أعمال أهل الجنة - التنبيهات الختام لأعمال أهل الجنان 13

أعمال أهل الجنة - التنبيهات الختام لأعمال أهل الجنان 13

الدرس في أعمال أهل الجنة - التنبيهات الختام لأعمال أهل الجنان 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

سعة رحمة الله وأبواب الجنة

يتحدث عن سعة رحمة الله في أبواب الجنة وتعدد الأعمال الصالحة المؤدية إليها. يبين أن نية التقرب إلى الله بأعمال صالحة هي مفتاح الخلود في الجنة.

أهمية العمل والاجتهاد لنيل الجنة

يشدد على أن الجنة لا تنال بالتمنيات بل تحتاج إلى عمل وجهاد وتضحية. الإنسان يجب أن يصبر على الطاعات ويبذل الجهد لنيل الجنة.

أصناف أهل الجنة وطرق طلبها

يذكر أن كل مسلم يجب أن يسعى لطلب الجنة، ويستشهد بحديث نبوي يعدد ثلاثة أصناف من أهل الجنة. يشير إلى أن الرجال والنساء يمكنهم طلب الجنة بأعمال صالحة مختلفة.

الدعاء والتوفيق للطاعات

يتضمن دعاء للتوفيق لما يحبه الله ويرضى، وسؤال الله تعالى تسهيل الوصول إلى الجنة، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في هذا المقام، إخواني في الله، وصلنا إلى الختام، إلى ختام تلكم السلسلة، والتي عرجنا فيها على أهم الأعمال والأقوال والأحوال التي من وفق إليها جعله الله سبحانه وتعالى من أهل الجنان. وإن مما يختم به هذا المقام، إخواني في الله، أن نشير إلى بعض الإشارات إلى أهم المسائل التي ينبغي أن تذكر، تنويها وتنبيها لها. أولا، التنبيه الأول، من خلال عروجنا على تلكم المسائل التي مرت، من قضايا التوحيد والأعمال والفرائض، إلى آخره، في هذا الباب، يتجلى لنا سعة رحمة الرحمن سبحانه وتعالى في هذا الباب، والذي قد مضى معنا، يتجلى فيها سعة رحمة الرحمن جل في علاء، وذلك من عدة وجوه. الوجه الأول، ما كان من تعدد الأعمال، من كان حاضرًا في الدروس الأولى إلى آخرها، يعلم تلكم الأبواب الكثيرة والأبواب العديدة التي تطرقنا إليها، وكلها تؤدي وتدعو إلى الجنة، وهذا من رحمة الله عز وجل. فلربما الإنسان قد يغلق عليه باب، فيفتح له باب آخر، كلما أغلق عليك باب من أعمال أهل الجنة، يفتح لك باب آخر، فما هناك عذر لأحد من خلق الله. وهذا إن دل على سعة رحمة الرحمن، أن نوع وعدد لنا الأعمال جل في علاء. ومن سعة رحمة الرحمن في هذا الباب أيضًا، ما كان من مضاعفة الأجور، فالحسنة بعشر أمثالها، هذا في كل عمل، في كل عمل، أضف إلى ذلك أن الحسنة بعشر أمثالها تضرب إلى سبعمائة ضعف، هذا لمن هذه حالته خاصة، لمن أتقن وأحسن العمل. الناس يتفاوتون في أداء الأعمال، رجل يصلي، وهذا يصلي، الحسنة بعشر أمثالها، هذا يصلي، الحسنة بعشر أمثالها، الكل في هذه المعادلة بالسوية، لكن هذا الذي صلى، كان من صلاته ما أظهر فيه من الخشوع والخضوع والخنوع لله عز وجل، من الخوف والخشية والبكاء والتضرع لله سبحانه وتعالى، هنا في صلاة هذا العبد، تضاف له معادلة أخرى، ألا وهي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، تضاعف الأعمال، هذا يا عبد الله، إن دل على ماذا؟ دل على عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى. ومن وجوه سعة الرب في هذا الباب أيضًا، ما كان من الفضل العظيم الذي أعده الله عز وجل لكل من عمل صالحًا، ألا وهي الجنة، وهذا الذي قد عقدنا له الباب، هي هذه الأبواب معقودة لعمل أهل الجنة، فأنت إن عملت صالحًا مما قد مضى معنا من تلكم السلسلة، سيعطيك ربك سبحانه وتعالى جنة عرضها السماوات والأرض. لو لم يكن من نعيم الجنة، طبعًا نعيمها عظيم، لا يوصف، بما فيها، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لكن إن لم يكن في الجنة إلا ما كان من العيش الأبدي، تعيش فلا تموت، كم ستعيش فيها؟ مئة سنة؟ ألف سنة؟ خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ما هناك فناء، أجر عظيم، ما يخطر على بال أحد من خلق الله. وهنا قال العلماء: لماذا هذا الأجر العظيم؟ قد يقول: وعد، بل هذا قد استشكله حتى المبتدعة، قالوا: كيف هذا الإنسان يعمل عملًا صالحًا في ستين سنة، فيعطى له دار تفوق على ستين ألف عام، آلاف السنين يعيش فيها؟ كيف هذا العمل القليل، وهذا الأجر الكثير؟ نبه العلماء إلى مسألة عظيمة، بها نيلت الخلود في الجنة، وهو ما كان من نيتك، وما كان من تقربك إلى الله بأعمالك الصالحة. أنت نعم، عشت في الدنيا ستين سنة، كنت في ماذا؟ في صلاة، في صيام، في طاعة، في بر، ستين سنة، كان عمرك لو قدر أن الله سبحانه وتعالى أعطاك مئة سنة، كيف سيكون حالك؟ ستبقى على هذه الحال، صلاة، صيام، بر، إحسان، تقوى، هدى، لو قدر أن الله عمرك في الدنيا مئتين سنة، كيف ستعيش فيها؟ على حالتك، صلاة، صيام، تقوى، بر، إحسان، لو قدر أن الله جعلك في الدنيا ألف سنة، كيف ستعيش فيها؟ على هذه النية. فلما كانت نية العبد نية صالحة مع ربه، في أنه لن يبقى في الدنيا إلا وهو مقبل على الأعمال الصالحة، لما كانت هذه نيته، وإن الله لو أعطاه مئات السنين، سيبقى على هذه الحال، كان الأجر من جنس نيته، أن الله يعطيك الجنة، لأنك لو عشت آلاف السنين، ستقضيها في طاعة الله، فكان الجزاء من جنس فعلك، ومن جنس نيتك. إذن، إخواني في الله، في هذا الباب، يتجلى لنا سعة رحمة الرحمن جل وعلا من عدة وجوه. الفائدة الثانية، مما نستفيد من خلال الخوض في هذا الباب، في تتبع أهم الأعمال والأحوال لأصحاب أهل الجنة، ما يكون من البذل والجد والاجتهاد الذي ينبغي أن يبذل. من تتبع معنا في أول السلسلة، يرى أنها عبارة عن أعمال وأحوال وأعمال تحتاج إلى مثابرة، تحتاج إلى تضحية، تحتاج إلى بذل، إلى نفقة، إلى عطاء، تحتاج إلى جد واجتهاد. الجنة يا عبد الله، لا تنال بالأمنيات، والأمنيات أو بالأحلام النرجسية كما تسمى، الجنة يا عبد الله، تحتاج إلى عمل. لهذا قال ربنا جل في علاء: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، سمى ربنا جل وعلا أن الإنسان يرغم نفسه على الطاعة جهادًا، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فالجنة يا عبد الله، لا تنال براحة الجسد، بالدعاء والسكون والخور والفتور والتكاسل والتقاعد، الجنة تحتاج إلى عطاء، إلى بذل، إلى جد، إلى اجتهاد. ولهذا ذكر ربنا عز وجل في كتابه أن الملائكة إذا دخلوا على أهل الجنة، وقد استقر بهم المقام في بيوتهم وقصورهم ودورهم، قالوا لهم: «سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار»، بالصبر. فالإنسان، إخواني في الله، في هذه الدنيا، إذا أراد الجنة، عليه أن يصبر عليها، يبذل. وقد جاء، كما في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «حفت الجنة بالمكاره»، الجنة محفوفة بالمكاره، أي مكاره مما تكره النفوس وتتثاقلها النفوس، ويشق على الصدور. الجنة تحتاج إلى صلاة، النفس تتعب من الصلاة، لربما تحاول أن تتفلت من الصلاة، الجنة محفوفة بالصيام، الصيام مشقة، تحتاج إلى زكاة، الزكاة بذل وإخراج من مالك، تحتاج إلى حج، إلى ذكر، إلى قرآن، وهذه الأشياء النفوس تتثاقلها. فلا يمكنك أن تدخل الجنة إلا أن تتجاوز هذه المكروهات مما تكرهه النفوس، «وحفت الجنة بالمكاره»، فهذه ثقيلة على الأنفس. مع التنبيه أن هذا الثقل في باب الطاعة والعبادة، إنما تجده يا عبد الله في أوائل دخولك، لكن من خاض في باب الطاعة والعبادة، فإنه يأنس بها، يأنس بها. يوجد هذا، تجد بعض الناس، ولله الحمد، أصبح قلبه معلقًا بالمساجد، من نفسه، إذا خرج يمنة ويسرة، وجد ضيقًا، يحب أن يرجع إلى بيوت الله، أصبح أنسه وبهجة قلبه في طاعة ربه، لأنه قد اعتاد عليها. فالثقل، إخواني في الله، يكون في بداية الأمور. نعم، غدًا الخميس، غدًا الاثنين، الأيام الفاضلة، صم يا عبد الله، لربما إذا ذكرت بالصيام، تجد ثقلًا في بدايته، لكن إذا صمت، تجد الراحة تأتيك. فالجنة يا عبد الله، تحتاج إلى بذل وعطاء. ثالثًا، مما يستفاد من هذا الباب