شرح أعلام السنة المنشورة  10

شرح أعلام السنة المنشورة 10

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف الشريعة الحنيفية وملة إبراهيم

يتم تعريف الشريعة الحنيفية وملة إبراهيم عليه السلام بأنها تقوم على التوحيد الخالص والإسلام الذي هو الدين المقبول عند الله تعالى. يُبين أهمية اتباع ملة إبراهيم.

ملة إبراهيم ودين الإسلام والابتداع الديني

يشرح المقطع ملة إبراهيم الحنيفية التوحيدية ويبين أن اليهود والنصارى أعرضوا عنها، ويؤكد أن الإسلام هو الدين المقبول عند الله. يُحذر من ابتداع الشرائع والطقوس الدينية.

خطورة الابتداع في العبادات وتوقيفيتها

يتناول خطورة ابتداع الطقوس الدينية وادعاء حق التشريع، ويبين أن العبادات توقيفية ولا يجوز شرع شيء منها إلا بما جاء في الكتاب والسنة. يُحذر من اتباع من يشرعون للناس طقوسًا لم يأذن بها الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يدان إلا به؟ أي ما هي الشريعة التي أمر الله تعالى أن لا نتقرب ولا نتعبد الله إلا بها؟ قال رحمه الله تعالى: هي الحنيفية، ملة إبراهيم عليه السلام. مر معنى ما المقصود بالملة الحنيفية، الملة الحنيفية بمعنى الملة المائلة عن الشرك، إذ أن الحنيفية مأخوذة من الحنف، والحنف هو الميل، ومنه يقال في حق الرجل: فلان أحنف، إذا كان فيه ميل في قدمه. فالحنف هو الميل، فالملة الحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك، وهي ملة إبراهيم عليه السلام. تنسب الحنيفية لإبراهيم عليه السلام؛ لأن إبراهيم عليه السلام قد ابتلاه الله بعدة كلمات، بعدة أمور واختبارات، فوفاها جميعًا عليه الصلاة والسلام، كما قال ربنا عنه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي وفَّى الذي عليه، ابتلاه الله سبحانه وتعالى بكلمات فأتمَّهن. ما هي الكلمات التي ابتلاه الله بهن؟ قال العلماء: هي هذه الاختبارات من الأوامر والنواهي، ابتلاه الله جل وعلا بما ابتلى به إبراهيم من الأمور التي لهي تكون صعبة على النفوس. ابتلاه الله بالهجرة، بترك أهله وابنه في واد غير ذي زرع، ابتلاه الله عز وجل بتكسير الأصنام على حال من ضعف كان فيها، ابتلاه الله عز وجل بذبح ابنه، ابتلاه الله عز وجل برفع راية الولاء والبراء، فهجر أباه وهجر قومه. كم وكم من الابتلاءات ابتلاه الله بالرمي في النار، وصبر وكان صابرًا مثابرًا عليه الصلاة والسلام. فابتلاه الله سبحانه وتعالى بعدة كلمات، بعدة أمور في الأوامر والنواهي، فأتمهن ووفاهن جميعًا، وما خرم منها شيئًا عليه الصلاة والسلام. قال: هي الحنيفية، ملة إبراهيم عليه السلام. قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فالإسلام هو دين إبراهيم، وهو الدين الذي أمر الخلق جميعًا باعتناقه، وهي الشريعة التي لا محيصة ولا محيدة عنها لمن أراد النجاة في الدنيا والآخرة. ما لو إلا التمسك بشريعة الإسلام؟ ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وأي دين إن صح إن كانت تسمية صحيحة، وأي شريعة غير شريعة الإسلام، فلن ينتفع بها صاحبها لا في دنيا ولا في الآخرة. قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، هذه البشرية وهذا الخلق، ما الذي يبغون غير دين الله جل وعلا؟ أيبغون دين عبادة الحيوانات والكائنات؟ نحن رأينا خلقًا من خلق الله بلغ من السذاجة من يعبد البقر، ومن يعبد العجل، ومن يعبد القرد، بل ومنهم من يعبد الفئران. حقارة ارتضوها لأنفسهم، فتركوا دين الله والتجأوا إلى دين الحيوانات، فعبدوا الحيوانات، ومنهم لربما التحق فعظم بشرًا من بني جنسه، عظم رجلًا، عظم آدميًا، فجعلوا آلهة، ظن فيه النفع وظن فيه الضر، ومنهم من لربما بلغت به سذاجة فيعتقد في الأحجار، ويعتقد في الأشجار، ويعتقد في الصخور، فجعلها آلهة تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. هذا الذي يبغيه العبد أن تصل به السفاهة إلى أن يعبد مثل هذه الكائنات، ويرغب عن ربه. