قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 18

الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم الغيبة وعظم خطرها في القرآن والسنة

يستعرض المقطع قول الله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ مشبهًا الغيبة بأكل لحم الأخ ميتًا، مستدلًا بحديث ماعز الأسلمي وجيفة الحمار. يؤكد إجماع العلماء على كونها من الكبائر المفسدة للمجتمعات، ويذكر وعيد النبي صلى الله عليه وسلم لأهلها في المعراج.

أشكال الغيبة الخفية ووعيدها الشديد من النصوص

يبين المقطع صورًا خفية للغيبة كالتعجب والتمثيل والشفقة الكاذبة، مستشهدًا بقصة عائشة رضي الله عنها مع صفية. يحذر من استخفاف الناس بها واعتبارها عادة مجالس، داعيًا لمراقبة الله وحفظ اللسان من أذية المؤمنين وأكل الأعراض.

عقوبة الغيبة وآثارها واستثناءاتها المشروعة عند السلف

يوضح المقطع أن الغيبة تأكل الحسنات وتنقلها للمغتاب مستشهدًا بأقوال السلف وحديث المفلس، ويبين وجوب التحلل أو الاستغفار والدعاء. يستعرض ستة مواضع تباح فيها الغيبة كالتظلم والتحذير والاستفتاء مع تفصيل ضوابط كل حالة.

