الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 466، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن سند حديث سلمة بن يزيد الجعفي ويشرح نسبه وأصوله. يروي الحديث الذي سأل فيه سلمة بن يزيد النبي عن نفع أفعال أمه الصالحة في الجاهلية.
يناقش ما إذا كانت الأعمال الصالحة في الجاهلية تنفع في الآخرة. يستدل بحديث يبين مصير الوائدة والموؤودة ويوضح أن أهل الجاهلية كانوا على دين إبراهيم قبل تحريفه.
يتناول أحكام أهل الفترة والجاهلية ويبين أن أعمال الخير لا تنفع من لم يسلم. يشرح عادة وأد البنات وعقابهم في الآخرة ويبين أن أهل الشرك كلهم في النار إلا من استثناه الدليل.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما، بعد. قال شيخ نبقل بن هاد الوعد رحمه الله: مسند سلمة بن يزيد الجعفي. سلمة بن يزيد هو جعفي، والجعفيون من ينتسبون إلى بني سعد العشيرة، وهم من مدحج من قبائل اليمن، ومن قبائل حضرموت. أنا أكثرهم في حضرموت، لكنهم متفرقون، أي بنو مدحج، ومنهم الجعفيون. وقد سكنوا الحجاز، أو أكثرهم سكن الحجاز، وبعضهم سكن في اليمن في تلك الفترة. وسلمه -كما سيأتي في الحديث- إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أخيه، وكان من سكان أهل الكوفة. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا ابن أبي عدي، وابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم ابن أبي عدي البصري، أبو عمر البصري رحمه الله، كان حافظا من حفاظ البصرة. قال: عن داود بن أبي هند، وهو أبو محمد البصري، وهو أيضا ثقة، زاهد، فقيه من فقهاء أهل البصرة. قال حماد بن زيد: كان داود بن أبي هند من أفقه الناس. ويقال أن أصله خراسان، لكنه سكن البصرة. قال: عن الشعبي، وهو عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمر الشعبي رحمه الله، الكوفي، كان آية في الحفظ، كان يحفظ كثيرا، وهو أكبر من أبي إسحاق السبيعي. والظاهر أنه يقارب النعمان. وكان هؤلاء هم حفاظ الكوفة في زمن التابعين: الشعبي، وأبو إسحاق، وإبراهيم. إلا أن إبراهيم كان أفقههم في الحديث، معنى أفقههم في المسائل، والشعبي أحفظهم. وأبو إسحاق أيضا يعتبر حافظا أو من حفاظ الكوفة. وقد حفظ حديث أهل الكوفة رحمه الله، وأكثر ما نشر حديث أهل الكوفة من طريقه؛ لأنه عاش أكثر من الشعبي، والنفع أكثر. فلهذا أدركه الأجيال والأحفاد، وروى عنه رحمه الله. وشعبي كان أيضا فقيها، وقد أدرك جماعة من الصحابة، وجماعة يرسل عنهم، يرسل عنهم، معنى أنه لم يسمع منهم. وممن أدركه يقينا: عمران بن بشير، روى عنه كثيرا، وسمرة بن جندب، وعمران بن حسين. ومن هؤلاء الذين أدركهم في البصرة والكوفة. وأما روايته عن أمهات المؤمنين، فالظاهر أنه لم يسمع من أحد من أمهات المؤمنين، لا عائشة ولا أم سلمة. وكذلك روايته عن أمهات أيضا مرسلة. أنا في حديث الخروج من المنزل من طريق الشعبي عن أم سلمة، وهو لم يسمع منها. قال: عن الشعبي، عن علقمة، علقمة بن قيس النخعي، أبو شبل النخعي، وكان فقيها، عالما، زاهدا. كان يشبه بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو أفضل أصحابه على الإطلاق. أنا من ناحية أنه أخذ علم عبد الله بن مسعود ونشره. وكان أعرج رحمه الله، معنى أصابه العرج، وهو من الخمسة المعيبين من أصحاب عبد الله. فكان علقمة فقيها، يفتي للكوفة، وهو عم أم إبراهيم، إبراهيم النخعي. علقمة والأسود يعتبران أعمام أمه، والأسود أخو علقمة. وعبد الرحمن بن الأسود أيضا من أصحاب عبد الله، يعتبر ابن أخيه الأسود. وكان علقمة هو الذي يفتي من أصحاب عبد الله إذا حضروا جميعا. قال: عن علقمة، عن سلمة بن يزيد بن سلمة الجعفي، قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلف في اسمه سلمة، فمنهم من قال: أنه يزيد بن سلمة، وليس سلمة بن يزيد، بل صحح بعضهم -كأبي حاتم- أنه يزيد بن سلمة. وصحح أكثر العلماء -كالبخاري وغيره- أنه سلمة بن يزيد. وكذلك اختلف في أخيه، وقيل: أنه قيس بن سلمة. فإذا كان قيس بن سلمة، فمعنى ذلك أن أخاه يزيد بن سلمة. قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قلنا: يا رسول الله، إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، مليكة -معنى تصغير لملك- وكانت هذه التسمية موجودة في العرب عند العرب، وهي لا بأس بها. قال: إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، وتقر الضيف، وتفعل وتفعل، أنا لها أشياء كثيرة من أفعال الخير، هلكت في الجاهلية. فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: لا. قال: فإنها كانت وعدة أخت لنا في الجاهلية. فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: الوائدة والموؤودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام، فيعفو الله عنها. قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. هذا الحديث رجاله رجال البخاري ومسلم. وقد خرج البخاري إلى علقمة حديثا كثيرا بهذا الإسناد. وأما سلمة بن يزيد، فلم يخرج له البخاري شيئا، وأخرج له مسلم حديثا واحدا. قال: قد أخرج أبو داود من حديث عامر الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود. وذكر البخاري الاختلاف على علقمة في تاريخه. والذي يظهر لي أن علقمة -وهو ابن قيس- قد رواه عن ابن مسعود، وعن سلمة بن يزيد الجعفي. وحديث علقمة عن سلمة بن يزيد الجعفي من الحديث التي ألزم الدارقطني البخارية ومسلمة أن يخرجاها. فرجح الشيخ رحمه الله أن علقمة رواه عن ابن مسعود، وعن سلمة. والغالب أن من رواه عن ابن مسعود لعله وهب؛ لأن هذه الجادة. وقد كان أبو حاتم وغيره من الأئمة يعللون بهذا، أن يعللون بأن من اتخذ الجادة غالبا يكون فيه وهم، ومن جاء بإسناد غريب فالغالب أنه حفظ. فالغالب أنه حفظ هذا في حديث سلمان، حديث سلمان في غسل الجمعة: أن غسل الجمعة واجب على كل مسلم. فرواه جماعة عن ثابت، فقال: عن أنس. وقال حماد بن زيد: عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن سلمان الفارسي. فقال أبو حاتم وغيره: هذا -أحمد- قد حفظ، وإلا من أين له هذا الإسناد؟ أنا يدل الإسناد الغريب على أن المحدث حفظ هذا الحديث، بخلاف غيره ممن اتخذ الجادة، فقال: ثابت عن أنس. وهذا لعله أيضا مثله. فإن علقمة أكثر ما يروي يروي عن عبد الله بن مسعود. لكن من جاء بهذا الحديث عن سلمة بن يزيد فهو حفظ الحديث. فقال في هذا الحديث: ذكر سلمة للنبي عليه الصلاة والسلام أن أمه كانت تفعل الخير في الجاهلية، ولكن ظاهر الحديث أنها لم تسلم. فقال: هل نافعها شيئا؟ فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: لا. عن الأفعال التي كانت تفعل في الجاهلية لا ينتفع بها الإنسان. فلهذا قالت عائشة رضي الله عنها: عبد الله بن زيد بن جدعان كان يفعل ويفعل، أنا ذكرت له من صفات. فهل كان نافعه ذلك شيئا؟ قال: لا. ما قال يوما: اللهم اغفر لي وارشد أمري، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. عن أنه لم يسلم، لم يسلم، بل كان على دين أهل الجاهلية. وهذا من الأدلة المتكاثرة التي تدل على أن أهل الجاهلية الذين كانوا قبل مبعث رسول الله كانوا على دين، وليس هم من أهل الفترة. كانوا على دين إبراهيم. وقد وجد فيهم من كان على ذلك، وإن كان لا يعرف شيئا من دين إبراهيم إلا ترك عبادة الأصنام. أنا وجد قيس بن ساعدة، وكذلك أيضا عمر بن زيد بن عمرو بن نفيل، وغيرهم. وأيضا كذلك ورقة بن نوفل، وجماعة من الحنيفيين -كما يسمونهم- كانوا يسمونهم الحنيفيين؛ لأنهم كانوا على دين إبراهيم، لكنهم ما كانوا يعلمون شيئا عن دين إبراهيم، وإنما كانوا قد فارقوا عبادة الأصنام، كانوا على التوحيد. فهذا يدلك على أنهم كان عندهم هذا الدين دين إبراهيم، وإنما غير هذا الدين، وأول من غيره هو عمرو بن لحي الخزاعي. عمرو بن لحي الخزاعي كان لما سكنت خزاعة في مكة، وصار لها السيادة، فذهب عمرو بن لحي إلى الشام، ووجدهم يعبدون الأصنام، ويسيبون السوائب. وراد يسيبون السوائب، أي: يهدون ويتقربون إلى الأصنام بالإبل، فيسيبون السائبة، يتركونها سائبة، يقولون: هذه للأصنام، أو للصنم الفلاني، أو للإله الفلاني، حتى تذبح له. فهذا كان أول من جاء بهذا الفعل، لم يكن في مكة حتى جاء به هذا المدبر عمرو بن لحي الخزاعي. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: رأيت عمرو بن لحي الخزاعي في النار، يدور حول غيابة، عن عمه لأنه أول من سيب السوائب. أنا أول من جاء بالشرك في مكة، فعاقبه الله عز وجل بذلك. وهذا يدل على أن أهل تلك الفترة كانوا على دين، وإلا لم يعذب الله عز وجل أحدا منهم. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فلهذا القول الصحيح من أقوال العلم: أن أهل الفترة ليسوا من أهل الجاهلية، بل كان عندهم دين، وإن هذا الحديث، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعتبر ما فعلته هذه المرأة من خير، أن كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل أشياء من الفعل الخير، فهي لم ينفع هذا؛ لأنها لم تسلم. وحكيم بن حزام لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، إنه كانت لي في الجاهلية صدقة وعتاق، وذكر شيئا من أعمال الخير. فهل تنفعني؟ قال: «أسلمت على ما أسلفت من خير». قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما أسلفت من خير». أن هذا الخير الذي كنت تفعله ستؤجر عليه. فالذي يسلم لله عز وجل يبدل الله سيئاته حسنات. فكيف لا يؤجره على حسناته؟ فدل على أن من آمن من أهل الجاهلية، فإن الله عز وجل يؤجره. وأما من بقي على ما هو عليه، أو مات قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس بنافعه هذه الأعمال. وأيضا هنا قال: لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: كانت وعدت أختا لنا، وعدت -من الإياد- وهو الإخفاء، أي: أخفتها ودفنتها حية. وكان هذا عادة عند أهل الجاهلية، يخشون منهم من يخشى العار، ومنهم من يخشى الفقر. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. إن قتلهم كان خطأ كبيرا. معنى: لا تقتلوا أولادكم لأجل الفقر؛ فالرازق هو الله عز وجل. وفي آية الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أو ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. معنى أن الله عز وجل بين لهم أنه هو الرازق لهم، ولهؤلاء أيضا إذا بقيوا ما دام أنه يرزقكم، فهو سيرزق أيضا من بقي من هذه البنات. فلهذا كانت هذه العادة موجودة عند أهل الجاهلية. وأما ما جاء عن عمر، فالظاهر أنه لا يصح أنه وأد بنتا من بناته. معنى: دفن حية. فهذا لا يصح. وعن عمر أنه فعل ذلك؛ لأن أكبر بناته هي حفصة، أكبر بنات عمر هي حفصة رضي الله عنها، بل أكبر أولاده وهي حية. فلو كان دفن أحدا لدفن حفصة، لكنه لم يثبت هذا. وإنما ذكره بعضهم بدون إسناد. قال الضاحك: إنه ذكره الواقدي. فكان هذا في فعل الجاهلية، حتى لو فعله ليس عيبا عليه؛ لأنه كان يفعلون في الجاهلية، ثم تاب منه وأسلم رضي الله عنه. بل كانوا يفعلون أكثر من هذا، وهو الشرك، وهو شرك بالله، وعبادة الأصنام، وهو أعظم من هذا. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الوائدة والموؤودة في النار». أنا التي فعلت الوائد، والمفعول بها أيضا تلاهما في النار. لماذا الموؤودة؟ ماذا هذه الموؤودة أن تكون في النار؟ أنا ماذا فعلت؟ أشل الجواب: ماذا فعلت حتى تكون من أهل النار؟ ها لا. لا الموؤودة هذه التي وئدت، أنا التي دفنت البنت. ليش هي في النار؟ ماتت على الجاهلية. هذا إذا كانت كبيرة. وأما إن كانت صغيرة، فعلى ما جاء في الخلاف في أبناء المشركين. وهذا الحديث دليل أيضا واضح على أن كل من كان قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسلم، أو لم يبحث عن الإسلام، فإنه يكون من أهل النار، إلا من استثناهم النبي عليه الصلاة والسلام، كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وغيرهم. فهذا الحديث، كما قلنا، يدل على أن من كان في الجاهلية هو من أهل النار. وأيضا مما يدل على المسألة المشهورة في أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي أثارها بعض أهل التصوف، وبعض من تأثر بهم، كالسيوطي وغيره. فالعادة التي جاءت: أن أهل شرك كلهم في النار، أي أهل الجاهلية، إلا من استثناه الدليل. وكان أيضا ممن بحث عن الإسلام. والله تعالى أعلم.