الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المحور معنى عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم من قبل جبريل، وحديث فاطمة رضي الله عنها الذي أسر فيه النبي بمراجعة جبريل للقرآن مرتين في عام وفاته بدل مرة، فبكت لعلمها بقرب الأجل ثم ضحكت لبشارة لقائه في الجنة، وأخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها.
يستعرض المحور استدلال العلماء بمراجعة جبريل للقرآن مرتين على قرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم، ويستنبط منه استحباب الإكثار من تلاوة القرآن والعمل الصالح عند الشعور بدنو الأجل، اقتداءً بهدي النبي في ازدياد الخير مع تقدم الزمن.
يؤكد المحور على وجوب ازدياد العبد من الأعمال الصالحة كلما كبر سنه، مستدلاً بحديث «خيركم من طال عمره وحسن عمله»، ويبين أن النبي كان أجود ما يكون في رمضان عند لقاء جبريل لعرض القرآن، مما يدل على فضيلة الإكثار من القرآن والتدبر في هذا الشهر.
يختم المحور ببيان ثمار قراءة القرآن وعرضه والمحافظة عليه في الصلاة، موضحاً أنها تثمر تقرب العبد إلى الله تعالى، وتكون سبباً في الأعمال الصالحة وحب الخير، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام». «يعرض القرآن»؛ المراد به من العرض وهو أن يقرأ عليه، وقيل: إن المراد كما جاء في القرآن أن جبريل يقرأ والنبي عليه الصلاة والسلام يستمع، ثم يقرأ النبي عليه الصلاة والسلام، فجبريل يعرض عليه وهو يعرض على جبريل. وعنى إذا أعطاه الوحي فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظه ويحرك لسانه، فانهاه الله عز وجل عن ذلك، وضمن له ربه جل وعلا أن يحفظه في صدره: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ [القيامة: 16-18]، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك. وقال مسروق، ومسروق هو ابن الأجدع الوادعي مولى عائشة رضي الله تعالى عنها، قال: عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن فاطمة عليها السلام. وهذا «عليها السلام» قد يكون من النساخ وليس من البخاري. وفاطمة هي بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وغالب أهل الحديث يقولون: رضي الله عنها، وكذلك علي رضي الله تعالى عنه، وما يقولون: عليه السلام، أو يميزونه. لكن أحياناً يكون من من ينسخ هذا البخاري وغيره، ولهذا في نسخة الحافظ لم يذكر «عليها السلام». وقال مسروق عن عائشة عن فاطمة قالت... هذا يدل على أن «عليها السلام» ليس من صحيح البخاري أو ليس من البخاري. قال: «أسر إلي النبي عليه الصلاة والسلام أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي». وهذا الحديث قد ذكره البخاري في عدة مواضع، ذكر فيه هذا الحديث عن فاطمة. والحديث في مسند عائشة رضي الله تعالى عنها: أن فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه، فأسر إليها بشيء فبكت، ثم أسر إليها بشيء فضحكت. فتعجبت عائشة: ما الذي جعل فاطمة رضي الله تعالى عنها تبكي ثم تضحك؟ فسألتها عن ذلك، فقالت لها: «بحقي عليك»؛ أي لأني زوجت أباك، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحب عائشة. ولما توسط... لما وسط بعض النساء النبي عليه الصلاة والسلام فاطمة لأجل أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يحب عائشة كثيراً... لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحب عائشة كثيراً، فوسطوها حتى تكون محبته لجميعهن واحدة. وهو ليس من المعنى، لا يدخل في العدل بين النساء؛ مسألة المحبة هذه لا تدخل في العدل، لأن هذه المحبة محبة القلب، فقد يميل القلب من ناحية المحبة إلى إحدى النساء مثلاً، فالعدل لا يكون في ذلك، وإنما يكون في المبيت وكذلك النفقة وغير هذه من الأمور التي يستطيعها الإنسان. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب عائشة كثيراً، فوسط بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة حتى تقول له هذا الكلام. فقال: «يا بنية، إن كنت تحبينني فأحبيها»؛ أي: أحبي عائشة. فكانت فاطمة تحبها. فقالت عائشة لفاطمة رضي الله تعالى عنهما: قالت لها: «بحقي عليك، ما الذي أبكاك وأضحكك؟» فقالت: «والله لا أفشي سراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسرني به». ثم لما مات النبي عليه الصلاة والسلام لم تنسَ عائشة هذا الموقف، وهذا لحرصها على الخير وحرصها على هذه الأمور التي تخص النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت لفاطمة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الذي أبكاك وأضحكك في ذلك اليوم؟» فقالت... فقالت: «لما جئت النبي صلى الله عليه وسلم أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني هذه السنة مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي». ما نستدل بهذا: النبي عليه الصلاة والسلام بمعارضة جبريل عليه القرآن مرتين على أن أجله قرب، على أن أجله قرب. فعارضه القرآن مرتين حتى يكون معنى... حتى يكون النبي عليه الصلاة والسلام قد تمكن منه معنى فلا ينسى منه شيئاً أبداً. ولا شك أن الله عز وجل قد تكفل بجمعه له في قلبه، معنى بحفظه، فهو يحفظ هذا القرآن عن ظهر قلب. وكذلك أيضاً عرضه جبريل لأجل... لأجل أيضاً أن يؤكد عليه الأمر، وقد يكون أيضاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأجل أن أجله قرب. فاستدل العلماء بذلك أن من رأى أنه في آخر أجله فإنه ينبغي عليه أن يكثر من قراءة القرآن، ويكثر من الأعمال الصالحة. وكلما كبر الإنسان كلما ازداد طاعة لله، وازداد أيضاً عملاً من الأعمال الصالحة، فيكثر فيها، لا يكون عمله مستقلاً أو في معنى عمله ديمة على شيء واحد لا يكثر فيه. مثلاً على سبيل المثال: يصلي الوتر ثلاث ركعات فيداوم على ذلك ولا يزيد. المداومة طيبة، لكن ينبغي عليه أن يكثر من الأعمال الصالحة، يحاول أنه أيضاً هذا الذي استمر عليه يزيد عليه، يزيد عليه إذا رأى نفسه قد استمر عليه. لأن الإنسان كلما كبر سنه وكثر عمله كان خيراً له. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وأساء عمله». فكلما تقدم الإنسان في السن كلما تقرب بالله عز وجل، فإذا رأى نفسه يتباعد عن الله فهذا نذير شر، فالواجب عليه أن يدرك نفسه. قال: حدثنا يحيى بن قزعة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد. وهذا الإسناد مدني. قال: حدثني عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس. وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو من فقهاء المدينة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة. وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام يعمل بالقرآن، كلما قرأه على جبريل كلما عمل بما فيه، وأيضاً يزيده خيراً فوق خيره عليه الصلاة والسلام. وهذا لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوة هذه الأمة. فاستدل العلماء بذلك أيضاً أن قراءة القرآن لها أثر في قلوب... في قلب المؤمن في زيادة الخير، وأيضاً كذلك في المسارعة إلى الله جل وعلا والمسارعة بالأعمال الصالحة. فكلما كان العبد قارئاً للقرآن محافظاً عليه، وأيضاً كذلك يحرص على الصلاة... معنى الصلاة بهذا القرآن، كلما كثر خيره وكلما ازداد تقربه إلى الله جل وعلا. فهذا مفهوم هذا الحديث. فقال: «فإذا لقيه جبريل كان أجود الناس بالخير من الريح المرسلة»، كما جاء في بعض الروايات: «فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة»؛ فيسرع في الخير عليه الصلاة والسلام. وهذا كما قلنا يدل على أن قراءة القرآن وعرضه، وكذلك المحافظة عليه في الصلاة، يثمر على العبد ويثمر بقلبه التقرب إلى الله جل وعلا، وكذلك الأعمال الصالحة وحب الخير. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.