الدرس في 03 تفسير سورة القارعة من التفسير الميسر، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الواحدي سورة القارعة بأنها أحد أسماء يوم القيامة لما يحصل فيها من أهوال، ويصف حال الناس يومها بأنهم يكونون كالفراش المبثوث والجراد المنتشر. يوم القيامة يشهد أهوالا عظيمة منها تفتت الجبال وتطايرها.
يتم فيه وزن الأعمال حيث توزن الحسنات والسيئات وتحدد مصير الإنسان، فمن ثقلت موازين حسناته أفلح ودخل الجنة، ومن خفت موازينه هلك ودخل النار. يتم الحديث عن عاقبة من ثقلت أو خفت موازينه يوم القيامة.
من ثقلت موازين حسناته يدخل الجنة، ومن خفت موازينه يدخل النار ويهوي في الهاوية. النار وُصفت بأنها أحميت حتى صارت سوداء مظلمة وحامية، تشتعل وتتقد لرؤية أهلها وتسمع لها تغيضا وزفيرا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الواحدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هي نار حامية﴾. يقول رحمه الله: صاحب التفسير «القارعة» هي الساعة التي تقرع قلوب الناس بأهوالها، فالقارعة اسم من أسماء يوم القيامة، وهي أسماء كثيرة جاءت في القرآن، وهذه الأسماء بحسب ما يحصل فيها. ومن ذلك: «قارعة» سميت قارعة لأنه يوم مهول عظيم، ومن شدته أنه يقرع قلوب الناس، أنه يهزها بشدة عندما يرون ذلك الأمر العظيم من تغير المخلوقات، هذه الجبال العظيمة الشامخة تدق وتصير كثيبا مهيلا يذهب مع الرياح، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، كل ذلك يفزع الشخص ويقرع قلبه. فقال الله عز وجل: ﴿القارعة ما القارعة﴾، أي شيء هذه القارعة؟ هذا من باب التعظيم. وقال: ﴿وما أدراك ما القارعة﴾، قد تقدم معنا أن «وما أدراك» إذا جاءت، «وما أدراك» معناها يفسرها ربنا جل وعلا، أي يأتي بمعناها. ﴿وما أدراك﴾ أي يا رسول الله ما هذه القارعة؟ ثم يفسرها ربنا جل وعلا. لكن إذا جاءت «وما يدريك» فهذه أو «ما يدريك» يأتي بعدها عدم تفسير، أي لا يعلمها إلا الله. «وما يدريك» لعل ساعة تكون قريبة. لكن إذا قال: «وما أدراك» جاء بتفسيرها، تفسيرها يكون في شيء يذكره ربنا جل وعلا يبين هذا الحدث العظيم. فقال: ﴿وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾، وهذا كما تقدم معنا عند قيامهم من قبورهم، لما يقومون من قبورهم ويرون هذا التغيير العظيم، فتجد أنهم يتشتتون، هذا يذهب هنا وهذا يذهب هنا، لا يدري أين يذهب وأين جهته، فيصيرون مثل الفراش المبثوث. قلنا: الفراش المبثوث الذي لا يدري أين جهته، فكل مجموعة تذهب إلى جهة معينة، وهذا أمر عظيم، كثرة على الناس جميعا يخرجون من قبورهم ثم لا يدرون إلى أين يذهبون، فمنهم من يذهب إلى هنا ومنهم من يذهب إلى هنا، لا يدرون أين جهتهم ولا يدرون ماذا الذي حصل. فيقول الإنسان: «ما لها؟ أنا إيش الذي حصل؟ إيش هذا الذي جعل الناس هكذا يتشتتون؟» يصدر الناس يوم إذن يصدر الناس أشتاتا يتشتتون ويتفرقون، فيصيرون كالفراش المبثوث. ثم بعد ذلك تعرف جهتهم، فينتشرون كالجراد مهطعين إلى الداعي، كأن الله عز وجل يجعل لهم داعيا يدعوهم فيتبعونه، فيصيرون مثل الجراد المنتشر. وقلنا: الفرق بين الفراش المبثوث والجراد المنتشر أن الجراد منتشر ومتفرق لكن جهته واحدة، يتجه إلى جهة واحدة، بخلاف الفراش، الفراش ما يتجه إلى جهة واحدة يتفرق. فلهذا أول أمرهم أنهم يكونون كالفراش لشدة الهول ولشدة الأمر، لكن يأتي بعد ذلك مناد يناديهم فيتبعون هذا المنادي فيكونون كالجراد المنتشر. وأيضا من هذه الأمور التي تقرع القلوب قال: ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾، يقول هنا: قبل هذا في ذلك اليوم يكون الناس في كثرتهم وتفرقهم وحركتهم كالفراش المبثوث، وهو الذي يتساقط في النار، لا يعرف جهته، ينتشر عند الضوء. قال: ﴿وتكون الجبال كالصوف المتعدد الألوان الذي ينفش باليد فيصير هباء﴾. هذا الجبال تكون كالعهن، العهن هو الصوف، تكون كالصوف المتعدد الألوان. فقال: ﴿كالعهن المنفوش﴾، ربنا جل وعلا ذكر حال الجبال يوم القيامة وذكر آيات كثيرة، وجمع بعض العلم بينها كثير. قول الله عز وجل: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾، وهنا قال: ﴿الجبال كالعهن المنفوش﴾، وأيضا ذكر في سورة المزمل أنه يدك هذه الجبال دكا. فهذه الجبال يدكها رب العالمين سبحانه وتعالى، كأنه شيء يدقها فتطمئل وتصير كالكوم، لكنه كثيب، فتأتي بعد ذلك الرياح فتفرقه، يكون مجمع لكنه مثل الصوف المنقوش ألوانا، لأن الجبل غالبا تجد فيه عدة أتربة، فلما ينهد تظهر هذه الأتربة كالألوان، فيصير كأنه صوف منقش وملون. فقال: ﴿فأما من ثقلت موازينه﴾، قال: فأما من رجحت موازين حسناته، فهو في حياة مرضية في الجنة، في ذلك اليوم يكون الحساب ويكون الموازين. فقوله: ﴿فأما من ثقلت موازينه﴾، هنا موازينه جمع موزون، أي الذي يوزن، وليس جمع ميزان، لأن جمع الميزان سيكون ميازينه، لكن قال: موازينه، أي جمع موزون، أي يوزن عمله ويوزن العامل نفسه، ويوزن أيضا كذلك الصحف، فكل ذلك يوزن، ويوزن في موازين أو ميازين للرب جل وعلا. فلهذا جاءت الأدلة لأن هذه الأشياء كلها توزن، يوزن الأعمال وتوزن كذلك، بل يوزن أيضا العامل نفسه، وتوزن الصحف كما جاء في حديث صاحب البطاقة، صاحب السجلات معنا، السجلات التي يكون فيها كتابة الحسنات والسيئات هذه أيضا توزن. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، من ثقلت حسناته على سيئاته فهو مفلح، من زادت وثقلت عشراته على أحاده أفلح، ومن رجحت أحاده على عشراته فهو خاسر، الأحاد هي السيئات والعشرات هي الحسنات لأن الحسنة بعشر أمثالها. فلهذا توزن الحسنات وتوزن كذلك العامل نفسه كما جاء في الحديد: «يؤتى بالرجل الكافر يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة»، رجل كافر يؤتى يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. قال الله عز وجل ثم قرأ قول الله جل وعلا في سورة الكهف: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾، فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا، لا يقيم الله عز وجل لهم وزنا. فيؤتى بالكافر الكبير لا يزن عند الله جناح بعوضة، بينما أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود لما صعد إلى شجرة الأراك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لهما في الميزان يوم القيامة أثقل عند الله من جبل أحد»، فدل على أن العامل أيضا يوزن وتوزن الصحف. فأما من ثقلت موازينه، أي كما قلنا جمع موزونات، فكلهم فالحسنات والسيئات توزن