الدرس في كتاب الصيام 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف الفقهاء في حكم صيام ست من شوال بين الاستحباب والعدم، واستدل كل طرف بالأحاديث والآثار. يُعتبر صيامها مستحباً عند الشافعية والحنابلة والحنفية.
يُناقش تحديد صيام الست من شوال، ويُبين أن صيامها في غير شوال يُعتبر خطأ. يُفسّر العلماء أجر صيامها مع رمضان بمثابة صيام سنة كاملة.
يتناول صيام ست من شوال وثلاثة أيام من كل شهر، حيث يُعتبر صيام الدهر كله فريضة عند بعض العلماء. يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويفضل أن تكون أيام البيض.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال المؤلف رحمه الله: يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال عند الثلاثة، وقال مالك: لا يستحب. فهذه المسألة مسألة صيام الست من شوال، قد جاء فيها حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، خالد بن زيد، يقول: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر». فذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة إلى استحباب صيام ست من شوال، أن تكون من شوال. وأما مالك، قال: لا يستحب. وجاء عنه تعليلات، من تلك التعليلات أنه مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه، أهل الجهل والجفاء يكرهون أن يلحق برمضان ما ليس منه. ولهذا قال بجواز أن يصام، أو أن يصوم الشخص به خاصة نفسه، ولا يجهر بذلك. وجاء تعليل أنه لم ير أحدا من السلف أنه يصومه، أي من أهل المدينة. لكن هذا التعليل غير صحيح. وقد روى حديث أبي أيوب الأنصاري سعد بن سعيد القطان، أخو يحيى بن سعيد، وتكلم فيه بعضهم في حفظه، لكنه الذي استقر عند العلماء أنه ثقة، لكن له بعض الأوهام. وأيضا قد جاءت أحاديث أيضا تشهد له، من حديث ثوبان عند أحمد وأبي داود، وفيه أن من صام ستا - أو صام رمضان ثم صام ستا من شوال - كان كصيام الدهر. وجاء في رواية في حديث ثوبان قال: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من الفطر كان كصيام الدهر». أستة من الفطر، معنى من أشهر الفطر، أو من شهر الفطر الذي يفطر فيه. وهذا هو المتبادر إلى الذهن، ستا من الفطر، أي من الشهر الذي يفطر فيه، وهو شوال. فلهذا هذه الرواية ليست معارضة لرواية ذكر شوال، فذكر ستا من الفطر لا تعارض ستا من شوال، لأن أول الفطر هو شوال، فلا شك أنها تحمل عليه، لأن تعيين شوال جاء في الصحيح، صحيح مسلم، في حديث أبي أيوب. وجاء أيضا في نفس الحديث، حديث ثوبان. فلهذا فمن قال أنه ستا من الفطر يحمل على شوال، لأنه شهر الفطر. وأما من قال من المالكية أنه لا بأس أن تصام في غير شوال، فقولهم خطأ. وهذا نشره بعض الحزبيين، وإن كانت هذه المسألة لا دخل لها في هذا الباب، هي مسألة اجتهاد، لكن نشر هذه المسألة انتشارا عظيما على أنه لا يلزم أن يصام ستا من شوال، بل يصوم كل السنة، معنى من أي شهر. وحجة في ذلك الرواية التي جاءت في حديث ثوبان. وكما قلنا أنها وإن صحت على أنها - مثلا - ستا من الفطر، فهي تحمل لا شك وتقيد بشوال، لأن الأحاديث جاءت مقيدة بشوال. وأيضا كذلك أن العلماء يقولون: وجاء ذلك عن الحسن وعن غيره أن ستا من شوال إذا صامها العبد بعد رمضان فإنها تنحو نحو الفريضة، كأنه صام سنة فريضة، ليس فرض ونفل، بل سنة فريضة. الذين قالوا أنه يصام في كل شهر، قالوا: لا فرق بين صيام ستا من شوال أو ستا من ذي القعدة، لأن الحسن بعشر أمثالها، فرمضان عشرة أشهر، وستة أيام بشهرين، فرمضان بعشرة أشهر، وبقية السنة. معنى ستة الأيام هذه بشهرين، لأن الحسن بعشر أمثالها. فإذا كان صام رمضان، فرمضان ثلاثين يوما، على أنها ثلاثين يوما، كل يوم بعشر حسنات، وهكذا. فالمهم أنهم قاسوا هذا، قالوا: هذا ستة الأيام في كل شهر، الستة الأيام في كل شهر، لأن اليوم بعشر حسنات، معنى ستة أيام بستين حسنة، معنى شهرين. فقالوا: هذا يصلح حتى في غير شوال. لكن كما قال العلماء: أن صيام شوال مع رمضان هو صيام فريضة، يعني يتحصل على أجل الفريضة الدهر كله، وكأنه صام الدهر كله فريضة، ليس نفلا، كأنه صام الدهر فريضة، ليس نفلا. وهذا مما يفرق بين صيام ستة من شوال وغيرها، حتى ولو لم يكن هذا التعليل، فمدام أن الشرع قد قيده بستة من شوال، فلابد أن نقيده مثل ما قيده الشرع، فلاستحباب يكون أن يصوم ستة من شوال. وهل لا بد أن يصومها بعد أن يقضي؟ فهذا العقل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال». لكن القضاء موسع، والقضاء موسع، والفضيلة في صيام ستة شوال محددة ومضيقة. فلهذا مدام كذلك، فله أن يقدم المضيق على الموسع، فإذا ضاق عليه الوقت ما يستطيع أن يصوم ستة، فمعنى أن يكمل ما تبقى عليه من رمضان، وكذلك أن يصوم ستة من شوال، فلا بأس أنه يقدم الستة من شوال، ثم يجعل القضاء في أي شهر. وأما مالك، كما قلنا، يقول: أنه لا يستحب. طيب، قال: واتفقوا على صوم الثلاثة الأيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. واختلفوا في أفضل الأعمال بعد الفريضة. طيب، الآن خلاصة الصيام، أو هذه المسألة مسألة صيام ثلاثة أيام من كل شهر. فالصحيح من أقوال العلماء أن تحديد الأيام بأيام البيض ليس على سبيل أنه لا يصام إلا أيام البيض، بل يجوز أن يصوم الإنسان الثلاثة الأيام ولو كانت متفرقة، يصوم يوم في أول شهر، يصوم يوم في وسطه، يصوم يوم في آخره، لا بأس بذلك، ولا يشترط أن تكون أيام البيض. لكن يستحب أن تكون أيام البيض، عندما تكون القمر منير، فيكون الثالث عشر، الرابع عشر، الخامس عشر. فلهذا ما قلنا الأفضل أن تصام هذه الثلاثة الأيام، لكن لو صام غيرها من الأيام أجزأته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمر: «صم ثلاثة أيام من كل شهر». قال: إني أطيق أفضل من هذا. فتدرج معه، فدل على جواز صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ليست معينة. وإن كان الأفضل أن يعينها في أيام البيض، ثلاث عشر، رابع عشر، خامس عشر. فهذا خلاص ما يذكر في هذه المسائل. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.