الأعرابي نبينا صلى الله عليه وسلم، والكريم إذا أكرم فإنه يحب الوفاء ويحب أن يرد الجميل بمثله وأفضل منه. أكرم الأعرابي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام لهذا الأعرابي: «إِذَا نَزَلْتَ الْمَدِينَةَ فَأْتِنَا». فقدم الأعرابي إلى المدينة وأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: «سَلْ حَاجَتَكَ، اطْلُبْ مَاذَا تُرِيدُ، سَلْ حَاجَتَكَ». وهذه نسميها فرصة، ومثلها قد لا يتكرر، وقل ما يعود. «سَلْ حَاجَتَكَ». فقال الأعرابي: «بَعِيرًا»، وفي بعض الروايات: «نَاقَةً أَبْلُغُ بِهَا وَأَعْنُزًا يَحْلُبُهَا أَهْلِي». فتعجب نبينا صلى الله عليه وسلم، تعجب من إضاعة الفرص، فقال عليه الصلاة والسلام: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟» أيعجز أحدكم أن يكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ قال الصحابة رضي الله عنهم: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيْ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَظَلَّ الطَّرِيقَ، أَيْ دَخَلُوا فِي التِّيهِ فَلَا يَرَوْنَ شَيْئًا، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: نَحْنُ نُحَدِّثُكَ، إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَخَذَ عَلَيْنَا الْمِيثَاقَ أَنْ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ أَنْ نَحْمِلَ مَعَنَا عِظَامَهُ، أَنْ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ أَنْ نَحْمِلَ مَعَنَا عِظَامَهُ، أَيْ نَحْمِلَ مَعَنَا بَدَنَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ». ولو نعود شيئًا قليلاً في التاريخ فنسأل سؤالًا: نقول من هو الذي أخرج بني إسرائيل من بيت المقدس وأتى بهم إلى بلاد مصر؟ فجواب ذلك هو الذي قال الله تعالى عنه أنه قال لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. إذن هو يوسف عليه الصلاة والسلام. فبقي بنو إسرائيل في مصر في عز وتمكين بسبب أخيهم يوسف عليه الصلاة والسلام. ذكر بعض أهل التاريخ أنه حصل صراع بين الفراعنة، فكان بنو إسرائيل إلى صف أحدهما فهزما وغلبا، فقام فرعون المنتصر يريد أن ينتقم منهم، فكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. قالوا: إن يوسف عليه الصلاة والسلام لما حضرته الوفاة أخذ علينا الميثاق أن إذا خرجنا من مصر أن نحمل معنا عظامه. قال موسى عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ يَدُلُّنَا عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ؟» قالوا: ليس إلا عجوز في بني إسرائيل. فأمر بها فأتت، فقال لها: أين قبر يوسف؟ فقالت هذه العجوز: «لَا أُدِلُّكَ عَلَيْهِ حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي»، أي حتى تنزل على شرطي. قال: وما حكمك؟ وهذه نسميها فرصة أمام عجوز، لكن ما أعظم اغتنام الفرص، وما أجمل استغلالها، فإن ذلك يعتبر من توفيق الله لمن شاء من خلقه وعبيده. قال: وما حكمك؟ قالت: «أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ». فكأن موسى كره ذلك أو استعظم ذلك، فأوحى الله إلى موسى أن أعطها حكمها، فأعطاها حكمها. قالت: أين قبر يوسف؟ فأتت بهم على مثل البحيرة مجمع ماء، فقالت: «أَنْضِبُوا الْمَاءَ»، فنضبوه، قالت: «احْفِرُوا هُنَا»، فحفروا، فإذا بجسد يوسف عليه الصلاة والسلام، فلما احتملوه بانت لهم الطريق كضوء النهار، بانت لهم الطريق كضوء النهار. وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان رجلًا من أهل الصفة، وكان يبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا استيقظ أتاه بوضوئه وحاجته. فقال له عليه الصلاة والسلام يومًا: «سَلْ يَا رَابِعَةُ، سَلْ يَا رَابِعَةُ». وهذه كذلك أيضًا من الفرص التي قد لا تتكرر، وقل ما تعود. «سَلْ يَا رَابِعَةُ». فقال ربيعة رضي الله تعالى عنه: «أَسْأَلُ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ». الله أكبر، ما أعظم الفرص إذا اغتنمت، واستغلها المؤمن حق الاستغلال! قال: «أَسْأَلُ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ». فقال عليه الصلاة والسلام: «أَوْ غَيْرَ ذَاكَ يَا رَابِعَةُ؟ أَنْتَ عَازِبٌ لَيْسَ عِنْدَكَ زَوْجَةٌ، أَوْ مَا تُرِيدُ زَوَاجًا؟ أَنْتَ فَقِيرٌ لَا مَالَ لَكَ، أَلَا تُرِيدُ نَاقَةً أَوْ بَعِيرًا؟ أَلَا تُرِيدُ أَغْنَامًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً؟ أَوْ غَيْرَ ذَاكَ يَا رَابِعَةُ؟» قال: «هُوَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ». فقال عليه الصلاة والسلام: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»، أي كثرة الصلاة لله تبارك وتعالى. وهكذا جاء في حديث أنس، وأصله في الصحيح، في قصة الأنصار وما كانوا يعانونه من مشقة من استخراج المياه من الآبار، فأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كي يدعو الله عز وجل أن يرزقهم الله عز وجل سهولة في استعمال المياه. فلما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ الْيَوْمَ شَيْئًا إِلَّا دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى فَيُعْطِيَكُمْ إِيَّاهُ، إِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ الْيَوْمَ شَيْئًا إِلَّا دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى فَيُعْطِيَكُمْ إِيَّاهُ». فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: «آه الدُّنْيَا تُرِيدُونَ، آه الدُّنْيَا تُرِيدُونَ». فقال الأنصار: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لَنَا، اسْتَغْفِرْ لَنَا». فقال عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ». فبكى الأنصار، بكوا على توفيق الله عز وجل لهم إذ اغتنموا هذه الفرصة وأحسنوا استغلالها. