الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 26، ألقاها
يؤكد الإمام النووي على أهمية طلب العلم ومواظبته، ويربط بين الحرص على العلم وعلو الهمة. يُستشهد بمثال الأنبياء والصحابة والتابعين في حرصهم على العلم.
يناقش أهمية التوازن في طلب العلم وعدم الإفراط أو التفريط، ويشدد على ضرورة مواءمة الجهد مع القدرة والاستطاعة، مع التأكيد على الدعاء والتقوى. كما يشمل آداب التعلم ومراعاة أحوال الشيخ.
يوجّه إلى المداومة في طلب العلم ومراعاة أحوال الشيخ، والتعلم بما يستطيع دون إفراط أو تفريط، واستغلال وقت الفراغ والنشاط في التحصيل قبل أن تعترضه الشواغل.
يتضمن الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، ويمتد هذا الدعاء إلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصلٌ في الحرص على العلم. قال: ومن آدابه المتأكدة أن يكون حريصًا على التعلم، مواضبًا عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير، ولا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافةً من الملل وضياع ما حصل. وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال. وهذا أدبٌ ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى، أدبٌ مطلوب، وهو الحرص على العلم. والحرص على العلم من أعظم المعينات على تحصيل العلم، فكلما كان الطالب حريصًا على العلم، كلما نال من العلم على قدر حرصه. والحرص يجامع علو الهمة، الحرص على العلم يجامع علو الهمة في تحصيل العلم. وكلما علت همَّة طالب العلم في التحصيل، كلما حصَّل من العلم الخير الكثير، وكلما ضعُفت الهمَّة، ضعُف معها الحرص، وضعُف معها التحصيل. فمن العناوين البارزة المعينة لطلب العلم لطالب العلم والمعينة لطلب العلم أن يكون الطالب حريصًا على طلب العلم، ولا يكون حريصًا إلا إذا عرف قدر العلم. إذا عرف قدر العلم كان حريصًا عليه؛ لأن الإنسان كلما عرف قدر الشيء وعظمته، كلما ازداد حرصًا على تحصيله والنيل منه. وكلما ضعف علمه بقدر ذلك الشيء، كلما كان حرصه على تحصيله كذلك. فالحرص على طلب العلم جليل، واضح على تقدير الطالب للعلم ومعرفة عظمة العلم ومكانة العلم ومكانة أهله. لذا إذا نظرنا يمنة ويسرة ورأينا الحريصين على العلم، لوجدناهم أئمة هدى في كل زمان ومكان. في كل زمان ومكان، الأنبياء عليه الصلاة والسلام كانوا في قمة ذلك في الحرص على العلم وعلى نيله والإجتهاد في ذلك. وما قصة موسى عن نبي بعيد مع الخضر، وكذلك ما حصل لنبينا صلى الله عليه وسلم من مواقف كثيرة تدل على ذلك. ولا أدل من قول الله جل وعلا ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وهذا من الحرص على العلم أن يسأل ربه العبد أن يزيده علمًا. وإذا نظرنا كذلك في طبقة الصحابة لرأينا العجب العجاب في حرصهم على العلم وتحصيله، وكذلك في من بعدهم من التابعين وتابعيهم، وهكذا الآئمة الأعلام رحمهم الله تعالى في كل زمان ومكان. لذا يقول الإمام النووي رحمه الله: ومن آدابه المتأكدة أن يكون حريصًا على التعلم مواضبًا عليه في جميع الأوقات. هذا هو الأصل أن طالب العلم يكون حريصًا على تحصيل العلم مواضبًا عليه في جميع الأوقات. لا يكون وقتًا يقول: هذا الوقت سأجعله للنوم، وهذا الوقت سأجعله للكلام مع الأصحاب، وهذا الوقت سأجعله للعمل، وهذا الوقت سأزور الأقارب، وما يبقى من الوقت إلا الشيء اليسير، فيقول: وما تبقى سأطلب فيه العلم. لا، العلم كما يقول من يقول من العلماء رحمهم الله تعالى: «إن أعطيته كلك أعطيته كلك أعطاك بعضه، فكيف إذا أعطيته بعضك، بل بعض البعض ماذا ستنال منه؟». فالحرص على العلم مطلوب، ولا يعارض ذلك ما تقدم ذكره من أن الإنسان لا يكون مضيعًا لما أوجب الله تبارك وتعالى عليه، بل يعطي لكل ذي حق حقه. ولكنه يكون دائمًا كلما وجد وقتًا جعله للعلم. وكلما تفرغ وأبعد المشاغل عن قلبه وعن عينيه، كلما أقبل أكثر وأكثر، وكلما حصل كذلك أكثر وأكثر. والعبرة كما ذكر رحمه الله تعالى بالحرص والمواظبة المواظبة على العلم. ولا يفعل كما يفعل بعض الناس يحضر حلقة العلم لمدة يوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين، ثم ماذا؟ ثم يحق رأسه ويقول: ما نسبني هذا الدرس. فماذا قال؟ سأنتقل إلى درس آخر، وهكذا مدة، ثم يقول: هذا الدرس أيضًا ما نسبني، فينتقل إلى درس ثالث. وهذا وإن كان متخبطًا في الطلب، إلا أنه أهوى ممن يقول: «العلم له رجال وأنا لست منهم، سأذهب إلى عمل من أعمال الدنيا ويترك العلم». ليس الأمر كذلك، العلم يحتاج إلى اجتهاد، يحتاج إلى حرص، يحتاج إلى مواظبة، يحتاج إلى دعاء أن تدعو ربك تبارك وتعالى أن يعلمك العلم النافع. وأن يعينك عليه، وأن يسدد خطاك، وأن يوفقك في التحصيل وفي العمل بذلك العلم. فيحتاج العبد دائمًا وأبدًا إلى أن يوثق العلاقة بينه وبين ربه جل وعلا، أن يكثر من دعاء الله، من العمل الصالح، من تقوى الله جل وعلا. الله جل وعلا يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. فكما قال من قال من العلماء: من أسباب تحصيل العلم تقوى الله. فطالب العلم يبتعد عن المشاغل ويقبل على الله جل وعلا. والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به، عند ظن عبده به. إن ظن بالله خيرًا، فالله جل وعلا شكور يعطيه فوق ما يظن ويتصور. ولكن العبد عجول. قال رحمه الله تعالى: مواضبًا عليه في جميع الأوقات. جميع الوقت، إن يسأل الله لك أمرك في طلب العلم، لم تحتج إلى شيء من أمور المعاش والمشاغل، فهذه نعمة عظمى لطالب العلم ينبغي له أن يحافظ عليها وأن يشكر الله جل وعلا عليها. وأن يقبل إقبالًا تامًا كاملًا كليًا على تحصيل العلم، ولا سيما في وقت القوة والشباب. قال رحمه الله تعالى: ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير. أي: إن آتاك الله تبارك وتعالى قوة في الحفظ، قوة في الفهم، فازدد من العلم. يعني مثلًا إنسان يستطيع أن يحفظ في اليوم خمسين حديثًا، يقول: خمس أحاديث تكفيني، هذا همة هابطة. لكن يحفظ ما يقوى على حفظه مع إتقان لذلك المحفوظ. هكذا إن كان عنده مثلًا درس أو درسان ويستطيع أن يزداد على ذلك ثالثًا ورابعًا، فيقال له: ما دام عندك إمكانية وهب من الله جل وعلا لك، فعليك أن تستقل هذه الإمكانيات والعطايا والهبات من الله رب العالمين جل وعلا في التزود من طلب العلم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يحمل نفسه ما لا يطيق». وهذا عكس الأول، يعني الناس كما هو معلوم ثلاثة أصناف دائمًا: مفرِّط، صاحب تفريط، وصاحب إفراط، ووسط. صاحب تفريط يكتفي باليسير مع قدرته على الإزدياد، مفرِّط. وصاحب إفراط: إمكانية محدودة، يعني ما يستطيع أن يتجاوز مثلًا يحفظ عشرة أحاديث في اليوم، يضغط على نفسه فيحفظ عشرين حديثًا. أو لا يستطيع أن يزيد على درسين في اليوم، فيضغط على نفسه فيدخل ثالثًا ورابعًا، فتتشتت عليه المعلومات. الأول ضيع، والثاني غلط وضيع كذلك الحقيقة. والوسط بين الأول والثاني، الوسط أن يعطي نفسه قدرتها، فلا إفراط ولا تفريط، الوسط العدل أن يعطي نفسه ما تقدر عليه وما تستطيعه، فلا إفراط ولا تفريط. قال رحمه الله تعالى: «ولا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافة من الملل وضياع ما حصل». أي مخافة يكون ذلك سببًا لأن يحصل له الملل، ويحصل له بسببه كذلك الضياع لما حصل. وهذا موجود، بعض الناس تجده في بدء طلبه العلم مقبلًا إقبالًا عجيبًا، يقول له: يا فلان خفف عن نفسك، يقول: أنا أستطيع. يمر به الأسبوع، أسبوعان، شهر، شهران، تجده تعبان، كما يقال مرهق، قد وصل حصل له الملل والكلل. فيبدأ يقلص، يقلص، يقلص، حتى لا يبقى معه أحيانًا ولا درس. ما لك يا فلان؟ يقول: ضغط على نفسه، أو يقول: درس كثيرة، أنا أريد أن أتوجه للحفظ. ما سبب ذلك؟ سبب ذلك عدم السير الصحيح في تحصيل العلم. أعطى نفسه فوق طاقتها، أتعبها، أرهقها. والنفس ينبغي أن تعطى حقها، لا إفراط ولا تفريط. قال رحمه الله تعالى: وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال. الناس مختلفون، منهم من لا يستطيع أن يحفظ في اليوم إلا خمس آيات، هذا لا نقول له: احفظ صفحة ولابد. آخر ربما يحفظ الصفحة والصفحتين والثلاث والأربع في اليوم الواحد، وربما أكثر من ذلك. فلا يقاس أحدهما بالآخر، بل كل واحد يتعلم ويحفظ ويدرس بما يستطيع. والعبر بالمداومة. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان أحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما داوم عليه صاحبه وإن قل». والعبر بالمداومة ولو أن تحفظ في اليوم آيتين، نعمة وأجر عظيم وخير كثير. لكن تستمر، أو خمس آيات وتستمر، خير لك، أو خير لك من أن تحفظ في اليوم ورقة أو ورقتين، ثم تنقطع بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين. ينبغي للإنسان أن يكون فقيهًا مع نفسه، يعطيها حقها، لا إفراط ولا تفريط. قال رحمه الله تعالى: وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظر ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته، إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه. يعني مثلًا الشيخ لا يقرأ إلا صباحًا، لا يقرأ الإنسان عند الباب حقه مثل عسكري العصر، العشاء، المغرب، ما يقول: سيخرج الشيخ. يقال: الشيخ لا يدرس إلا الصباح. وهذا الفعل ربما أزعج ذلك الشيخ، وكره ذلك الشيخ ذلك الفعل. فينبغي للطالبي أن يراعي أحوال شيخه كذلك، لا إفراط ولا تفريط. لا يأتي الشيخ وما يجد أحدًا في المجلس، أو يجلس الشيخ ويقرأ، ثم يحضر الطالب، هذا تفريط. وأما إن كان من عادة الشيخ أنه يخرج والطلب ينتظرونه ويسيرون معه، يفعل ذلك. وقد كان يفعله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. وإن كان قد كره «العقب» جماعة من السلف، أي أن يكون الشيخ يمشي ويطأ يسير خلفه جماعة؛ لأن ذلك مدعاه للعجب. قال رحمه الله تعالى: وأنه لا يقرأ في غيره. وإذا وجد الشيخ نائمًا أو مشتغلًا بمهم لم يستأذن عليه. رأى الشيخ مثلًا يقرأ إنسانًا، أو كان يقرأ هو، ورآه منشغلًا في شيء، لا يأتي إليه السلام عليكم، أقرأ عليك؟ هذا فيه سوء أدب. قال: بل يصبر إلى استيقاظه، إلى استيقاظ وفراغه، أو ينصرف. والصبر أولى. كما كان ابن عباس رضي الله عنهما وغيره يفعلون، أن ينتظرون العلماء على الأبواب حتى إذا خرجوا أخذوا عنهم العلم والحديث والسنة. قال: وينبغي أن يأخذ نفسه بالإجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشاغلات، قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح من حديث ابن عباس: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». قال رحمه الله تعالى: قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة. فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا». قال البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذا الأثر في صحيحه معلقًا: «وبعد أن تسودوا». ومعنى هذا أن طالب العلم لا ينقطع، وطالب العلم لا ينقطع عن العلم، بل يبقى دائمًا مع العلم إلى أن يموت. كما قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إمام أهل السنة والجماعة: إلى متى تطلب الحديث؟ قال: «من المحبرة إلى المقبرة»، أي إلى الموت نطلب العلم والحديث إلى الموت. وقال له إنسان: إلى متى تطلب العلم يا أبا عبد الله؟ قال: «نطلب العلم ما وجدنا من يعلمنا». قال الإمام النووي رحمه الله: معنى أثر عمر رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا»، قال: معناه اجتهدوا في كمال أهليتكم، اجتهدوا في كمال أهليتكم وأنتم أتباع، قبل أن تصيروا سادة. فإنكم إذا صرتم سادة متبوعين، امتنعتم من التعلم لارتفاع منزلتكم وكثرة شغلكم. وهذا معنى قول الإمام الشافعي رضي الله عنه: «تفقه قبل أن ترأس». فإذا ترأست فلا سبيل إلى تفقه. لماذا؟ لأنه إما أن يمنعهم الحشمة، يقول: أنا رئيس وأنا لي أتباع كيف أتتلمذ؟ وإما أن يكون بسبب الشواغل، وإما أن يكون بسبب كثرة الشواغل لا يستطيع أن يتفرغ ويحصل العلم من أهل العلم. فينبغي لطالب العلم أن يحرص على التحصيل ما دام يستطيع ذلك. نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.