والعامل يوزن وكذلك الصحف والسجلات أيضا توزن. قال: ﴿فأما من ثقلت موازينه زادت حسناته على سيئاته فهو في عيشة راضية﴾، قال: فأما من رجحت موازين حسناته فهو في حياة مرضية في الجنة، فهو في عيشة راضية، أي رضي الله عز وجل عنه، فأدخله في ذلك النعيم والعيشة الراضية التي يرضى الله عز وجل عن أهلها، فيحل عليهم رضوانه جل وعلا، فلا يسخط عليهم بعدها أبدا. في الصحيحين في حديث أبي سعيد: «لما يدخل أهل الجنة الجنة فيقول الله عز وجل: يا أهل الجنة هل رضيتم؟» انظر إلى لطف الله عز وجل لعباده، وهو أعطاهم هذا النعيم العظيم كرمه جل وعلا ورحمته، فيقول: «هل رضيتم؟» فيقولون: «وكيف لا نرضى يا رب وقد أدخلتنا الجنة وبيضت وجوهنا؟» فيقول الله عز وجل: «فإني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبدا»، ما أغضب عليكم أبدا، وهذا لكرمه جل وعلا ولطفه بعباده سبحانه وتعالى، أنه يرضى عنهم رضا أبديا لا سخط بعده. قال ثم قال: ﴿وأما من خفت موازينه﴾، قال: وأما من خفت موازين حسناته ورجحت موازين سيئاته فمأواه جهنم، هذا الخاسر، ترجح كفة الأحاد على العشرات هذا يعتبر خاسر. وما جاء في حديث المفلس، في حديث أبي هريرة: «قال تدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا دينار»، قال: «المفلس الذي يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا، فيأخذ من حسناته فترد إلى حسنات غيره حتى إذا فنيت حسناته أخذت من سيئات غيره فطرحت عليه وأدخل النار والعياذ بالله». فقال: ﴿وأما من خفت موازين حسناته ورجحت موازين سيئاته فمأواه جهنم﴾. قال: ﴿وما أدراك ما هي نار حامية﴾، أيها الرسول ما هذه الهاوية؟ وما أدراك ما هي؟ هل تدري ما هي هذه الهاوية؟ فأمه هاوية، والمراد أمه هاوية، أكثر العلم على أن أمه أي دماغه، دماغه أي يهوي على رأسه على أم رأسه، على أم الرأس هي الدماغ. فأمه هاوية أي يهوي عليها في نار جهنم والعياذ بالله، يهوي على أمه، الأم المراد به الدماغ. معنى تسمى أم رأسه لهذا يقول فقهاء: معنى جاء في الحديث، معنى فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه في حديث عمر بن حزم: «وجاء أيضا من حديث عمر بن شعيب فقال: والمأمومة ثلث الدية»، المأمومة هي التي يكون ضربها في وسط الرأس، أي في الدماغ، دا كانت الضربة في الدماغ والجرح في الدماغ يسمى معمومة، لأنها في أم الرأس. وهذا المراد من هذه العبارة، فأمه هاوية أي يهوي على أم رأسه. قالوا: ﴿وما أدراك ما هي﴾، هنا لم يفسر الأم وإنما فسر الهاوية التي هي أسماء أو اسم من أسماء النار التي يهوي إليها الناس أن يسقطون فيها. قالوا: ﴿وما أدراك ما هي﴾ أي هذه الهاوية التي يهوي الناس إليها، قال: ﴿نار حامية﴾، إنها نار قد حميت من الوقود عليها لكثرة الوقود فيها، صارت حامية جدا. وجاء في الحديث أنها أحميت أو كانت النار بيضاء ثم أحميت فصارت حمراء ثم أحميت حتى صارت سوداء مظلمة، لكن الحديث معنى مختلف في صحته، فصارت النار مظلمة وحامية جدا لكثرة وقودها، وهي تشتعل وتتقد وتهيج وتشهق لرؤية أهلها إذا رأتهم من مكان بعيد، سمعوا لها تغيضا وزفيرا، تغيض عليها أن تلتهمهم. فقالوا: ﴿وما أدراك ما هي نار حامية﴾، هذا آخر سورة القارعة، فنكتفي بذلك. والله تعالى أعلم.