عمومًا، إخواني في الله، علينا أن نعلم أن كل مسلم ينبغي أن يسعى في طلب الجنة، الصغير والكبير، والغني والفقير، والعظيم والحقير، الكل يسعى لطلب الجنة، فيبحث عن أعمالها، عن أقوالها، عن أحوالها، مما يسعفه في أن يدنوه من جنان الخلد، ما هناك يا إخواني في الله، يرى أنه لا يحتاج إلى الجنة. وتأمل ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رقيق القلب رحيم لكل ذوي قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفف ذو عيال». هذه نماذج ذكرها نبينا عليه الصلاة والسلام لأصحاب الجنة، من هم؟ فذكر الأول: سلطان مقسط، الأمراء، الحكام، السلاطين، ذوي النفوذ، ذوي الأموال والأراضي، هل هؤلاء في منأى عن الجنة؟ لا، اطلب الجنة كما يطلبها خلق الله عز وجل، اطلبها بماذا؟ بالقصد، كن عدلًا، عادلًا في حكمك، عادلًا في تولية أمور منصبك، بإنزال العدل والقصد على رعيته. قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط»، فدل على أن هذا الأمير، وهذا الكبير، لا ينخدع ببرهج الحياة الذي هو عليه، أو الكرسي الذي نصب له، لا يا عبد، أنت تفتقر إلى الجنة، اعمل، اعمل للجنة، ولو من خلال منصبك الذي ولاك الله عليه، وذلك بالعدل، ابتعد عن الظلم والحيف والجور لخلق الله وعباد الله. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ورجل رقيق القلب رحيم لكل ذوي قربى ومسلم»، إشارة إلى عناية الإنسان بنفسه وبغيره، عناية الإنسان بنفسه بأن يكون عنده رقة، خوف وخشية من الله، ثم يظهر ذلك في تعامله مع خلق الله، بأن يكون رحيمًا، وخاصة مع ذوي القربى، ومع عامة المسلمين. ثم ثالثًا، قال: «ورجل عفيف متعفف ذو عيال»، فقير، فقير ذو مسكنة، ذو عيال، إشارة إلى فقره وضعفه، لكنه مع ضعف وفقره، يطلب الجنة بماذا؟ بعفته، بعفته، فلا يجعل ما ابتلاه الله به من فقر ومسكنة ذريعة في أنه يكذب، يغش، يخدع، كما نرى للأسف من بعض المتسولين، لربما يأتي ويفتري القصص المكذوبة، بل بالأيمان المغلبة، والله وبالله وتالله، أنا فيه كذا، وفيه كذا، وعيالي، ثم يعرج على أبويه، فيهم كذا، ثم يعرج على سكنه، وعندي كذا، ثم يعرج إلى جسمه، فيفتري على نفسه وعلى أهله وعلى عياله، علّ وعسى أن يدفع هذه الحاجة من فقره ومن مسكنته بالكذب. لا يا عبد الله، هذا ليس ذريعة، فدل هذا الحديث على أن من كان سلطانًا غنيًا، ومن كان فقيرًا، الكل يطلب الجنة، الكل، ما هناك أحد بمعزل عن الجنة. رابعًا، إخواني في الله، مما يستفاد كذلك، كما أن الجميع على كافة أصناف وطبقات يطلبون الجنة، كذلك على اختلاف أجناسهم. فإذا كان الرجال من جنس الذكور يطلبون الجنة، فكذلك الإناث، النساء، تطلب الجنة، فلا تظن المرأة أن لضعفها ولقلة حيلتها أنها يمكن أن تنأى بنفسها عن طلب الجنة، فتفعل ما تشاء، لا يا أمة الله، بل كذلك المرأة تطلب الجنة بما تستطيع من عمل. مر معنا في هذه السلسلة قصة تلك المرأة التي سقت كلبًا فغفر الله لها وأدخلها الجنة، قصة تلك المرأة التي يذكر من قلة صلاتها وصيامها، إلا أنها تحسن جوارها، أدخلها الله الجنة، قصة تلك المرأة التي تنازلت عن حقها في سبيل رضا زوجها، فقالت: «والله لا أذوق غمضًا حتى ترضى»، فأدخلها الله الجنة. فالمرأة تسعى، تسعى، عباد الله، في طلب الجنة بما تستطيع من أعمال. هذه، إخواني، تنبيهات أربع، أذكرها ختامًا لهذه السلسلة التي بدأناها بذكر وتتبع أهم الأعمال والأقوال والأحوال التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة، وهي في طبيعة الحال مما يسرها الله على خلقه وعبيده. فأسأل مولانا جل وعلا أن يوفقنا لما يحبه ويرضى، وأن الله عز وجل يسهل لنا الجنة وما دناها منها، وما قرب إليها من قول وعمل، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الجنة ومن أصحابها وروادها، وأسأل سبحانه وتعالى أن يوفقنا لكل ما يحبه ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.