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم مغتنمًا للفرص مستغلًا لها، فإن الفرص كما سبق لربما لا تتكرر، وقد لا تعود. نسأل المولى تبارك وتعالى أن يعيننا على اغتنام الفرص واستغلالها حق الاستغلال، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وكم هي الفرص التي يتعرض لها أو تتعرض له المسلم في هذه الحياة الدنيا، ليست فرصة وإنما هي فرص، لربما لا يستطيع لها حصرًا. ونحن قبل أيام قريبة وليالي ليست عنا ببعيدة قد ودعنا موسمًا عظيمًا وشهرًا فضيلًا ملئًا بالأعمال، وكان مليئًا بالفرص، وما أكثر من كانوا مجتهدين ومستغلين لتلكم الفرص التي كانت في ذلكم الشهر المبارك، وما أكثر المضيعين لهذه الفرص، وما أكثر المضيعين لهذه الفرص! ولهذا رمضان ذهب وهو شاهد على أهل الإحسان بالإحسان، وشاهد على أهل الإساءة بالإساءة والخسران. أيها المسلمون، عباد الله، والفرص لم تنتهِ ما دام الهواء يدور في صدورنا، وما دامت الأرواح تعمر أبداننا، فإن الفرص لا تزال موجودة ولا تزال سانحة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ»، وذكر عليه الصلاة والسلام: «فَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ». هذا الفراغ الذي نعيشه هو يعتبر فرصة عظيمة يجب أن تغتنم ويجب أن تستغل، وإلا فإن الله عز وجل سائلنا عن ذلك، سائلنا عن ذلك. وقال: «وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ». فهذه الصحة وهذه العافية التي تدب في بدنك، اعلم يا رعاك الله أنها نعمة، وأنها كذلك فرصة، إياك ثم إياك أن تكون مضيعًا لها، فإن الله سائلنا عن ذلك. وهكذا قال: «وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ». وبعد هذا كله قال عليه الصلاة والسلام: «وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ». الحياة مليئة بالفرص التي يجب أن تستغل ويجب أن تغتنم قبل فوات الأوان، تغتنمها في الصلاة والصيام، وتغتنمها في النوافل والقيام، تغتنمها في الحج والعمرة، تغتنمها في بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، تغتنمها في الإحسان إلى القريب والبعيد. أيها المسلمون، عباد الله، وإذا ضاعت الفرص فإن الندامة هي التي تعقب ذلك، كما قال ربنا عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ * كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. لماذا هم الخاسرون؟ لقد أضاعوا الفرص، لقد أهملوا استغلالها، لقد كانوا في لعب ولهو، لقد كانوا في كسل وفتور. قال سبحانه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. ماذا تريد يا عبدالله؟ ماذا تريد بالعودة والتأخير؟ أتدري يا عبدالله ماذا يريد؟ يريد اغتنام الفرص واستغلالها وعدم إضاعتها. ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، أكون مطيعًا لك يا رب، كما يعبر به اليوم «طوع»، كي أكون مطيعًا لك. في الدنيا كان يغضب إذا قيل له: يا مطوع، يغضب ويزعل، يقول: لا ما أنا مطوع، ما أنا مطوع. فإذا جاء الموت قال: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فيكون الجواب: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، الدنيا مليئة بالفرص، والآخرة مليئة بالمتاعب والغصص، فمن اغتنم ومن استغل فرص الدنيا كان ذلك سببًا لنجاته وسلامته من غصص يوم القيامة. أسأل المولى عز وجل بمنه وفضله وجوده وإحسانه أن يعيننا على استغلال الفرص واغتنامها، أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. نسأله تبارك وتعالى باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، أن يغفر لنا وأن يرحمنا أجمعين، وأن يجعلنا من عباده المقبولين، وفي رحمته داخلين، وعن النار مزحزحين. نسأله تبارك وتعالى أن يحفظ بلدنا هذا خاصة وسائر بلاد المسلمين عامة، وأن يجنبه المصائب والفتن والحروب والأوبئة والنكبات والزلازل والأسقام وسيء الأسقام. نسأله تبارك وتعالى أن يولي علينا خيارنا، وأن يصرف عنا شرارنا، وأن يجعل ولايتنا في من خافه واتقاه واتبع رضاه. نسأله تبارك وتعالى أن يوفق ولاة أمورنا لما فيه خير وصلاح للبلاد والعباد وللإسلام والمسلمين، وأن يرزقهم البطانة الصالحة، وأن يجنبهم البطانة السيئة. نسأله تبارك وتعالى أن يرحم موتانا وموتى المسلمين الذين شهدوا له بالوحدانية ولنبيه عليه الصلاة والسلام بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعفُ عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلهم من خطاياهم بالماء والثلج والبرد، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، اللهم فبر الله أكبر.