خاتمة الدرس وتلخيص مواضع جواز الغيبة

يختصر المتحدث ما ذُكر من حالات يُباح فيها الغيبة الست اكتفاءً بالبيان السابق. يختم الدرس بالحمد لله والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا في درس الماضِي في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12]، فأخذنا في درس الماضِي التجسسَ وخطرَه على المسلمين عامة، وبينّا -بين اليوم إن شاء الله تعالى- قول الله تعالى في الغيبة. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ﴾، أي: لا يجعل المسلم يغتاب أخاه، لأنه إذا اغتاب أخاه فهو كأنه اغتاب نفسه. ﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾، أي: يكره الإنسان أن يأكل لحم أخيه ميتًا، بل إنه يكره أن يأكل لحم أخيه حيًّا، فكيف وهو ميت؟ فهذه النفس تكرهه طبعًا، فكذلك أيضًا ينبغي للمسلم أن يكره أيضًا غيبة أخيه، وأن يذكر أخاه بما يكره في المجالس وغيرها، فإن هذا أيضًا من أكل لحمه ميتًا. ولهذا ذكر الإمام أبو داود -وهو عند أحمد أيضًا- حديثَ أبي هريرة، وبعضُ أهل العلم ضعف هذا الحديث في إسناده، لكنه بهذا المعنى، وهو: عندما جاء ماعز الأسلمي إلى النبي عليه الصلاة والسلام واعترف بالزنا، فرجمه، أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه. فلما رجم، قال رجل من المسلمين لرجل آخر: «قد ستر الله عز وجل عليه، فأبى إلا أن يُرجم كما يُرجم الكلب». فسمعها النبي عليه الصلاة والسلام منهما، فمشى، ثم جاء عند جيفة حمار، جيفة حمار: حمار ميت. فقال: «أين فلان وفلان؟» فقالا: «نحن ذا يا رسول الله». فقال: «كُلا من هذه الجيفة». قالا: «وكيف نأكل يا رسول الله من جيفة ميتة؟» فقال: «ما نِلتم من أخيكما هو أعظم مما تأكلون من هذه الجيفة»، أو قال: «ما أكلتم من لحم أخيكما هو أعظم مما نِلتم -أو مما تأكلون- من هذه الجيفة». فلذلك فالغيبة عظيمة، وهي مصيبة على المسلمين، أنا من ناحية أنها كثيرة في المسلمين إلا من رحم الله، ومن وفقه الله عز وجل، وقليل ما هم. فالغيبة انتشرت كانتشار النار في الهشيم، انتشرت بين الناس، بل حتى بين الصالحين. فلذلك من وُفِّق لترك هذه الغيبة فهو قد وُفِّق لخير عظيم، وما يُوفَّق لها إلا ذو حظ عظيم، لأن من حفظ لسانه -وهي أعظم ما يحفظ في الإنسان اللسان، لأنها المحرك للجوارح- كما جاء في الحديث: «أن الجوارح كلها تقول للسان: إن استقمتِ استقمنا، وإن اعوججتِ اعوججنا». وجاء في البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَن يَضْمَن لي ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رِجْلَيْهِ أَضْمَن له الجنة»، أن من ضمن لسانه وفرجه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أضمن له الجنة». فلذلك فحفظ اللسان عظيم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت. فالذي يراقب الله عز وجل هو الذي ينجو من هذه المعصية، بل هي كبيرة من كبائر الذنوب. وحكى القرطبي في تفسيره إجماع العلماء على أنها -أو اتفاق العلماء على أنها- كبيرة. وذكر بعض أهل العلم التفريق بين الغيبة أو بين الشخص الذي يغتاب وبين ما يقال فيه، كما ذكر ذلك الغزالي في الإحياء، لكن أكثر أهل العلم على أنها كبيرة. الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب، ودلت الأدلة على ذلك، منها الآية: ﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾. الله عز وجل شبه اغتياب الرجل لأخيه بمن يأكل لحم أخيه ميتًا، ولا شك أن هذا عظيم، ولم يشبه هذا التشبيه إلا لأن الغيبة عظيمة، ولأن فيها انتهاكًا لعرض المسلم، وفيها كذلك أيضًا من ناحية المجتمعات: تفكك الأسر وتفكك المجتمعات بسبب هذه الغيبة، وأيضًا إحلال الفساد والشحناء والبغضاء والعداوة بسبب هذه الغيبة. فلذلك فهي تعتبر كبيرة من كبائر الذنوب. وقد جاء أيضًا ما يدل على أنها كبيرة، ما جاء عند أحمد وأبي داود وغيرهما عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مُرِرْتُ حين أُسْرِي بي، مُرِرْتُ بقوم لهم أظفار من نحاس يَخْمِشون وجوههم وصدورهم». يَخْمِشون: يأتون بأظفارهم ويجرحون وجوههم وصدورهم. فقلت: «يا جبريل، من هؤلاء؟» قال: «هؤلاء الذين يغتابون الناس ويأكلون أعراضهم، الذين