الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الآية أن أصل البشر واحد من آدم وحواء، فلا فضل إلا بالتقوى، وتندد بالفخر الجاهلي بالأنساب. أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الكرم الحقيقي عند الله هو تقوى العبد وعمله الصالح.
يبيّن المقطع أن الله خلق آدم من تراب وحواء من ضلعه، بينما سائر البشر من نطفة، فلا تكبر. جعل الله الشعوب والقبائل للتعارف وصلة الأرحام، مستعرضاً التقسيمات النسبية العربية.
يؤكد المقطع أن الكفاءة في النسب أو المال ليست شرطاً لصحة النكاح، مستدلاً بزيجات النبي ﷺ. أكرم الناس عند الله أتقاهم، لا بالعلم ولا بالنسب، والفقير التقي خير من الغني المتكبر.
يختتم الشيخ شرح الآية مشيراً إلى فوائد إضافية ستُتناول في درس قادم. يكتفي بما تم بيانه في هذا الدرس.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فاليوم إن شاء الله تعالى نأخذ قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾. فهذه الآية عباد الله، وهي الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات، بيّن الله عز وجل فيها قضية عظيمة، كان الناس قبل الإسلام في غفلة عنها، بل وأنها أيضًا كذلك ضلت في أهل الإسلام إلى يومنا هذا، وهي قضية التفاخر بالأحساب والأنساب، وعدم معرفة أن الكرم عند الله عز وجل، والأكرم عند الله هو التقوى، ومن اتقى الله. فإن كثيرًا من الناس يذهب إلى هذه النعارات، وينسى أن الكرم والفخر إنما يكون لمن اتقى الله جل وعلا. فجاءت هذه الآية تبين هذه الحقيقة، وأنه لا ينبغي لأحد أن يفخر بأبيه أو بجده أو بقبيلته أو بغيرها من هذه الأشياء، وإنما هم بشر لا ينبغي أن يفخر بهم. فمن أراد أن يفخر، فليفخر بدينه وتقواه وبكرمه، فهذا الفخر عند الله جل وعلا. ولهذا كانت العرب قد سرى فيهم هذا الأمر، وهو أمر التفاخر، ولهذا تجد أكثر أشعار العرب فيها التفاخر، وكذلك طعن في غيرهم، يتفاخر بقبيلته ويطعن في غيره، وكل واحد يريد أن يكون أكثر من الآخر، وأيضًا يظن نفسه أن له شأنًا عند الناس أكثر من غيره. فلهذا تجد أنهم يتفاخرون. قد تقدم معنا في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾، وأنها نزلت في وفد بني تميم، لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجاءوا وقت القيلولة، فقالوا: يا محمد، يا محمد، أخرج إلينا. فنادوا النبي عليه الصلاة والسلام في وقت القيلولة، فأنكر الله عز وجل عليهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾. فلما خرج النبي عليه الصلاة والسلام إليهم، قال الأقرع بن حابس لخطيبهم: قم وافخر، وفاقر بنا، قم وافخر، وفاقر بنا. أي: فاقر، بمعنى: اثنِ على قبيلتنا بني تميم، وفاقر بنا الناس. فقام خطيبهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فرد عليه. فخطب ثابت بن قيس خطبة بليغة عظيمة، ثم قال لشاعرهم: قم وفاخر بنا. فقام شاعرهم، شاعر بني تميم، وفاخر ببني تميم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: قم فرد عليه. فرد عليه حسان رضي الله عنه. فقال الأقرع بن حابس: ما رأيتم مثل اليوم، خطيبهم أفضل من خطيبنا، وشاعرهم أفضل من شاعرنا. فهذا كما قلنا كان عند العرب، حتى أنهم إذا التقوا تفاخروا. فلهذا جاءت هذه الآية لأجل حل هذه القضية العظيمة. ولهذا خطب النبي عليه الصلاة والسلام الناس، فقال: «يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، فإنما هو بر تقي، أو فاجر شقي». قال الله عز وجل: أذهب بهذا التفاخر الذي كان عند أهل الجاهلية، وفخرها بالآباء، أذهبه الله عز وجل عن أهل الإسلام. فمن بقي فيه هذا الأمر، فهو بقي فيه شيء من رواسب الجاهلية. ولهذا جاء في صحيح مسلم في حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت». وجاء أيضًا في الحديث الآخر: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت». فلهذا قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾، ولم يقل: يا أيها الذين آمنوا، لأن هنا أراد الخطاب لكافة الناس، وأن هذا ليس بنافعهم شيئًا، فخرهم بالأحساب وبآبائهم ليس بنافعهم شيئًا أبدًا. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾. قيل: أن المراد بالذكر هو آدم، والأنثى هي حواء، أي أنكم كلكم من آدم، فلماذا يفتخر بعضكم على بعض؟ كلكم من رجل واحد، وكلكم من امرأة واحدة، فلماذا يفخر بعضكم على بعض؟ ولهذا جاء في حديث بهرورة عند أحمد وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كلكم من آدم، وآدم من تراب». وجاء في لفظ: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى. كلكم من آدم، وآدم من تراب». فلهذا يرجع الناس إلى آدم. وفي السَّراء أيضًا كذلك، قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾، أي من أب وأم. الله عز وجل خلق الناس، جميع البشر، خلقهم من أب وأم، إلا من استثناه الله عز وجل. ولهذا الناس خلقوا على ثلاثة أحوال: منهم من خلق من غير أب ولا أم، وهو آدم عليه السلام. ومنهم من خلق من ذكر بغير أنثى، وهي حواء، لم تخلق من أنثى، خلقت من ضلع آدم. ومنهم من جعله الله عز وجل من أم بدون أب، وهو عيسى بن مريم عليه السلام. ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. فخلق الله عز وجل عيسى بن مريم بكلمته سبحانه وتعالى، فخلق بكلمة الله، أي قال له: كن، فكان. عيسى مثل ما خلق الله عز وجل آدم، خلق عيسى كذلك، لم يخلقهم من نطفة. لكن كل الخلق خلقهم الله عز وجل من أب وأم، خلقهم من نطفة، من ماء مهين. فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يتكبر على غيره وهو مثله، والعظيم الذي يتكبر على الله عز وجل ولا يخضع لله سبحانه وتعالى، فهذا أعظم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾. قال مجاهد: أي الله عز وجل يقول: إنه خلق خلق أولاء البشر من نطفة حقيرة قذرة، فإذا هو يخاصم ربه ويجادل ربه، يخاصم ربه وجادل ربه، مثل ما يفعل الآن كثير من العلمانيين والليبراليين والملحدين، بل ممن ينتسب للإسلام لكنه جاهل بدين الله، فيرد على الله ويرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فهؤلاء ما عرفوا قدر أنفسهم. فالله عز وجل يقول: ﴿ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾، يخاصم ربه ويجادل ربه. فلهذا خلق الله عز وجل بني آدم من ذكر وأنثى، سواء كان قلنا: من آدم وحواء، أو من أب وأم، كل المعنى يصلح، والأول هو الأولى، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك، وبيّن أن الناس من آدم، وآدم من تراب، وأنه لا فضل لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأبيض على أسود، فكل الناس سواء عند الله عز وجل، لكن يفضلهم الله عز وجل بتقواه، ويكرمهم بتقواه سبحانه. وإلا كلهم خلقهم سواء. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾، ثم قال: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾. أيضًا خلق الله عز وجل الناس شعوبًا وقبائل. قيل: أن المراد بالشعوب هم العجم، وبالقبائل هم العرب. وقيل: أن المراد بالشعوب هو ما يجمع القبائل، أن القبائل الكبيرة كحمير مثلًا وسبأ وغيرها من القبائل الكبيرة. وكانت العرب تقسم الناس على ست مراتب: أولًا الشعب، ومن ثم بعد ذلك القبيلة، ثم العمارة، ثم بعد ذلك البطن، ثم الفخذ، ثم الفرع أو الفصيل، الفصيل بعد ذلك. وقد ذكر الله عز وجل الشعوبية والقبائل والفصيلة، ذكر هذه الثلاثة في القرآن: ﴿ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴾. وهذه الأمور مثلًا كما يقال: خزيمة يعتبر شعبًا، تنتسب إليه قبائل كثيرة تنتسب إلى شعب خزيمة. والقبيلة: كنانة، فكنانة أيضًا تنتسب إليها قبائل كثيرة كبيرة، فهي قبيلة. والعمارة: قريش، قريش تنتسب إلى كنانة، وهي عمارة. والبطن: بنو عبد مناف، يعتبرون بطنًا من بطون قريش. وكذلك أيضًا الفخذ: يعتبر مثل بني هاشم، يعتبرون فخذًا من فخائد قريش، أو من فخائد بني عبد مناف. وكذلك أيضًا الفصيلة: مثل بني العباس، مثل بني العباس، وهم فصيلة من فصائل بني هاشم، فصيلة من فصائل بني هاشم. وهكذا كان العرب يقسمون الناس لهذه الأمور. وما الفائدة في هذا؟ الفائدة كما ذكر الله عز وجل قال: ﴿ لِتَعَارَفُوا ﴾. قال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾، أي ليعرف بعضكم بعضًا، يعرف أن هذا فلان ينتسب إلى قبيلة فلان، فلان ابن فلان، حتى لا يشتبه في الناس. فإذا عرفت القبائل عرف الناس. فالآن عندنا مثلًا كثير ممن يسمى مثلًا محمد بن عبد الله بن علي مثلًا، لكن تميزهم القبيلة، فهذا من قبيلة فلان، وهذا من قبيلة فلان، فيعرف الناس بعضهم بعضًا، ويميز بعضهم بعضًا بهذه القبائل وهذه العشائر التي ينتسبون إليها. فقال الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾. وقيل كذلك: لتعارفوا، أي ليعرف بعضكم نسب بعض، حتى تتواصلوا، كما جاء في الحديث: «اعرفوا أنسابكم لكي تصلوا أرحامكم». اعرفوا أنسابكم، وقد أخرجه البزار، وكذلك عند الطبراني: «اعرفوا» أو جاء في لفظ: «احفظوا أنسابكم لتصلوا أرحامكم». فأيضًا هذا معنى من هذه المعاني التي تدل عليه هذه الآية: ﴿ لِتَعَارَفُوا ﴾، أي ليعرف بعضكم بعضًا، فإن كان من نسبه وصله. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لقريش: «إنما لكم رحم سأبلها ببلالها»، أي ليس بيني وبينكم شيء إلا هذه الرحم، سأصلكم بها، وعما غيرها فلا. ولهذا استدل كثير من العلماء بهذه الآية على عدم الكفاءة، على عدم اشتراط الكفاءة في النكاح، أي كفاءة النسب، أن لا تشترط، خلافًا لمذهب الشافعي رحمه الله، أنهم اشترطوا كفاءة النسب، وليس من شرط الصحة، وإنما من شرط الكمال. وصحيح أنها ليست بشرط، لا بصحة ولا بكمال، لأنه قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه زوج بعض الهاشميين غيرهم، بعض القرشيين غيرهم من الموالي. فزوج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، زوجها مولاه زيد بن حارثة، ثم طلقها زيد وتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا كذلك زوج النبي عليه الصلاة والسلام فاطمة بنت قيس، وهي زوجها لأسامة بن زيد، مولى. وغيرها من هذه التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في زواجهم. فقد زوج أيضًا المقداد بن الأسود، ضباعة أو ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام، تزوجها المقداد، والمقداد ليس قرشيًا، وإنما هو في حلف قريش. فهذه الكفاءة ليست مشروطة. فاستدل كثير من العلماء بهذا. وأيضًا في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فأكرم الناس على الله عز وجل هو أتقاهم لله، وأقربهم لله سبحانه وتعالى. ولهذا لما سئل النبي عليه الصلاة السلام كما في البخاري عن أبي هريرة، سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: «أتقاهم». قال السائل: ليس عن هذا نسألك يا رسول الله. قال: «تسألوني عن نبي الله، عن يوسف بن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله، هذا النسب الأكرم عند الله، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». قالوا: ليس عن هذا نسألك يا رسول الله. قال: «تسألون عن معادن العرب؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». معادن العرب، أي قبائلهم. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الخيرة ليست تبقى لأولئك إلا إذا كانوا أخيارًا في الإسلام. كانوا هناك بعض في العرب، بعضهم مثلًا من يقرأ الضيف ويكرم الضيف كثيرًا، مثلما نقل عن حاتم الطائي. ومنهم من يكون في النجدات، ينجد الناس، ومن استغاث به أو من لم يستغث به، كالمعذر بن يكرم، وغيرهم ممن عرف من العرب بفضائل العظيمة، أيضًا من نصرة المظلوم وغيره. فهؤلاء لهم فضائل، ولهم أيضًا كرم عند الناس، ولهم مكان عند الناس. فهل تبقى مكانتهم بعد الإسلام؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». فهم يسودون الناس إذا كانوا علماء، فقهوا دين الله عز وجل. أما إن كانوا جهالًا، فهم لا يسودون الناس، لا يسود الناس جاهل، وإنما يسود الناس هم العلماء، يقودون الناس لأنهم ورثة الأنبياء. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». فأكرم الناس عند الله عز وجل أتقاهم لله. وأما الكرامة عند الله فهي بالتقوى، ليس بالعلم، وليس أيضًا بالنسب، وليس بشيء من هذه الأمور، إنما بتقوى الله. فقد يكون رجل عنده علم كثير، لكنه لا يتقي الله، رجل فاسق أو ضال، يدعو الناس إلى الضلال، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «دعاة على أبواب جهنم». فهذا ليس أكرم عند الله، وإن كان عالمًا، لكن علمه حجة عليه. وأيضًا كذلك، ولو كان أيضًا ذا نسب، أيضًا لا يكون أكرم عند الله عز وجل، بل إذا كان متقيًا لله. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يضع هذا الأمر في الصحابة رضي الله عنهم، فجاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسًا وعنده رجل، فمر رجل من أغنياء المسلمين ومن كبرائهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل الذي عنده: «ماذا تعدون هذا فيكم؟» قال: هذا حري، إن تكلم أن يسمع له، وإن خطب أن يزوج، وإن شفع أن يشفع. قال: هذا الرجل إذا خطب يسمع له، إذا تكلم يسمع له، وإذا شفع يشفع، وإذا خطب يزوج. فمر رجل من ضعفاء المسلمين وفقرائهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: «ماذا تعدون هذا فيكم؟» قال: هذا حري، أي حقيقة، إن تكلم لا يسمع له، وإن شفع لا يشفع، وإن خطب لا يزوج. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لهذا أفضل من ملء الأرض من مثل ذاك». لهذا، هذا الضعيف الفقير، لكنه من تقاة المسلمين وعبادهم، فقال: «لهذا أفضل من ملء الأرض من مثل ذاك». فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغرز في الصحابة أن العبرة ليس بالمال، وليس بالنسب، وليس بالحسب، وإنما العبرة بتقوى الله جل وعلا. فهذا قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾، عليم بباطنكم وبظواهركم، وهو خبير سبحانه وتعالى بما يصلح هذه البواطن وهذه الظواهر. وهذه الخصلة خصلة دميمة، وهي التفاخر، وإنما الخصلة الحميدة هي تقوى الله عز وجل. فإذا أراد العبد أن يتزين لربه، فيتزين بتقواه سبحانه وتعالى، والتقرب إليه جل وعلا. فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. فهذا هو فحوى هذه الآية. وهناك فوائد أيضًا تؤخذ من هذه الآية، نتركها إن شاء الله تعالى في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.