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، طوعًا أهل الإسلام هم الذين استسلموا لله بهذا الدين، بالقيام بأوامره، بالقيام بشرعه، تعظيمًا لله، واستسلامًا لدين الإسلام. وكرها، وما عليه الكافر، الكافر قد استسلم لربه كما يقال: لزومًا، لزومًا، وذلك أنه استسلم لقضاء الله وقدره، لا محيصة للكافر من الاستسلام لشرع الله، أي في قضائه وقدره، فحكم الله نافذ على كل كافر، رضي هذا الكافر أو لم يرضَ. إن كتب الله عليه الشقاء فإنه يشقى، إن كتب الله عليه الموت فإنه يموت، إن كتب الله عليه البلاء والمصائب والآفات والعاهات، فإنه سيصاب بها شاء أم أبى، فإنه لزومًا سيستسلم لأمر ربه، أي في قضائه وقدره سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، ذكرنا أن ملة إبراهيم ما هي؟ ملة إبراهيم هو التوحيد الخالص، هذه ملة إبراهيم الذي أتى بها عليه السلام، أتى بالتوحيد الخالص، ومن هنا أمرنا أهل الإسلام باتباع ملته عليه السلام. قل: صدق الله، فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا، فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا، وكما أقبل أمر ربنا نبينا صلوات ربي وسلام عليه بأن يلتحق وأن يلتزم بشريعة إبراهيم؛ لأن شريعته هي الشريعة التوحيد الخالصة. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا، وتأمل هذا الوصف الذي لا يكاد ينفك عن إبراهيم عليه السلام، أنه حنيف، أنه حنيف، أي موحد، توحيده أعظم توحيد، كما عبر ابن القيم في معنى الحنيف: هو المقبل على الله، المعرض عن ما سواه، هذا هو الحنيف، أقبل على ربه بكل شيء، قلبًا وقالبًا، ظاهرا وباطنًا، هذا إبراهيم، وهذا دينه، دينه الحنيفية التوحيد. فقال ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، قال العلماء من أهل التفسير، كما ذكر ذلك الطبري رحمه الله تعالى: أن هذه الآية أراد بها ربنا عز وجل أن يتكلم عن اليهود وعن النصارى، هم الذين رغبوا، أي أعرضوا وأدبروا وصدوا عن ملة إبراهيم، أي الملة الحنيفية. اليهود والنصارى أعرضوا عن اتباع شريعة إبراهيم عليه السلام، اليهود مثلًا كانت عندهم التوراة، فضيعوها بالتحريف والتصحيف والتلاعب بما فيها من أحكام ونصوص وآيات، ثم استبدلوها بقول الحاخامات، حاخاماتهم من كبرائهم، وأتوا بالتلمود، وأتوا بكتب صنعتها أيديهم وأيدي أحبارهم، فجعلوها دستورهم، وأعرضوا عن التوراة وما فيها، ومن ثم أعرضوا عن ملة إبراهيم. هؤلاء هم أهل السفاهة، اليهود، وهكذا قل في حق النصارى، النصارى كان عندهم الإنجيل، وما أتى به عيسى لهم من أحكام وشرائع، فتركوا هذا، فأتوا إلى الإنجيل وغيروا وبدلوا وحرفوا وصحفوا، ثم تبعوا بعد ذلك بولس، ذاك الرجل الذي ظهر بين النصارى، وحرف وغير الكثير من معالم دين النصرانية. فأتى لهم بالتجسيد، وأتى لهم بالقول بالإبنية بأن عيسى بن الله، وأتى لهم بالتثليث، وأتى لهم بالصليب، عقائد ما كانت معروفة عند النصارى، لكن ظهرت عند الخلوف ممن أتى بعد أتباع عيسى عليه السلام، أتت هذه الأمور عن طريق بولس، وعن طريق جماعة من الرهبان ابتدعوا بدعًا في دين النصارى، حتى أخرجوهم عن دين إبراهيم عليه السلام، خرجوا عن التوحيد، فهؤلاء هم أهل السفاهة. قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فأي شخص اعتنق دينًا أو ملة غير دين الإسلام، فإنه مردود على وجهه، ولو كان يهوديًا، ولو كان نصرانيًا. ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، ما يسمع بي يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بما أنزل عليَّ، إلا كان من أصحاب النار»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والذي نفسي بيده، ما يسمع بي يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن به، كحال الكفار هذا الزمان، سمعوا ببعثته وسمعوا بنبوته وبرسالته، إلا أنهم استكبروا، أعرضوا، ولوا على أدبارهم، معرضين عن دين رسول الله عليه الصلاة والسلام، هؤلاء من أصحاب النار، أعرضوا عن دينه، وما آمنوا بما جاء به نبينا من الإسلام والدين، وبما فيه من أحكام القرآن، فهؤلاء كفار، من أصحاب النار. ومن هنا إخواني في الله، نعلم أن التلميع لدين اليهود والنصارى لن يفلح، لا يفلح هذا أبدًا، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، عندما ابتلي بعض المسلمين، لا أقول من عوامهم، بل حتى من بعض من ينتسب إلى الفكر، ومن ينتسب إلى الدعوة والحركة الإصلاحية في بعض المجتمعات المسلمين، عندما ابتلوا وابتلاهم الله بالهزيمة الفكرية، ورأوا على حد زعمهم مبتلى به المسلمون من حالات الضعف والذل والهوان. حين أخذوا يلمعون في دين اليهودية وفي دين النصرانية، وأنها أديان مقدسة، أديان مقدسة، حتى تجرأ منهم من تجرأ أن يقول: لا بأس لأي شخص أن يبدل دينه، لك ذلك، أنت مسلم مثلًا تريد أن تعتنق اليهودية اعتنقها، ما في شيء، أو أنت يهودي وأردت أن تعتنق النصرانية اعتنقها، ليس فيها شيء، هذه أديان مقدسة، هذه أديان سماوية. وهذا هو عين الكفر، هذا هو عين الكفر، لا يجوز من يبدل دينه، من بدل دينه فاقتلوه، يقتل، ومن ذا الذي يقول أن دين النصرانية هو الدين الذي ارتضاه الله؟ ومن قال أن اليهودية هو الدين الذي ارتضاه الله؟ لا، ما ارتضى الله لا اليهودية ولا النصرانية؛ لأن هذه قد خرجت عن دين إبراهيم. ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا، ما كان إبراهيم أبدًا، الآن النصارى واليهود يدعون أن إبراهيم عليه السلام هو أبو الرسائل وهو أبوهم، فاليهود مثلًا الآن يفتخرون بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام، وهكذا النصارى يفتخرون بنسبتهم إلى إبراهيم عليه السلام. لكن هل هذه النسبة تنفعهم؟ هل هذه النسبة تشفع لهم بالاستمرار على ما هم فيه من التنصير ومن التثليث ومن الشرك ومن إثبات البنوة للأنبياء وأنهم أبناء الله؟ لا، هذا ما يرتضيه إبراهيم عليه السلام. ومن هنا عندما اتخذ ربنا جل وعلا الإمامة لإبراهيم، ماذا طلب إبراهيم عليه السلام؟ طلب إبراهيم عليه السلام أن تكون في ذريته الإمامة، وهذا من حب إبراهيم عليه السلام لأتباعه ولذريته من بعده. بشر ربنا عز، بأن يكون إماما: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، متى كان إبراهيم إماما في الدين؟ عندما قام بما أمره وكلفه ربه به، بلغ مبلغًا عظيمًا، حتى اتخذه الله إماما للناس، حينها أراد إبراهيم عليه السلام وطمع من ربه أن الله يجعل الإمامة فيه وفي ذريته من بعده. فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَتِي﴾، قال ربنا: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، ليس كل من انتسب لك تكون له الإمامة، ومن هؤلاء اليهود والنصارى؟ فكونهم ينتسبون إلى إبراهيم وأنه من ذريته، قال: «أنتم ظلمتم أنفسكم»، بماذا؟ بالكفر وبالشرك وبالتغيير والتحريف والتطاول على رسل الله، فما لكم عهد عند الله. فلأنهم يفتخرون بأننا نحن على دين إبراهيم، حتى سمعنا بما يسمى ببعض المجتمعات التجمعات يقوم بها بعض الأحزاب الدينية واللا دينية كذلك، ما يسمى بالأديان الإبراهيمية أو الملة الإبراهيمية، وما الذي يعنون بالملة الإبراهيمية؟ الملة للثلاث: الإسلام واليهودية والنصرانية، وأن سقف إبراهيم هو الذي يجمع الكل، هو الذي يجمع الكل. ونحن ما دام تحت ملة إبراهيم، فنحن جميعًا على دين واحد، فحين أتى ما يسمى بتوحيد الأديان، ومنهم من أتى بمن هو أعظم من ذلك، ما سمعت بتغيير الأديان، لك أن تكون مسلمًا اليوم، غدًا تكون يهوديًا، وتنوع، وبعدها غدًا تكون نصرانيًا، تنوع يا عبد الله بين الشرائع، تنوع يا عبد الله بين الشرائع. وهذا إخواني فلا، كل من الضلال المبين، ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ما هناك دين ارتضاه الله للبشرية إلا هذا الدين، قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، والآية الأخيرة كذلك تبين أن الشريعة التي ارتضاها الله لعباده هي الشريعة التي جاءت من عند الله، وهي شريعة الإسلام. أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به؟ فكل من شرع للناس شريعة من غير شريعة الإسلام، فقد اتخذ من نفسه شريكًا مع الله، اتخذ مع نفسه شريكًا مع الله. وكم من مبطلين في مثل هذه الأزمان من كثير من ادعى لنفسه أنه شريك مع الله، لا أقول بلسان المقال، بل بلسان الحال، بلسان الحال، كهذا الذي يبيح للناس الوقوع في الشرك، وهكذا من كان من أهل البدع، وهكذا من حلل الحرام أو حرم الحلال، كل من غير في دين الله وأدخل في الدين ما ليس منه، هذا قد اتخذ لنفسه شركاء مع الله، اتخذ لنفسه شركاء مع الله، وزعم أنه شريك لله. لأن التشريع يا عبد الله هو حق لله سبحانه وتعالى، لا أحد يزاحمه في هذه الدين والملة أن يشرع لعباد الله ما شاء أن يشرع، حتى أدنى الأمور، الآن تنظر إلى المبتدع مثلًا، الذين قد طم وعم مذهبهم المبطل، إذ أنهم يقننون للناس عبادات، طقوسًا، وحركات، وهيئات، وأزمانًا، وأماكن يعبدون فيها الله. في شهر كذا عبادة خاصة، وفي وقت كذا عبادة خاصة، وفي الصباح عبادة، وفي المساء عبادة، وتللك الأذكار، ذكر الفلاني يقال كذا، وذكر الفلاني يقال كذا، وكل هذه الأشياء من طقوس ومن هيئات ومن أذكار ومن أقوال ومن أفعال ومن عبادات، لو أردت عليها دليل ما وجدت دليل عليها، من أين جاءت؟ تشريع، شرعوا أناس من عند أنفسهم، ظنًا أن هذا يقربهم إلى الله، وهذا مما أبعدهم عن الله عز وجل. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله»، تخير رجل قام بين الناس وأخذ يرغبهم بأمور مستحبة: «افعلوا كذا، هذا من فعل الخير، هذا مما يحبه الله»، أو أوجبه: «افعلوا كذا، من لم يقم بالزيارة الفلانية، فهذا قد ضل ضلالًا مبينًا»، أوجب على الخلق بعض المظاهر وبعض الطقوس، ما حكمه؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله، من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك، فقد اتخذه شريكًا لله»، أعوذ بالله. ومن تأمل هذا الكلام، وفي واقع الناس يرى عظم المصيبة التي حلت بين العباد وفي البلاد، كم من رؤوس ظهرت واشرأبت أعناقها في هذا الأزمان، وأخذ يقننون، وأخذ يشرعون للناس بعض الطقوس، وبعض الزيارات، وبعض الهيئات، يقال كذا في المكان الفلاني، ويذكر كذا من الورد الفلاني، وكل ذلك ما أنزل الله بها من السلطان. وكأن هؤلاء نصبوا أنفسهم شركاء مع الله، ومن ارتضى ذلك منهم، وأن أحدًا من الناس مخول أن يشرع للناس ما شاء، فقد اتخذ هذا المشرع شريكًا مع الله، وهذه من أعظم الفرية على الله سبحانه وتعالى. فقال ربنا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، واستفاد العلماء من هذه الآية أن العبادات توقيفية، توقيفية، فلا أحد يشرع لا مستحبًا، ولا مندوبًا، ولا واجبًا إلا بما جاء عن الله في دين الإسلام، عن طريق الكتاب والسنة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه لذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.