يغتابون الناس ويأكلون أعراضهم». فانظر إلى هذا الحديث، جاء فيه وعيد شديد لمن يغتاب الناس. وأيضًا الحديث الذي ذكرناه قبل، حديث بريرة، من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه فضحه الله ولو في قعر بيته». فهذا أيضًا ما يدل على أن هذه الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب. وأيضًا هي تدخل أيضًا في الآيات التي فيها ذكر الأعراض، مثل قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [النور: 23]، وأيضًا تدخل في أذية المؤمنين: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58]، وأيضًا تدخل أيضًا في الاستطالة في أعراض الناس، فهي غيبة أيضًا. وقد جاء في حديث أبي الأعور سعيد بن زيد رضي الله عنهما أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن أَرْبَى الرِّبَا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم، إن أَرْبَى الرِّبَا استطالة... استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم». قال البغوي: استطالة، أي: استطالة لسانه، طول لسانه أن يطيل لسانه فيه، أي: يقع فيه ويقع في عرضه. فهذا من أَرْبَى الرِّبَا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ونبينا عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قد قال، كما جاء في حديث بكرة وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». فالذي يقع في أعراض المسلمين فهو يغتابهم، وهو داخل في هذه الآيات والأحاديث. فلذلك فالغيبة أمرها عظيم، والواجب على المسلم أنه يراقب الله، فليقل خيرًا أو ليصمت. فإذا راقب العبد المسلم اللهَ فإنه ينجو بحمد الله جل وعلا. ولأن الغيبة تدخل بمعاني كثيرة، معنى يقولها الإنسان إما مثلًا يقولها لأجل مثلًا استنقاص لغيره، يقولها حسدًا لغيره، يقولها أيضًا أحيانًا كما قال الإمام النووي رحمه الله: يقولها تعجبًا، أو ذكرَ شيخ الإسلام أيضًا هذا، يقولها تعجبًا أو غمًّا، أنا يقول مثلًا: «كما أعجبتم من فلان يفعل كيت وكيت»، معنى يأتي بها على أنه تعجُّل أو غمٍّ، فيقول: «غَمَّنِي فلان أنه فعل كذا وكذا»، وهو يريد غيبته. وكذلك يقول: «مسكين فلان، حصل له كذا وقال كذا»، وهو يريد غيبته وذكره بما يكره. ولهذا أيضًا أحيانًا الغيبة تأتي بدون ما يشعر الإنسان أنه يريد أن يغتاب. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها، كما عند أحمد وأبي داود والنسائي: قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، حسبك صفية»، وتعني: أي قصيرة. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته، لو خُلِطَت بماء البحر لتغير البحر منها». قالت: «وحكيتُ له إنسانًا». قال: «لو أن لي كذا وكذا ما حكيتُ إنسانًا»، أنا مثلتُ شخصًا. فلذلك هذا الحديث يدل على أن تمثيل الأشخاص يعتبر أيضًا من الغيبة التي حرمها الله، أن يمثل شخصًا سواء كان في هيئته مشيًا أو في كلامه، ويريد ذمَّه بذلك، فهذا يعتبر أيضًا من الغيبة. ولهذا أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على الصديقة رضي الله عنها، وهي ما كانت تقصد العيب، لكن لمَّا ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذه الكلمة عظيمة... وكم من يذكر شخص فيقول: «فلان قصير، فلان كذا»، وهو يريد عيبه، ما يريد مثلًا تعريفًا به، يريد عيبه، فهذا لا يجوز، ويعتبر من الغيبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلتِ كلمة لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته». فلذلك فالواجب علينا عباد الله أن نتوقَّى في الكلام ولا نغتاب، وإذا نُصِحنا أن ننتصح. فإن كثيرًا ما يكون في المجالس، فتجد الرجل ينتهك عرض أخيه ويتكلم فيه، فإذا قيل له: «اتق الله»، قال: «إيش، نحن نغتاب؟» وكأنه لا يغتاب، فهو يغتاب ويتكلم في أخيه ويظن أنها ليست بغيبة. وأيضًا تجد أنه يغضب إذا نُصِح. وأيضًا كذلك من ينصح في مثل هذه الأشياء، تجد أن الناس يبتعدون عنهم، لماذا؟ لأنه يذكرهم بمثل هذه الأمور، ويظنون أنه يُعَكِّر مجالسهم بهذا، لأن كما قال العلماء: «أصبحت الغيبة فاكهة المسلمين». والعاقل لا ينبغي له أن يغتاب. ولهذا يقول عبد الله المبارك رحمه الله: «لو أردت أن أغتاب أحدًا لاغتبتُ أمي، فهي أحق بحسناتي». أنا الذي يغتاب يهدي للناس حسناته. ولهذا الحسن البصري رضي الله عنه لما جاءه رجل وقال: «فلان يتكلم عليك»، دخل بيته وعطاه طبقًا من تمر، وقال: «اهْدِهِ إياه، فإن كان حقًا فقد أعطاني حسناته». فهذا الفقه العظيم الذي كان عليه السلف. فلذلك فهم لا يفرحون بهذه الغيبة لأنها تأكل الحسنات وتأخذ الحسنات، كما جاء في حديث المفلس. فلذلك من حصل منه أن يغتاب أخاه، بدون أن يشعر أو موافقة لأهل المجلس، فالذي ينبغي له أن يستحلّ منه. وهل واجب علي أن أذهب إليه وأستحلّ؟ قال العلماء: إن كان في أمر لا بد منه فيه قصاص، مثلًا كالقتل، أقصد كالقذف، فهذا لا بد أن يتحلل منه ويذهب إليه. وإن كان أمر ليس كذلك، فهذا إن كان مثلًا رأى أنه سيزيد إتيانه إليه في مثلًا أنه يغضب عليه، أو تكون بينهما شحناء وكذا، فلا يذهب، ويستغفر له ويدعو له، فهذا يعتبر مثل التحلل منه. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان لأخيه عليه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل الغد، فإن ثم... فإن ثم ليس دينار ولا درهم»، أي: ليس هناك، ليس ثم دينار ولا درهم، ليس في القيامة دينار ولا درهم، وإنما الحسنات والسيئات. وكما جاء في حديث المفلس: «فيأخذ غرماؤه من حسناته»، الذي جاء وقد شتم هذا وسب هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا، فتأخذ من حسناته فتُرَدّ إلى حسناته غيره، حتى إذا فنيت أخذ من سيئات غيره فطُرِحَت عليه فأُدخل النار. فهذا ليس بالهين، إذا كثر الإنسان أو صارت الغيبة عنده مرضًا في ذكر الناس، فإنه سيخسر كثيرًا، قد تذهب حسناته كلها، وهذا خسار عظيم. فلذلك ينبغي للمسلم أنه يتحرى لنفسه ويراقب الله عز وجل في كلماته، فإن حصل منه شيء استغفر الله، وإن حصل أيضًا منه شيء واستطاع أن يتحلل من أخيه فليتحلل، فهو أعظم. فلذلك فهذه الغيبة وخطرها، وقد جاء أن الغيبة تباح في بعض المواضع، كما ذكر بعضهم، ذكره الإمام النووي وغيره، ذاك البيت: «القَذْحُ ليس بِغِيبَةٍ في سِتَّةٍ: مُتَظَلِّمٍ، وَمُعَرِّفٍ، وَمُحَذِّرٍ، وَمُجَاهِرٍ بِفُسْقٍ، وَمُسْتَفْتٍ، وَمَن طَلَبَ إِعَانَةً فِي إِزَالَةِ مُنْكَرٍ». هذه ستة الأشياء: المتظلم، والمعرف الذي يعرف: «ذاك الأعمش، أو ذاك الأعرج»، وعرف به، أو «ذاك الصغير» لأنه عُرِف بالصغير، هذا ما في شيء إذا كان عبر تعريف. أو متظلم: يتظلم عند من ينصفه، أو من يظن أنه سينصفه: «فلان أخذ مالي، فلان فعل بي كذا وكذا»، فهذا ما في شيء. أيضًا كذلك الذي يحذر منه: إذا كان من أهل البدع، ومن يفسد في دين الله عز وجل، أو أنه لأجل مثلًا استنصح في زواج أو غيره، فقال بنصحه، فحذر من هذا الشخص أن يُزَوِّجوه أو كذا، فهذا كله من الغيبة الجائزة. وكذلك أيضًا مجاهر بالفسق: الذي يجاهر بالفسق تسقط حرمته، كما قال الحسن: «من جاهر بفسقه سقطت حرمته»، أنه لا حرمة له. لكن ليس المراد أنه لا حرمة له أنه يتكلم في أشياء غير ما هو عليه من المعصية، أنه لا يجوز أن يتكلم في شكله الذي خلقه الله عز وجل عليه، لا يجوز أيضًا أن يتكلم في أهله في كذا. فالأمور التي لا تتعلق بهذه المعصية لا يتكلم فيها. لكن لو تكلم بأنه شارب خمر، رجل زانٍ، وغيره من هذا، وهو مجاهر بمثل هذه الأمور، فهذا قد سقطت حرمته أصلًا، فليس عليه غيبة. بل العلماء قالوا: الذي هو مشهور بالزنى ويتفاخر به، فإنه ليس أيضًا عليه قذف، لو قذف أيضًا هذا القذف صحيح، لأنه هو الذي يتجاهر أو يجاهر بهذه المعصية. ومنهم من يجعل ذلك في أغنية، ومنهم من يجعل ذلك في شعر، وهذا كله من المجاهرة بالمعاصي. فلذلك من جاهر بالفسق فقد سقطت حرمته وأُجيزت غيبته، وقد ذكر القرطبي إجماع المسلمين على هذا. وكذلك أيضًا قال: «ومَن طَلَبَ إِعَانَةً فِي إِزَالَةِ مُنْكَرٍ»، أنا مثلًا يأتي إلى فلان يقول له: «انظر إلى فلان يفعل كذا ويفعل كذا، لماذا لا تنصحه؟ لماذا لا...» معنى: تَمْنَعُهُ من هذا، فهذا أيضًا جائز لأجل المصلحة، وأجل مصلحة هو نفسه أنه يُنْصَح من ذلك المنكر الذي يأتي. فهذه بعض الأشياء التي ذُكِرَت أنه يجوز فيها الغيبة باختصار، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين.